مقدمة
تحتل قضية المياه اليوم مكان الصدارة من اهتمامات دول العالم، ولقد أولتها الأمم المتحضرة جانباً من عنايتها وصولاً إلى تنمية مواردها المائية والمحافظة عليها من عوامل التبديد أو التلف ورفع كفاءة استخدامها وتعظيم العائد منها.
وتأتي مصر علي رأس الدول ليس فقط في القارة الأفريقية وإنما أيضا علي مستوي العالم من حيث الاهتمام بالمياه وحُسن إدارتها واحترامها إلى حد التقديس كما فعل المصريون القدامى في عهود الحضارة الفرعونية، وكانت من أولويات الحاكم تطهير المجري وإقامة القناطر لتنظيم اندفاع المياه والبحث عن المنابع وعقد الصلات الطيبة مع المجتمعات والشعوب المشاركة.. واستمر هذا من عصر إلى عصر.. في مسار من الصداقة والعلاقات الأخوية التي ترجمتها اتفاقيات عديدة كان أهمها: اتفاقية 1959 والتي تحصل مصر بمقتضاها على 55.5 مليار متر مكعب.. والسودان على 18.5 مليار متر مكعب باعتبار أن الإيراد الكلي للنهر هو 84 ملياراً يضيع منها نحو 10 مليارات أثناء الاندفاع من الجنوب إلى الشمال بسبب البخر والتسرب.
جدير بالذكر أن الإيراد الكلي للنهر (84 مليار) لا يمثل سوى 5% فقط من مياه السيول التي تهطل علي الهضبتين ـ الاستوائية والأثيوبية ـ، أي أن الفاقد يصل إلى 95% من المياه غير المستغلة.. أكثر من ذلك فان حجم السيول والأمطار التي تهطل علي الدول العشر التي يضمها حوض نهر النيل يصل إلى 7000 ـ سبعة آلاف ـ مليار متر مكعب ـ من المياه خارج الحوض أي نحو خمسة أضعاف مجموع ما يهطل علي مصادر النهر داخل الحوض في الهضبتين.. وهذه الثروة الهائلة الضخمة مفقودة وضائعة مما يحتم علي الدول أن تنتبه إليها وتدرس مشروعات الحفاظ عليها واستثمارها لترقية مجتمعاتها وللأجيال القادمة.
ولقد التفتت هذه الدول بالفعل لهذه الحقائق لكنها تركز حاليا في العمل داخل الحوض بعد أن اعتمدت صيغة الحوار للتفاهم فيما بينها وللتعاون المثمر الذي يحقق المنافع المتبادلة انطلاقاً من أنها جميعاً حزمة واحدة تتشابك مصالحها وترتبط مصائرها وينعكس علي كل منها مستقبل الأخرى.. إيجابا أو سلباً.
وعلي هذا فقد قررت هذه الدول أن تشترك جميعاً في صياغة وتوقيع اتفاقية شاملة لتنظيم وتوزيع مياه نهر النيل، وبدأت اللجان الفنية عملها في صياغة هذه الاتفاقية ارتكازاً علي عدة مبادئ حاكمة أهمها أنها تعبر تعبيراً عن كامل إرادة وسيادة هذه الدول.. والحرص علي الحقوق التاريخية والمكتسبة في الاتفاقيات السابقة وعدم المساس بها.. وقد تم الاتفاق بالفعل على 95% من مواد هذه الاتفاقية ويعمل الخبراء الفنيون من ممثلي الدول في المواد الباقية.
جدير بالذكر أن مصر تمارس دوراً هاماً في هذا المجال عوناً ودعماً للأشقاء في دول الحوض.. ومن ذلك المساعدة في كيفية إدارة المياه.. وإعطاء منح لبناء السدود والقناطر وتوليد الكهرباء.. كما عملت أيضا على تدريب وتخريج كوادر بشرية فنية من أبناء دول الحوض.. فضلاً عن علاقات اقتصادية وتجارية وثقافية وغيرها.