الأثنين, مايو 12, 2008

كلمة الرئيس حسني مبارك أمام المؤتمر القومي لتطوير التعليم الثانوي وسياسات القبول بالتعليم العالي‏.‏

ـ الأساتذة والعلماء الأجلاء‏..‏
ـ الإخوة والأخوات‏..‏

أتحدث إليكم في إفتتاح مؤتمر قومي مهم‏..‏ يتصدي لقضايا تتصل بحاضر الوطن ومستقبله‏..‏ يتعامل مع تحديات حقيقية تواجه مجتمعنا‏..‏ ويخطو بجهودنا لتطوير سياسات التعليم خطوات جديدة‏.‏
إننا نمضي منذ سنوات في هذه الجهود‏..‏ مقتنعين بأن تطوير التعليم يمثل ركيزة أساسية للإصلاح والتنمية‏,‏ وعنصرا حيويا في بناء نهضة الوطن‏,‏ وبعدا مهما من أبعاد أمن مصر القومي‏.‏


وتذكرون أنني دعوت لمؤتمر قومي لتطوير التعليم العالي عام‏2000,‏ ولمؤتمر مماثل حول البحث العلمي عام‏2005,‏ خلصنا لإستراتيجية قومية‏,‏ تتأسس علي الجمع بين مفهومي إتاحة التعليم والارتقاء بجودته‏..‏ نمضي في تنفيذها‏..‏ وحققنا بصددها إنجازات عديدة‏.‏
إن إصلاح منظومة التعليم بمختلف مراحله‏..‏ كل لا يتجزأ‏..‏ كما أنه ـ كباقي مسارات الإصلاح ومحاوره ـ عملية مستمرة‏..‏ ويأتي المؤتمر القومي الذي نفتتح أعماله اليوم‏..‏ ليستكمل ما حققه هذان المؤتمران‏,‏ وليتناول حلقة مهمة ومفصلية من حلقات هذه المنظومة‏.‏
لقد كلفت الحكومة بعقد هذا المؤتمر حول تطوير التعليم قبل الجامعي‏..‏ في صلته الوثيقة بتطوير التعليم العالي‏..‏ ودعوتها لأن تطرح أمام المؤتمر قضية‏(‏ الثانوية العامة‏),‏ بما تمثله من ضغوط علي الأسر المصرية‏,‏ وفي علاقتها بتطوير النظام الحالي للقبول بالجامعات‏.‏
دعوت لهذا المؤتمر مقتنعا بالحاجة الماسة لمنظومة تعليمية متطورة‏..‏ تلبي متطلبات ما حققناه من النمو الاقتصادي والتنمية‏..‏ وما نتطلع لتحقيقه‏.‏ منظومة متطورة‏..‏ تفرز في مختلف مراحلها خريجين مؤهلين للوفاء بالاحتياجات الجديدة لسوق العمل‏..‏ ويمتلكون المهارات المطلوبة للتعامل مع تحديات المنافسة في الداخل والخارج‏.‏
طلبت من الحكومة أن تضع كل ذلك في الاعتبار‏,‏ ودعوتها للإعداد الجيد لهذا المؤتمر بما يوفر له أسباب النجاح‏..‏ ولقد تابعت التنسيق في عمليته التحضيرية بين وزارات التعليم‏,‏ والتعليم العالي‏,‏ والقوي العاملة‏,‏ والتجارة والصناعة‏,‏ وممثلي القطاع الخاص واتحادات الصناعة ورجال الأعمال‏.‏ كما تابعت مناقشات جلسات الاستماع ذات الصلة‏..‏ في القاهرة والإسكندرية وأسيوط‏..‏ وغيرها‏..‏ وما خلصت إليه من التوصيات المعروضة علي هذا المؤتمر المهم‏.‏

الإخوة والأخوات‏..‏

إن علي هذا المؤتمر تشخيص الوضع الراهن بما يشهده من اختلالات‏..‏ كما أن عليه أن يخلص لخطوات التطوير المطلوبة لتصحيحها‏..‏ والقضايا المطروحة أمام هذا المؤتمر تثير تساؤلات عديدة‏..‏ تلخص في مجملها هذه الاختلالات‏,‏ وما تفرضه من خطوات الإصلاح والتطوير‏.‏
لقد استمر النظام الحالي للثانوية العامة والقبول بالجامعات‏..‏ سنوات طويلة‏..‏ فهل يلبي هذا النظام الاحتياجات الحالية لمجتمعنا؟‏..‏

وهل يتوافق مع المعطيات الجديدة للواقع المصري‏..‏ باحتياجاته وتحدياته وتطلعاته؟
هل لدينا نظام مرن يحقق التكامل بين التعليم الثانوي العام‏,‏ والتعليم الفني‏,‏ والتعليم الجامعي؟ ويربط الخريجين ـ في أعدادهم وتخصصاتهم ـ بسوق العمل؟

هل يتيح هذا النظام لحملة الثانوية العامة‏..‏ العودة لاستكمال تعليمهم العالي بعد سنوات من حصولهم علي هذه الشهادة؟
هل يظل معيار‏(‏ المجموع‏)‏ معيارا وحيدا للالتحاق بالتعليم العالي؟
وهل يعكس هذا المعيار قدرات ومهارات وميول أبنائنا؟

إن‏(37%)‏ من حملة الشهادة الاعدادية يلتحقون بالتعليم الثانوي العام‏..‏ يتجه‏(70%)‏ منهم للدراسات الأدبية‏..‏ و‏(30%)‏ فقط لدراسة العلوم والرياضيات‏..‏ فهل هذا هو ما يحتاجه المجتمع؟ وهل تؤهل الشهادة الثانوية العامة خريجيها للالتحاق بسوق العمل؟
ويتجه‏(63%)‏ من حملة الشهادة الاعدادية للتعليم الفني‏..‏ التجاري والصناعي والزراعي‏..‏ فهل هم افضل حالا؟ أو أكثر توافقا مع احتياجات سوق العمل؟

ألسنا في حاجة لاعادة هيكلة ضرورية‏..‏ تطور نظام الثانوية العامة في المناهج‏,‏ وأساليب التدريس‏,‏ وسياسات التقييم والامتحانات والقبول بالجامعات؟ تؤهل حملة هذه الشهادة للالتحاق بسوق العمل‏..‏ وتوجه من يواصل تعليمه الجامعي للتخصصات المطلوبة بهذه السوق؟
ألسنا في حاجة ماسة لتطوير مماثل للتعليم الفني؟‏..‏ تطوير يربطه بشتي قطاعات الانتاج والخدمات‏..‏ يرتقي بالتدريب المهني‏..‏ يوفر المهارات المطلوبة‏..‏ ويتيح لمن يشاء من خريجيه استكمال تعليمهم الجامعي‏..‏ وألا تدعو الحاجة لتطوير ثقافة المجتمع ونظرته للتعليم الفني ولخريجيه؟

لقد حان الوقت لتعامل جاد مع الفجوة القائمة حاليا‏..‏ بين منظومة التعليم قبل الجامعي‏..‏ وسوق العمل واحتياجاتها ومتطلباتها الجديدة‏.‏
لدينا احتياجات متزايدة للخريجين المؤهلين للعمل بقطاعات السياحة والصناعة والتشييد والبناء‏..‏ وما يرتبط بهذه القطاعات من تخصصات عديدة وصناعات مغذية‏.‏

لدينا فائض في الخريجين من الأطباء والصيادلة علي المستوي المحلي‏..‏ يقابله نقص في أطقم التمريض‏..‏ لدينا أعداد متزايدة في كليات التجارة والحقوق والآداب‏..‏ يقابله تراجع ما نحتاجه من خريجي كليات الزراعة‏.‏

إن التصدي لهذه الفجوة الحالية يمثل تحديا رئيسيا‏..‏ علينا ان نواجهه‏.‏ ومواصلة إصلاح منظومة التعليم بصفة عامة‏,‏ والتعليم الثانوي والجامعي بصفة خاصة‏..‏ هو طريقنا لتحقيق ذلك‏..‏ وهو القضية بالغة الأهمية التي يتناولها هذا المؤتمر‏.‏

الاخوة والأخوات‏..‏

يظل هدفنا هو الارتقاء بجودة التعليم‏,‏ وتحقيق لا مركزية العملية التعليمية‏..‏ ونحن لا نبدأ من فراغ‏..‏ وعلينا أن نحذو حذو غيرنا‏..‏ وأن نستفيد من التجارب الناجحة لنظم التعليم بدول العالم المتقدم‏.‏
لقد بلغ عدد المقيدين في التعليم قبل الجامعي العام الماضي‏..‏ نحو‏(17)‏ مليون طالب وطالبة‏..‏ منهم‏(3)‏ ملايين بالمرحلة الثانوية وحدها‏.‏

يتجاوز عدد المقيدين بالتعليم العالي‏(2.8)‏ مليون طالب وطالبة‏,‏ يمثلون‏(30%)‏ من شبابنا ما بين‏18‏ ـ‏23‏ سنة‏,‏ وسوف يتضاعف هذا العدد خلال العشرين عاما المقبلة‏..‏ لمواجهة الزيادة السكانية‏..‏ ولاتاحة المزيد من فرص التعليم العالي أمام شبابنا‏.‏
بدأنا مشروعات طموحة لانشاء عدد من المجمعات التكنولوجية‏,‏ بالتعاون مع بعض كليات التكنولوجيا المتقدمة بالعالم‏..‏ يتم تمويلها من صندوق تطوير التعليم‏,‏ ويضم كل منها كلية للتعليم الصناعي‏,‏ وأخري للتكنولوجيا‏,‏ ومدرسة ثانوية فنية‏,‏ ومركزا للتدريب المهني‏.‏

نمضي في إقامة مراكز جديدة للتدريب المهني‏..‏ وسط تجمعاتنا الصناعية في‏(‏ الأميرية‏)‏ و‏(‏ حلوان‏)‏ و‏(‏العاشر من رمضان‏)‏ و‏(‏برج العرب‏)..‏ وغيرها‏.‏ كما نمضي في برامج لاعادة تأهيل‏(250)‏ ألفا من شباب الخريجين‏,‏ لتدريبهم علي تخصصات محددة يعملون بها فور الانتهاء من التدريب‏.‏
صدر قانون إنشاء الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد‏..‏ ولائحته التنفيذية‏..‏ بدأت الهيئة في ممارسة تكليفاتها‏,‏ وتم تخصيص الاعتمادات اللازمة لتأهيل المؤسسات التعليمية للوفاء بمعايير ضمان جودة التعليم والاعتماد‏.‏

بدأنا تطبيق الكادر الخاص للمعلمين‏,‏ اعترافا بدورهم وتقديرا لرسالتهم‏,‏ ولتحويل التدريس من مجرد وظيفة إلي مهنة‏..‏ تقوم علي معايير مهنية محددة‏..‏ كما تم اتخاذ إجراءات لتحسين الأحوال المادية والأدبية‏..‏ لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات‏.‏
يجري حاليا إنشاء الأكاديمية المهنية للمعلمين‏,‏ للارتقاء بمستوي أدائهم التعليمي والتربوي‏,‏ كما تم إنشاء عدد من المراكز المعتمدة دوليا بالجامعات المصرية‏,‏ تتولي تنمية قدرات أعضاء هيئات التدريس وصقل مهاراتهم‏.‏

نعم‏..‏ أقول أننا لا نبدأ من فراغ‏..‏ فلقد حققنا الكثير لتطوير منظومة التعليم‏,‏ والارتقاء بجودة الخدمة التعليمية‏..‏ ويأتي هذا المؤتمر ليمضي بما حققناه شوطا جديدا علي الطريق‏.‏

ـ الاخوة والأخوات‏..‏
ـ السيدات والسادة‏..‏

إن المشاركين في هذا المؤتمر‏..‏ هم نخبة من خيرة الأساتذة والعلماء وخبراء التعليم‏..‏ وإنني أدعوهم لبلورة إطار تنفيذي لتطوير التعليم الثانوي‏,‏ وسياسات القبول بالتعليم العالي‏.‏
أتطلع لمقترحات عملية‏,‏ تضع معالم هذا الاطار وهذا التطوير‏,‏ وتأخذ في اعتبارها عددا من المحددات‏:‏ ـ

أولا‏:‏ أن يحظي التطوير المنشود بتوافق عريض علي أهدافه وآلية تحقيقها‏..‏ وعلي السياسات والبرامج المطروحة والمراحل الزمنية لتطبيقها‏..‏ مع الالتزام بالشفافية في تقويم النتائج وتقدير الجدوي‏.‏

ثانيا‏:‏ ان يمثل هذا التطوير قيمة مضافة لخدمة الاقتصاد القومي وجهود التنمية‏,‏ تنعكس علي المجتمع افرادا ومؤسسات‏.‏

ثالثا‏:‏ ضرورة توافر الضمانات الكافية لتحقيق تكافؤ الفرص‏..‏ وتخفيف العبء النفسي والمادي عن كاهل الأسرة المصرية‏..‏ وطمأنة أولياء الأمور علي مستقبل أبنائهم‏.‏

رابعا‏:‏ ضرورة استعادة المدرسة لدورها التربوي والتعليمي‏,‏ وتحسين قدرات المعلم وتطوير المناهج‏,‏ بما يتوافق ومتطلبات ما نسعي إليه من أهداف‏.‏

خامسا‏:‏ الاهتمام بالعلوم والرياضيات واللغات الأجنبية وعلوم الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات‏..‏ وإفساح الطريق أمام الأنشطة الطلابية‏..‏ الاجتماعية والتربوية والثقافية‏.‏

سادسا‏:‏ تحقيق المرونة والتكامل بين التعليم الثانوي العام والفني والأزهري‏..‏ وتمكين الدارسين من الانتقال بين أنواع التعليم الثانوي بمختلف مساراته‏..‏ وإتاحة الفرصة أمام الملتحقين بسوق العمل لاستكمال تعليمهم‏..‏ وتسهيل التنقل‏,‏ خروجا ودخولا‏,‏ بين سوق العمل والمستويات التعليمية المختلفة‏.‏

سابعا‏:‏ الارتقاء بجودة التعليم الفني في مختلف مراحله‏,‏ وتغيير ثقافة ونظرة المجتمع لهذا التعليم وخريجيه‏.‏ وفي هذا الاطار‏..‏ فإن الحكومة مطالبة بدراسة ربط هذا النوع من التعليم بمنح رخص مزاولة المهنة في التخصصات الفنية المختلفة‏..‏ وتحسين الاطار الوظيفي والمعاملة المالية لخريجيه‏..‏ بما يجعل منه تعليما جاذبا للطلبة والطالبات‏.‏

ثامنا‏:‏ تطوير المرحلة الثانوية‏..‏ وتخليصها مما يرتبط بها من اعباء نفسية ومادية علي الأسر المصرية‏,‏ بسبب نظم الامتحانات التقليدية القائمة علي الحفظ والتلقين‏..‏ وبحيث تستبدل بها أساليب تقويم حديثة‏..‏ تنمي القدرات‏..‏ تحقق العدالة والموضوعية وترعي التفوق‏..‏ وتحمي ذوي الاحتياجات الخاصة‏.‏

تاسعا‏:‏ إيجاد معايير إضافية لقياس مستوي الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي‏,‏ بحيث لا يكون معيار المجموع في الثانوية العامة معيارا وحيدا‏,‏ واستحداث آليات إضافية لقياس مهارات وقدرات أبنائنا في إطار من الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص‏.‏

عاشرا‏:‏ أن يكون المنطلق لتطوير نظام القبول بالتعليم العالي‏..‏ مرتبطا برغبات الطلاب وقدراتهم ومتطلبات سوق العمل‏..‏ ومواكبا لإتاحة المزيد من فرص التعليم العالي المتطور‏..‏ لشبابنا وشاباتنا‏.‏

حادي عشر‏:‏ ضرورة تناول موضوع التمويل باعتباره قضية أساسية في الاصلاح والتطوير المنشود‏..‏ والمشاركة التي نتطلع إليها بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي‏..‏ في التعامل مع هذه القضية‏.‏

ـ الاخوة والأخوات‏..‏
إنني اطرح إشكاليات الوضع الراهن‏..‏ أمام هذا المؤتمر القومي وأمام الشعب‏,‏ واتطلع لأن تسفر مداولاتكم عن نتائج ملموسة‏..‏ تصحح الاختلالات القائمة‏..‏ وتضع التعليم ـ بحق ـ في خدمة المجتمع‏.‏
وأيا كانت النتائج التي ستخلصون إليها‏..‏ فإن نشر الوعي بضرورتها والاقتناع بها بين الأسر المصرية ومؤسساتنا التعليمية‏..‏ هو أمر لا غني عنه‏..‏ وهو الضمانة الحقيقية للنجاح في تطبيقها‏.‏

إن المضي في تطوير التعليم قبل الجامعي والتعليم العالي‏..‏ يمثل تحديا كبيرا‏..‏ يتعين علينا جميعا أن نعي أبعاده وضرورته‏.‏
لقد نجحنا في تحقيق معدلات مرتفعة للاستثمار والنمو الاقتصادي والتشغيل‏..‏ نسعي للحفاظ عليها ومواصلتها‏..‏ باتت لدينا احتياجات جديدة ومتزايدة لسوق العمل‏..‏ ويشهد مجتمعنا واقتصادنا تحولات عديدة ومعطيات مغايرة‏.‏

إنني أدعو شبابنا وشاباتنا‏..‏ لأن يأخذوا كل ذلك في اعتبارهم‏..‏ عندما يختارون مسار دراستهم‏..‏ وعندما يحددون معالم طريقهم في حياتهم العملية‏.‏
أقول لهم ولأولياء أمورهم‏..‏ إن مصر تتغير لأن العالم يتغير من حولها‏..‏ وأقول إن ما نشهده من تحولات ومعطيات وتحديات جديدة‏..‏ وما نتطلع إليه من آمال وطموحات‏..‏ يحتم إعادة النظر في نواح عديدة من ثقافة المجتمع‏..‏ وإعادة ترتيب لأولويات وخيارات الدراسة والمستقبل العملي‏..‏ في عقول شبابنا وأجيالنا الجديدة‏.‏

وفقنا الله جميعا لما فيه الخير لمصر وشعبها‏..‏
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته‏..



     إطبع هذه الصفحه
     إرسل هذه الصفحه