ـ الأساتذة والعلماء الأجلاء..
ـ الإخوة والأخوات..
أتحدث إليكم في إفتتاح مؤتمر قومي مهم.. يتصدي لقضايا تتصل بحاضر الوطن ومستقبله.. يتعامل مع تحديات حقيقية تواجه مجتمعنا.. ويخطو بجهودنا لتطوير سياسات التعليم خطوات جديدة.
إننا نمضي منذ سنوات في هذه الجهود.. مقتنعين بأن تطوير التعليم يمثل ركيزة أساسية للإصلاح والتنمية, وعنصرا حيويا في بناء نهضة الوطن, وبعدا مهما من أبعاد أمن مصر القومي.
وتذكرون أنني دعوت لمؤتمر قومي لتطوير التعليم العالي عام2000, ولمؤتمر مماثل حول البحث العلمي عام2005, خلصنا لإستراتيجية قومية, تتأسس علي الجمع بين مفهومي إتاحة التعليم والارتقاء بجودته.. نمضي في تنفيذها.. وحققنا بصددها إنجازات عديدة.
إن إصلاح منظومة التعليم بمختلف مراحله.. كل لا يتجزأ.. كما أنه ـ كباقي مسارات الإصلاح ومحاوره ـ عملية مستمرة.. ويأتي المؤتمر القومي الذي نفتتح أعماله اليوم.. ليستكمل ما حققه هذان المؤتمران, وليتناول حلقة مهمة ومفصلية من حلقات هذه المنظومة.
لقد كلفت الحكومة بعقد هذا المؤتمر حول تطوير التعليم قبل الجامعي.. في صلته الوثيقة بتطوير التعليم العالي.. ودعوتها لأن تطرح أمام المؤتمر قضية( الثانوية العامة), بما تمثله من ضغوط علي الأسر المصرية, وفي علاقتها بتطوير النظام الحالي للقبول بالجامعات.
دعوت لهذا المؤتمر مقتنعا بالحاجة الماسة لمنظومة تعليمية متطورة.. تلبي متطلبات ما حققناه من النمو الاقتصادي والتنمية.. وما نتطلع لتحقيقه. منظومة متطورة.. تفرز في مختلف مراحلها خريجين مؤهلين للوفاء بالاحتياجات الجديدة لسوق العمل.. ويمتلكون المهارات المطلوبة للتعامل مع تحديات المنافسة في الداخل والخارج.
طلبت من الحكومة أن تضع كل ذلك في الاعتبار, ودعوتها للإعداد الجيد لهذا المؤتمر بما يوفر له أسباب النجاح.. ولقد تابعت التنسيق في عمليته التحضيرية بين وزارات التعليم, والتعليم العالي, والقوي العاملة, والتجارة والصناعة, وممثلي القطاع الخاص واتحادات الصناعة ورجال الأعمال. كما تابعت مناقشات جلسات الاستماع ذات الصلة.. في القاهرة والإسكندرية وأسيوط.. وغيرها.. وما خلصت إليه من التوصيات المعروضة علي هذا المؤتمر المهم.
الإخوة والأخوات..
إن علي هذا المؤتمر تشخيص الوضع الراهن بما يشهده من اختلالات.. كما أن عليه أن يخلص لخطوات التطوير المطلوبة لتصحيحها.. والقضايا المطروحة أمام هذا المؤتمر تثير تساؤلات عديدة.. تلخص في مجملها هذه الاختلالات, وما تفرضه من خطوات الإصلاح والتطوير.
لقد استمر النظام الحالي للثانوية العامة والقبول بالجامعات.. سنوات طويلة.. فهل يلبي هذا النظام الاحتياجات الحالية لمجتمعنا؟..
وهل يتوافق مع المعطيات الجديدة للواقع المصري.. باحتياجاته وتحدياته وتطلعاته؟
هل لدينا نظام مرن يحقق التكامل بين التعليم الثانوي العام, والتعليم الفني, والتعليم الجامعي؟ ويربط الخريجين ـ في أعدادهم وتخصصاتهم ـ بسوق العمل؟
هل يتيح هذا النظام لحملة الثانوية العامة.. العودة لاستكمال تعليمهم العالي بعد سنوات من حصولهم علي هذه الشهادة؟
هل يظل معيار( المجموع) معيارا وحيدا للالتحاق بالتعليم العالي؟
وهل يعكس هذا المعيار قدرات ومهارات وميول أبنائنا؟
إن(37%) من حملة الشهادة الاعدادية يلتحقون بالتعليم الثانوي العام.. يتجه(70%) منهم للدراسات الأدبية.. و(30%) فقط لدراسة العلوم والرياضيات.. فهل هذا هو ما يحتاجه المجتمع؟ وهل تؤهل الشهادة الثانوية العامة خريجيها للالتحاق بسوق العمل؟
ويتجه(63%) من حملة الشهادة الاعدادية للتعليم الفني.. التجاري والصناعي والزراعي.. فهل هم افضل حالا؟ أو أكثر توافقا مع احتياجات سوق العمل؟
ألسنا في حاجة لاعادة هيكلة ضرورية.. تطور نظام الثانوية العامة في المناهج, وأساليب التدريس, وسياسات التقييم والامتحانات والقبول بالجامعات؟ تؤهل حملة هذه الشهادة للالتحاق بسوق العمل.. وتوجه من يواصل تعليمه الجامعي للتخصصات المطلوبة بهذه السوق؟
ألسنا في حاجة ماسة لتطوير مماثل للتعليم الفني؟.. تطوير يربطه بشتي قطاعات الانتاج والخدمات.. يرتقي بالتدريب المهني.. يوفر المهارات المطلوبة.. ويتيح لمن يشاء من خريجيه استكمال تعليمهم الجامعي.. وألا تدعو الحاجة لتطوير ثقافة المجتمع ونظرته للتعليم الفني ولخريجيه؟
لقد حان الوقت لتعامل جاد مع الفجوة القائمة حاليا.. بين منظومة التعليم قبل الجامعي.. وسوق العمل واحتياجاتها ومتطلباتها الجديدة.
لدينا احتياجات متزايدة للخريجين المؤهلين للعمل بقطاعات السياحة والصناعة والتشييد والبناء.. وما يرتبط بهذه القطاعات من تخصصات عديدة وصناعات مغذية.
لدينا فائض في الخريجين من الأطباء والصيادلة علي المستوي المحلي.. يقابله نقص في أطقم التمريض.. لدينا أعداد متزايدة في كليات التجارة والحقوق والآداب.. يقابله تراجع ما نحتاجه من خريجي كليات الزراعة.
إن التصدي لهذه الفجوة الحالية يمثل تحديا رئيسيا.. علينا ان نواجهه. ومواصلة إصلاح منظومة التعليم بصفة عامة, والتعليم الثانوي والجامعي بصفة خاصة.. هو طريقنا لتحقيق ذلك.. وهو القضية بالغة الأهمية التي يتناولها هذا المؤتمر.
الاخوة والأخوات..
يظل هدفنا هو الارتقاء بجودة التعليم, وتحقيق لا مركزية العملية التعليمية.. ونحن لا نبدأ من فراغ.. وعلينا أن نحذو حذو غيرنا.. وأن نستفيد من التجارب الناجحة لنظم التعليم بدول العالم المتقدم.
لقد بلغ عدد المقيدين في التعليم قبل الجامعي العام الماضي.. نحو(17) مليون طالب وطالبة.. منهم(3) ملايين بالمرحلة الثانوية وحدها.
يتجاوز عدد المقيدين بالتعليم العالي(2.8) مليون طالب وطالبة, يمثلون(30%) من شبابنا ما بين18 ـ23 سنة, وسوف يتضاعف هذا العدد خلال العشرين عاما المقبلة.. لمواجهة الزيادة السكانية.. ولاتاحة المزيد من فرص التعليم العالي أمام شبابنا.
بدأنا مشروعات طموحة لانشاء عدد من المجمعات التكنولوجية, بالتعاون مع بعض كليات التكنولوجيا المتقدمة بالعالم.. يتم تمويلها من صندوق تطوير التعليم, ويضم كل منها كلية للتعليم الصناعي, وأخري للتكنولوجيا, ومدرسة ثانوية فنية, ومركزا للتدريب المهني.
نمضي في إقامة مراكز جديدة للتدريب المهني.. وسط تجمعاتنا الصناعية في( الأميرية) و( حلوان) و(العاشر من رمضان) و(برج العرب).. وغيرها. كما نمضي في برامج لاعادة تأهيل(250) ألفا من شباب الخريجين, لتدريبهم علي تخصصات محددة يعملون بها فور الانتهاء من التدريب.
صدر قانون إنشاء الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد.. ولائحته التنفيذية.. بدأت الهيئة في ممارسة تكليفاتها, وتم تخصيص الاعتمادات اللازمة لتأهيل المؤسسات التعليمية للوفاء بمعايير ضمان جودة التعليم والاعتماد.
بدأنا تطبيق الكادر الخاص للمعلمين, اعترافا بدورهم وتقديرا لرسالتهم, ولتحويل التدريس من مجرد وظيفة إلي مهنة.. تقوم علي معايير مهنية محددة.. كما تم اتخاذ إجراءات لتحسين الأحوال المادية والأدبية.. لأعضاء هيئات التدريس بالجامعات.
يجري حاليا إنشاء الأكاديمية المهنية للمعلمين, للارتقاء بمستوي أدائهم التعليمي والتربوي, كما تم إنشاء عدد من المراكز المعتمدة دوليا بالجامعات المصرية, تتولي تنمية قدرات أعضاء هيئات التدريس وصقل مهاراتهم.
نعم.. أقول أننا لا نبدأ من فراغ.. فلقد حققنا الكثير لتطوير منظومة التعليم, والارتقاء بجودة الخدمة التعليمية.. ويأتي هذا المؤتمر ليمضي بما حققناه شوطا جديدا علي الطريق.
ـ الاخوة والأخوات..
ـ السيدات والسادة..
إن المشاركين في هذا المؤتمر.. هم نخبة من خيرة الأساتذة والعلماء وخبراء التعليم.. وإنني أدعوهم لبلورة إطار تنفيذي لتطوير التعليم الثانوي, وسياسات القبول بالتعليم العالي.
أتطلع لمقترحات عملية, تضع معالم هذا الاطار وهذا التطوير, وتأخذ في اعتبارها عددا من المحددات: ـ
أولا: أن يحظي التطوير المنشود بتوافق عريض علي أهدافه وآلية تحقيقها.. وعلي السياسات والبرامج المطروحة والمراحل الزمنية لتطبيقها.. مع الالتزام بالشفافية في تقويم النتائج وتقدير الجدوي.
ثانيا: ان يمثل هذا التطوير قيمة مضافة لخدمة الاقتصاد القومي وجهود التنمية, تنعكس علي المجتمع افرادا ومؤسسات.
ثالثا: ضرورة توافر الضمانات الكافية لتحقيق تكافؤ الفرص.. وتخفيف العبء النفسي والمادي عن كاهل الأسرة المصرية.. وطمأنة أولياء الأمور علي مستقبل أبنائهم.
رابعا: ضرورة استعادة المدرسة لدورها التربوي والتعليمي, وتحسين قدرات المعلم وتطوير المناهج, بما يتوافق ومتطلبات ما نسعي إليه من أهداف.
خامسا: الاهتمام بالعلوم والرياضيات واللغات الأجنبية وعلوم الحاسب الآلي وتكنولوجيا المعلومات.. وإفساح الطريق أمام الأنشطة الطلابية.. الاجتماعية والتربوية والثقافية.
سادسا: تحقيق المرونة والتكامل بين التعليم الثانوي العام والفني والأزهري.. وتمكين الدارسين من الانتقال بين أنواع التعليم الثانوي بمختلف مساراته.. وإتاحة الفرصة أمام الملتحقين بسوق العمل لاستكمال تعليمهم.. وتسهيل التنقل, خروجا ودخولا, بين سوق العمل والمستويات التعليمية المختلفة.
سابعا: الارتقاء بجودة التعليم الفني في مختلف مراحله, وتغيير ثقافة ونظرة المجتمع لهذا التعليم وخريجيه. وفي هذا الاطار.. فإن الحكومة مطالبة بدراسة ربط هذا النوع من التعليم بمنح رخص مزاولة المهنة في التخصصات الفنية المختلفة.. وتحسين الاطار الوظيفي والمعاملة المالية لخريجيه.. بما يجعل منه تعليما جاذبا للطلبة والطالبات.
ثامنا: تطوير المرحلة الثانوية.. وتخليصها مما يرتبط بها من اعباء نفسية ومادية علي الأسر المصرية, بسبب نظم الامتحانات التقليدية القائمة علي الحفظ والتلقين.. وبحيث تستبدل بها أساليب تقويم حديثة.. تنمي القدرات.. تحقق العدالة والموضوعية وترعي التفوق.. وتحمي ذوي الاحتياجات الخاصة.
تاسعا: إيجاد معايير إضافية لقياس مستوي الراغبين في الالتحاق بالتعليم العالي, بحيث لا يكون معيار المجموع في الثانوية العامة معيارا وحيدا, واستحداث آليات إضافية لقياس مهارات وقدرات أبنائنا في إطار من الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص.
عاشرا: أن يكون المنطلق لتطوير نظام القبول بالتعليم العالي.. مرتبطا برغبات الطلاب وقدراتهم ومتطلبات سوق العمل.. ومواكبا لإتاحة المزيد من فرص التعليم العالي المتطور.. لشبابنا وشاباتنا.
حادي عشر: ضرورة تناول موضوع التمويل باعتباره قضية أساسية في الاصلاح والتطوير المنشود.. والمشاركة التي نتطلع إليها بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع الأهلي.. في التعامل مع هذه القضية.
ـ الاخوة والأخوات..
إنني اطرح إشكاليات الوضع الراهن.. أمام هذا المؤتمر القومي وأمام الشعب, واتطلع لأن تسفر مداولاتكم عن نتائج ملموسة.. تصحح الاختلالات القائمة.. وتضع التعليم ـ بحق ـ في خدمة المجتمع.
وأيا كانت النتائج التي ستخلصون إليها.. فإن نشر الوعي بضرورتها والاقتناع بها بين الأسر المصرية ومؤسساتنا التعليمية.. هو أمر لا غني عنه.. وهو الضمانة الحقيقية للنجاح في تطبيقها.
إن المضي في تطوير التعليم قبل الجامعي والتعليم العالي.. يمثل تحديا كبيرا.. يتعين علينا جميعا أن نعي أبعاده وضرورته.
لقد نجحنا في تحقيق معدلات مرتفعة للاستثمار والنمو الاقتصادي والتشغيل.. نسعي للحفاظ عليها ومواصلتها.. باتت لدينا احتياجات جديدة ومتزايدة لسوق العمل.. ويشهد مجتمعنا واقتصادنا تحولات عديدة ومعطيات مغايرة.
إنني أدعو شبابنا وشاباتنا.. لأن يأخذوا كل ذلك في اعتبارهم.. عندما يختارون مسار دراستهم.. وعندما يحددون معالم طريقهم في حياتهم العملية.
أقول لهم ولأولياء أمورهم.. إن مصر تتغير لأن العالم يتغير من حولها.. وأقول إن ما نشهده من تحولات ومعطيات وتحديات جديدة.. وما نتطلع إليه من آمال وطموحات.. يحتم إعادة النظر في نواح عديدة من ثقافة المجتمع.. وإعادة ترتيب لأولويات وخيارات الدراسة والمستقبل العملي.. في عقول شبابنا وأجيالنا الجديدة.
وفقنا الله جميعا لما فيه الخير لمصر وشعبها..
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..