الجيش بنى مصر الحديثة

المكان لا يفتقد قيمته أبداً بحكم أنه صناعة جغرافية ، والجغرافيا لا تتغير ، غير أنه يمكن أن تتعطل أهميته لفترة قد تطول أو تقصر ، مما قد يحدث نتيجة لظرف تاريخى معين ، وهو ما حدث لمصر خلال القرون الثلاثة التى قضتها تحت الحكم العثمانى من أوائل القرن السادس عشر وحتى أواخر القرن الثامن عشر .

وما نعنيه بـ ( التعطل ) هنا أن المكان الذى ظل يؤهل مصر لتكون لها دائماً المكانة ، لم يعد يؤدى الدور نفسه الذى طالما لعبه من قبل لأسباب تعلق بعضها بها واتصل البعض الآخر بانقطاع التواصل بينها وبين الشمال عبر المتوسط ، وانحصاره فى العلاقة مع الشرق فى القليل عبر هذا البحر وفى الغالب عبر الطريق البرى ، الأمر الذى نلاحظه بعد أن فقدت ( الإسكندرية ) دورها كنافذة عريضة للدور المصرى الاقتصادى والسياسى ، وكان دوراً رائداً ، لتلعب ( دمياط ) الدور نفسه ، وكانت نافذة أضيق كثيراً ، إذ أنها لم تطل سوى على الممتلكات العثمانية .

أما الأسباب المتعلقة بها فقد نجمت عن طبيعة الحكم الذى ساد خلال تلك الفترة ، خاصة إبان أواخر القرن السابع عشر والقرن الذى يليه حيث أخذت قوة الدولة تذوى وبدأت تلاقى الهزائم فى أوروبا ، مما تبعه أن المماليك بعد أن كانوا يؤدون دور ( الأداة ) للحكم العثمانى أصبحوا يؤدون دور ( الشريك ) وفى الغالب (الشريك المخالف ) ، وكان الضحية أبناء الشعب المصرى الذين عاشوا فى أسوأ الظروف نتيجة لعمليات النهب التى تعرض لها ، الأمر الذى نتج عنه قلة ظاهرة فى عدد أبنائه ، فقد كان متوسط هذا العدد وقت الغزو العثمانى يقارب الملايين العشرة ، فقل وقت الحملة الفرنسية إلى نحو ثلاثة ملايين .

أضف إلى ذلك أن أغلب هؤلاء الباقين عاش فى الريف وعانوا الأمرين من نظام الالتزام ، حيث قام الملتزمون أمراء المماليك وكبار التجار وبعض العلماء ، وكان غالبهم يعيش خارج زمامات التزاماتهم بالحصول على ضرائبهم الشرعية وغير الشرعية كاملة ، مسلطين فى ذلك موظفيهم الذين تعودوا على التعامل مع الفلاحين بمنتهى القسوة .

هناك بعد ذلك أسباب لم يكن للمصريين ذنب فيها ، ونعنى بها العزلة التى فرضتها سياسة الحكم العثمانى على مصر ، وكانت سياسة لها أسبابها ، فقد حدث بعد أن تعرضت بعض موانى الحجاز للضرب من بعض السفن الحربية البرتغالية ، أن فرضت الدولة حظراً على الإبحار الأوروبى فى البحر الأحمر شمال الحديدة ، وحدث فى الوقت نفسه فرض قيود مشددة على تجارهم خاصة من أبناء المدن الإيطالية والموانئ الفرنسية الواقعة على المتوسط ، حتى أنه عند قدومهم إلى الإسكندرية أو القاهرة فرضت عليهم الإقامة بحارات معينة اختلفت عن الحارات التى يقطنها المصريون فى أنها كانت تغلق بعد آذان المغرب من الخارج وليس من الداخل .

حدث كل هذا بينما كانت أوروبا تموج برياح التغيير التى كان مفروضاً أن يلحق بعضها بمصر ، وذلك بدءاً من عصر النهضة وما اكتنفه من حركة إنسانية Humanism غيرت كثيراً من مفاهيم العصور الوسطى الأخروية ، ومروراً بحركة الإصلاح الدينى Reform والتى أنهت سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على كثير من مظاهر الحياة الدنيوية ، خاصة التعليم الذى كان يديره الرهبان من أبنائها ، ووصولاً إلى حركة التنوير Enlightenment وانتهاء بالثورة الفرنسية التى أرسلت بونابرت إلى مصر حيث حدث اللقاء بعد طول فراق ، وكان لقاء درامياً بكل المقاييس ، إذ لم يكن لقاء بين ثقافتين بقدر ما كان لقاء بين غريبين وغريمين فى الوقت نفسه ، إذ لم يكن للمصريين عهد بأية قوة عسكرية منذ حملة لويس التاسع الصليبية .

ولا نريد أن ندخل هنا فى اللجج الذى دار منذ نحو عشر سنوات 1998 حول أثار الحملة النابليونية على مصر بمناسبة مرور مائتى عام عليها ، ولكن ما لا نظن أن أحداً يخالفنا فيه أن مصر بعد الحملة اختلفت جد الاختلاف عنها قبل قدومها ، فقد أعاد المصريون اكتشاف أنفسهم وانكشف لهم الوهم الذى عاشوا فى ظله طوال القرن الثامن عشر على الأقل أن حكامهم من أمراء البيوت المملوكية ورجال الحامية العثمانية قادرون على حمايتهم من الأخطار الخارجية ، وبالذات النصارى الكفار من الأوروبيين ، ومن ثم سقطت شرعية هؤلاء خاصة عندما تصوروا أنهم قادرون على إعادة مصر إلى ما كانت عليه قبل قدوم الحملة ، الأمر الذى عاد معه ( الإنسان ) المصرى للتحرك وخلع جلباب السلبية الذى تدثر به طوال القرن الثامن عشر على الأقل .

هذا بالنسبة للمصريين ، أما بالنسبة لأوروبا فإن الحملة الفرنسية قد أدت إلى إعادة اكتشاف أهمية ( المكان ) الذى كانت القوى الرأسمالية قد تغاضت عنه أثناء بناء الإمبراطوريات الاستعمارية الكبرى ، خاصة البريطانية والفرنسية ، والتى أقامتها عبر البحار ، وكان طريق ( رأس الرجاء الصالح ) يناسبها أكثر ، فقد كانت الشركات التجارية الكبيرة التى قامت بهذه المهمة تبحث عن المناطق الساحلية حيث تقيم مراكزها التى تتخذها للاتجار فى كل ما له قيمة بدءاً من العاج ووصولاً إلى البشر ، غير أنه يمكن القول أن تلك الحركة التى نشطت خلال القرن السادس عشر كانت قد استقرت بعد قرنين ولم تعد الحجة إلى المحيطات الواسعة تعدل الحاجة إلى طرق قصيرة تؤدى إلى تلك الإمبراطوريات ، وكانت مصر ( المكان ) تقدم نموذجاً مثالياً على ذلك ، الأمر الذى توفر معه ضلعان من الأضلع الثلاثة التى تصنع المكانة ، ولم يبق سوى الضلع الثالث حتى تكتمل المنظومة ، ويتم تفعيل المكانة ، وفى هذه الظروف ظهر محمد على ، وفى تقديرنا أنه لو لم يفعلها لفعلها غيره فقد كانت كل الظروف مهيأة .

لا يصنع حركة التاريخ مخلوقات تهبط من السماء سواء كان هذا المخلوق ملاكاً رحيماً كما يحلو لمن يصدرون الأحكام على دور الزعماء أن يصوروا بعضاً من هؤلاء ، ولا شيطاناً رجيماً كما يحلو لآخرين أن يصوروا سواء هؤلاء الحكام أنفسهم أو غيرهم .

من يصنع حركة التاريخ يكون عادة أحد أبناء المجتمع الذى عايشه بكل ما فيه ، ورصد بعض ما يتوجب عليه تغييره حتى جاءته الفرصة ، فانتهزها وفعل ما أراد وترك الحكم للتاريخ .. حدث هذا بالنسبة لمحمد على الذى كان فى البداية والنهاية أحد قادة الجيش العثمانى الذى جاء يحرر مصر من الفرنسيين ، فرأى أن يحررها بعد الانتهاء من هذه المهمة من النظام القديم الذى يسر لهؤلاء غزو مصر ، وحدث هذا بعد ذلك بنحو قرن ونصف القرن عندما فعلها جمال عبد الناصر ، وكان فى البداية والنهاية أحد ضباط الجيش الملكى ، وهو نفس ما حدث بالنسبة لبناة الدول فى أوروبا ، هنرى الثامن فى انجلترا ولويس الرابع عشر فى فرنسا .

وعندما كان يحدث ويتصدى للتغيير أحد العناصر الخارجة عن النظام القائم ، فقد كان لا يلقى قبولاً من العامة ، خاصة مع اختلاف الثقافة والدين ، ويرى بعض المؤرخين البريطانيين أن ما قام به اللورد كرومر Cromer المعتمد البريطانى فى مصر من إصلاحات قد تعادل ما صنعه أبناء أسرة محمد على ، سواء من المؤسس أو حفيده إسماعيل ، حتى أن بعض الكتاب وصفوه بأنه ( المؤسس الثانى لمصر الحديثة The Second Founder of Modern Egypt غير أن هذا القول لا يلقى قبولاً من المصريين ، مهما كانت قيمة الإصلاحات التى أجراها خلال فترة حكمه فى أقدارهم ، والتى ناهزت نحو ربع القرن 1883 – 1907 فهى على أى الأحوال إصلاحات كانت تقتضيها المصالح البريطانية فى البلاد .

لقد أدرك محمد على منذ وقت مبكر أن الظرف موات للتخلص من مفردات النظام القديم السياسية بالإنفراد بالزعامة واستغلال المركزية التى تتمتع بها مصر ، وقد تمثلت فيما كشفت عنه أعماله فى التخلص من فعاليات سيادة الباب العالى ، وفى ضرب العلماء الذين كانوا قادرين على تحريك جماهير الحارات من أبناء الطوائف والحرافيش والحشرات على حد توصيف مؤرخ العصر الشيخ عبد الرحمن الجبرتى ، وأخيراً فى إنهاء وجود هذا العنصر الذى مسك برقاب المصريين لقرون طويلة مضت .. أمراء المماليك .

ونبدأ بحكومة الباب العالى ، ولأن الرجل كان من ركائزها فى مصر فقد أدرك كيفية التعامل معها ، والذى قام على مجموعة من الأسس أن تبقى سيادتها على البلاد ممثلة فى الجزية التى تمد بها مصر خزينة الدولة العليا ، وأن يصدر فرمان تولية الباشا من الباب العالى ، ثم أن تقوم مصر باسم السلطان بالواجبات الملقاة عليها حيال الأماكن المقدسة الإسلامية .

ولا يعلم كثيرون أن مصر كانت مسئولة عن أغلب النفقات المطلوبة للحجاز طوال العصر العثمانى وبعده لفترة ، وقد قدم الدكتور فؤاد الماوى فى عمله الفريد تحت عنوان ( العلاقات الاقتصادية والمالية بين مصر والحجاز من الفتح العثمانى إلى الاحتلال( الفرنسى ) معلومات إضافية حول هذه النفقات ، بدءاً من مبالغ طائلة تصرف على قافلة الحج وأخرى تصرف على القلاع والحرس المنتشرين على طول درب الحجيج ، فضلاً عن الكسوة الشريفة والغلال التى ترسل على شكل صرتين ، لكل من مكة والمدينة صرة .

وكان هذا الإدراك وما تبعه من سياسات وراء حصول محمد على من حكومة الأستانة على فرمان التولية عام 1805 ثم على فرمان تثبيت ولاية فى العام التالى دون أن يتأثر بحملة ( قبطان باشا ) التى جاءت فى ذلك العام الأخير ، وفى جعبة قائدها سياسة رامية للتخلص من هذا الباشا الطموح الذى لم يجلس على كرسى الولاية فى مصر بقبول سلطانى كامل ، وإحلال أحد عناصر النظام القديم محله ، وكان أحد أمراء المماليك (الألفى بك) ، وبعد أن عرض الباب العالى على محمد على ولاية صغيرة أخرى غير مصر ، سلانيك وعلى الرغم من أن الرجل أبدى استعداده لتنفيذ المطلوب منه ، إذ كان يعلم أن المواجهة مع الدولة فى ذلك الظرف ، وهو لا يملك القوة التى تمكنه من هذه المواجهة لن تكون ذات جدوى ، لكنه كان يعلم أيضاً أنه كانت هناك وسائل أخرى تمكنه من التأثير على قرارات حكومة الباب العالى أو مندوبها فى مصر ، قبطان باشا وقد استخدمها سواء كانت بالمال والهدايا ، أو بـ (عرضحالات ) العلماء ، وأهل الحل والعقد الذين تمسكوا بالرجل ، ونجحت الخطة خاصة بعد الوفاة المفاجئة للأمير المملوكى الذى كان مرشحاً لأن يحل محله .

المفردة الأخرى الخاصة بـ ( النظام القديم ) بدت فى السعى للتخلص من نفوذ العلماء الذين ولوه الباشوية فى مايو عام 1805 ودعموه حتى استقر فى منصب الباشوية ، ولم يعد يلقى تهديداً من الحكومة العليا ، ويصور البعض أن ما جرى من هؤلاء فى تلك الحادثة الشهيرة كان أقرب لما جرى من البارونات الإنجليز عام 1215 حين أجبروا الملك جون على توقيع ما عرف فى التاريخ بـ" الماجنا كارتا" ويستدلون على ذلك بالحديث الذى جرى بين هؤلاء وبين محمد على عندما ألبسوه الكرك والقفطان فى الحادثة المشهورة ، وهو تصوير يعوزه الدقة ، فعلماء الدين فى مصر حتى ولو نجحوا فى تحريك الناس فى موقف معين ،فإن النجاح يرتبط فى العادة بظلم غير مقبول يقع من الحاكم غير المصرى على الرعية التى تكون مؤهلة لإعلان رفضها لهذا الظلم ، خاصة عندما يكون فادحا ثم أنهم لا يملكون القوة العسكرية أو الاقتصادية التى تمكنهم من مواجهة أى من هؤلاء الحكام ، الذين يمتلكون فى العادة الشرعية المستمدة من الفرمانات الشاهانية ويمتلكون فى الوقت نفسه القوة العسكرية التى تمكنهم من ضرب أى عمل يقوم به المصريين ضدهم .

والدليل على الاختلاف بين الواقعتين ما حدث يوم 12 أغسطس عام 1809 ، حين بدأ وضع القرار الذى أصدره الباشا بنفى السيد عمر مكرم إلى دمياط موضع التنفيذ ، كما يقول الشيخ الجبرتى أنه " شيعه الكثير من المتعممين وغيرهم ، وهم يتباكون حوله حزنا على فراقه ، وكذلك اغتم الناس على سفره ، وخروجه من مصر ، لأنه كان ركنا وملجأ ومقصدا للناس ، ولتعصبه على نصرة الحق ، فسار إلى بولاق ونزل وسافر ليلته بأتباعه وخدمة الذين يحتاج إليهم فى دمياط " بمعنى آخر أن كل ما حدث بالنسبة لهذا الزعيم كان التباكى حزنا على الفراق !.

المفردة الأخيرة كانت التخلص من القوة الضاربة للمماليك ، ومرة أخرى ظروف ملائمة وعاها الرجل ، وكانت الضربة النهائية فيما جرى فى القلعة فى 12 مارس عام 1811 حين دعا الباشا عددا من أمرائهم بمناسبة توجه ابنه طوسون إلى جدة لمحاربة أعداء الدولة من الوهابيين وأعمل فيهم جنوده بنادقهم وسيوفهم فأفنوهم عن آخرهم باستثناء واحد منهم نجح فى عبور سور القلعة ، فى الوقت نفسه كانت قد صدرت التعليمات لجنود الباشا الموجودين فى سائر أنحاء العاصمة على التخلص ممن يجدونهم من هؤلاء الامراء ، وهى على أى الأحوال قصة معروفة ، وإن كان ثمة اختلاف فهو فى الدلالات التى نخرج بها منها ، ذلك أن العديدين نظروا إليها بمعيار اخلاقى ، وأسموه أن ما قام به الباشا " مذبحة المماليك " وانها قامت على الغدر بهؤلاء .

وفى السياسة لا تصلح المعايير الأخلاقية لإصدار الأحكام ، والمعلوم أن الملوك فى غرب أوربا قد استخدموا أحيانا وسائل أقسى من تلك التى استعملها محمد على لبناء الدولة المركزية ، ولعل القصة الشهيرة للملك هنرى الثامن وصديق عمره السير توماس مور ، الذى لم يقر سياسة الملك فى الانفصال عن الكنيسة الكاثوليكية ، التى انتهت بإعدام الأخير ، تقدم دليلا على ذلك .

أضف إلى هذا حقيقة أخرى وهى أن المماليك كانوا عنصر " عدم استقرار" فى الواقع المصرى طوال القرن الثامن عشر ، وكان لابد من التخلص منهم لتوفير الجو العام الذى يمكن الباشا من بناء الدولة المركزية التى تطلع لتأسيسها .

لقد أدرك محمد على ، وربما قبله عدد من المستنيرين المصريين ، مثل الشيخ حسن العطار ، بل والشيخ عبد الرحمن الجبرتى ، رغم محافظته ورغم ما كان يكنه لمحمد على من كراهية لأسباب شخصية .. أدركوا أن الزمن قد اختلف بعد أن شهدوا التفوق الفرنسى الظاهر سواء فى ميادين القتال أو ميادين الثقافة ، حتى أن الأخير الشيخ الجبرتى ، كتب فى موسوعته التى وضعها تحت عنوان " عجائب الآثار فى التراجم والأخبار "، وبعد أن شاهد بعض التجارب الكيماوية التى قام بها علماء الحملة يعترف بعجزه فيما جاء فى قوله أن ما رآه عندهم " لا تسعها عقول أمثالنا " .

إذن فلم يكن محمد على وحده هو الذى رأى على ضوء ما حدث أن هنالك ضرورة للتغيير ، وإن لاحظنا أنه بحكم وضعه العسكرى كأحد ضباط القوات العثمانية التى جاءت إلى مصر للتخلص من الفرنسيين ، قد بدأ بمحاولة إعادة بناء جيش على أسس حديثة ، رافضا فى هذا أن يعتمد على العنصر العسكرى الذى طالما استند إليه النظام القديم ، سواء من رجال فرق الحامية ( الأوجاقات ) العثمانية التى وجدت فى مصر ، أو المماليك ، الذين لحقت بهم أسباب الضعف سواء من جراء حروبهم المتلاحقة مع الفرنسيين أو اقتتالهم بين بعضهم البعض ، أو عدم تجديد دمائهم نتيجة لانقطاع الوارد إليهم ، وهو نفس ما لحق بالقوات التى أرسلتها الدولة للعمل على التخلص من الوجود الفرنسى فى البلاد ، فقد كان لجميع هؤلاء ولاءاتهم الخاصة ، وكانوا على استعداد أن يخرجوا على السلطة فى أى وقت ، مما لا يمكن معه توفير المركزية لهذه السلطة ، التى كانت أول شرط من شروط تفعيل المكانة .

ولن نتطرق هنا إلى الخطوات التى اتخذها الباشا لبناء قوة عسكرية حديثة ، فهى أكثر من معروفة ، ولكننا نفضل البحث عن آثار هذه العملية فى إعادة مصر إلى مكانتها التى طالما احتلتها من قبل .

معروف أن الباشا المجدد بدأ بالتخلص من النظام العسكرى القديم الذى كان قائدا لإحدى فرقه وتخلص من مجموعاته سواء فى حروبه الداخلية ضد المماليك أو فى الحملة على الجزيرة العربية ضد الثوار الوهابيين ( 1811- 1818 ) ، وهى الحملة التى قام بها استجابة لمطلب الباب العالى بعد أن عجز حكامه فى الولايات المجاورة عن القيام بهذه المهمة ، وما تلاها من حملة السودان ( 1820 ) التى يفضل العديد من المؤرخين المصريين توصيفها بـ " إعادة تنظيم شئون الجنوب " ، وهى الحملة التى فتحت باب إعادة بناء الجيش المصرى على أسس حديثة .

وفى قولة لنا فى إحدى المناسبات الخاصة بالقوات المسلحة رددنا عبارة أن " اللى بنى مصر ليس حلوانى وإنما الجيش المصرى " وكنا نعنيها ، فانطلاقا من الرغبة فى بناء جيش حديث تغيرت كثير من الأوضاع القديمة القائمة ، والتى كانت تحجب " المكانة المصرية " صحيح أن السيطرة على السودان أغرت الباشا الطموح على تكوين جيش مصرى يخضع لما تخضع له الجيوش الأوربية من تدريب وتعليم فى مدارس عسكرية متخصصة ، ولا تقوم على الشجاعة والفروسية التى لم تصمد أمام قوات الحملة الفرنسية ، ولأنه أراد أن يوفر للدولة التى أقامها جهد الفلاح الذى احتكر عائده من خلال نظام الاحتكار الذى فرضه ، فقد فضل أن يكون الجيش الجديد من ضباط من الأتراك وجنود من السودانيين ، غير أنه بعد أن أخفقت جهوده بالنسبة للأخيرين ، اضطر اللجوء لتجنيد الفلاحين المصريين ، وكان لهذا التغير آثاره البعيدة المدى فيما أحرزته مصر من مكانة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر وما بعده !.

من آثاره بناء نظام تعليمى حديث ، وإن جاء على شكل هرم مقلوب ، فقد بدأ بالمدارس العليا ، وقد استمد طلابها من أبناء الترك ، ولكنه لم يلبث أن دخلها أبناء الفلاحين ، وكان أغلبهم من الدارسين فى الأزهر ، مما دفعه إلى أن يبدأ فى فتح ما عرف بـ " المدارس الابتدائية " ، التى تؤهل من يدخلها إلى مدارس المرحلة التى تليها .

فضلا عن ذلك فقد بدأ الرجل انطلاقا من نفس الإعداد بإرسال البعوث العلمية إلى دول أوربا ، خاصة إلى فرنسا وبريطانيا والنمسا ، والتى تلقى أبناؤها تعليما متخصصا ورأوا معه العالم الجديد الذى لم يعد غريبا بالقدر الذى كان عليه قبل قدوم الحملة الفرنسية ، وكان منهم المصريون الذين كتبوا عن هذا العالم وعلى رأسهم الشيخ رفاعة الطهطاوي الذى ذهب إماما لإحدى البعثات فوضع ، بناء على نصيحة أستاذه الشيخ العطار ، كتابه المشهور " تخليص الإبريز فى تلخيص باريز"!.

وقد شكل هؤلاء جسرا مع أوربا بعد أن كانت قد تقطعت أغلب هذه الجسور خلال العصر العثمانى ، وهو الجسر الذى قواه استعانة الحكومة المصرية بعدد من الخبراء الأوربيين ، خاصة الفرنسيين سواء فى التعليم أو فى غيره من وجوه النشاط الاقتصادى ، واشتهرت أسماء مثل سليمان باشا الفرنساوى ( الكولونيل سيف ) المسئول عن أركان حرب الجيش الجديد ، وكلوت بك ناظر المدرسة الطب ، وسريزى مؤسس ترسانة الإسكندرية ، الذين كانوا من صناع التحديث للدولة الجديدة .

وقد لعب " الجيش الجديد " الدور الأساسى فى تفعيل مكانة مصر خلال هذه المرحلة ، ويتصور العديدون أننا نعنى بذلك فحسب نجاح هذا الجيش فى توسيع المجال المصرى إلى ما يراه الجغرافيون " الحدود الطبيعية " التى توفر لهذا الوطن أمنه القومى بدءاً من جبال طوروس فى الشرق ، وإلى أقصى ما يمكن الوصول إليه فى الجنوب على طول مجرى النيل الذى يؤمن للبلاد حاجته المائية ، وهى السياسة التى لم يقتصر على الجانب العسكرى وإنما امتدت إلى مشروعات الرى وكان أشهرها القناطر الخيرية التى شرع فى بنائها فى عهد محمد على ، هذا فضلا عن المكانة التى احتلتها فى العالم الإسلامى بعد تأمين زيارة الأماكن المقدسة بتخليصها من الهيمنة الوهابية .

ما نعنيه هنا آثار هذا البناء على مختلف أوجه الحياة فى مصر ، اقتصاديا ، بمحاولة تحديث أساليب الزراعة سواء بمشروعات الرى ، كما سبقت الإشارة ، أو بإنتاج المحاصيل النقدية التى كانت أوربا فى مسيس الحاجة إليها خاصة مع سياسة " الحصار القارى " التى فرضتها البحرية البريطانية على أوربا خلال الحروب النابليونية ، وهى السياسة التى حدد ملامحها القانون الذى صدر تحت عنوان " لائحة زراعة الفلاح وتدبير أحكام السياسة بقصد النجاح " .

وإن كان الاقتصاديون والمؤرخون المصريون يأخذون على محمد على أنه قد اتبع سياسة " الاحتكار " فى هذا المجال والتى راح الفلاح المصرى ضحيتها ، مما أدى إلى انتشار هروب هؤلاء من أراضيهم وهى الظاهرة التى كانت تسمى بـ " التسحب " غير أن ما ينساه هؤلاء فى هذه المناسبة أن رجال الملتزم فى النظام السابق ، كانوا نتيجة لفسادهم ومطالبهم المتنوعة ، أكثر قسوة من رجال الباشا فى تنفيذ سياساته الاحتكارية .

المهم أن هذه السياسة قد لبت احتياجات الدولة الحديثة ، فهى مع الاستمرار فى دفع المطلوب من الخزينة العثمانية ، تكلفت بنفقات الجيش المصرى ، ولم تكن على الشئون العسكرية فقط ، إنما امتدت على لما تبعها من نفقات فلا يعلم كثيرون أن مصر قد سبقت المكتشفين الأوربيين لمنابع النيل بحملات كشفية متتابعة أرسلتها إلى تلك الجهات وارتبطت باسم مكتشف مصرى مشهور هو سليم قبطان .

منها ايضا الآثار الإدارية فقد أعاد محمد على تنظيم الإدارة السياسية على النحو الذى يلاءم مصر ، وهو الطابع المركزى ، فأقام سبع إدارات حكومية جديدة عرفت باسم الدواوين ، وكان أهمها ما يتصل بموضوع " المكانة " إقامة ديوان " التجارة والأمور الإفرنكية " بعد أن كان المسئول عن الاتصال بقناصل الدول فى القاهرة فى العصر العثماني مجرد موظف ، وكان فى الغالب هو غير المصريين ، حيث كان يشترط فيه معرفة اللغات الأجنبية و الفرنسية على وجه الخصوص ، يحتل وظيفة " الباشترجمان " وكان الديوان الجديد يقوم بمهام متعددة سواء بالاتصال بهؤلاء الذين زادت أهميتهم مع زيادة حجم الدور المصرى فى العلاقات الدولية ، وكان مسئولا عن عقد الصفقات مع الخارج ، وكان له وكلاء فى بعض العواصم الأوربية .. باختصار كان هذا الديوان الذى قام عام 1826 المخلوق الجنيني الذى شكل بعدئذ " وزارة الخارجية المصرية " أقدم وزارت الخارجية فى العالم العربى .

من الآثار المهمة الأخرى لقيام الجيش المصرى فى " تفعيل المكانة " ما حدث بعد دخول أبناء الفلاحين سلك الجندية ، وكان محرما عليهم من قبل ، وهو الأمر الذى عبر عنه محمد على بنفسه قبل البدء فى مشروعه ، فعندما توجه إليه بعض الزعماء بعد أن بلغت مسامعهم أخبار الحملة البريطانية المعروفة بحملة فريزر التى احتلت رشيد عام 1807 ، وطلبوا منه مدهم بالسلاح للدفاع عن البلاد جاء رده " ليس على الرعية حمل السلاح " لكنه كما سبقت الإشارة اضطر إلى تجنيد المصريين سواء من الفلاحين أو أبناء الطوائف فى المدن بعد أن فشلت محاولته فى تلبية حاجة الجيش من السودانيين .

وأهمية هذا العمل أنه لأول مرة يشكل المصريون عنصرا من عناصر القوة العسكرية لبلادهم ، صحيح أنهم بدأوا جنودا ، غير أنهم فيما بعد ، خاصة فى عصر سعيد ، احتلوا بعض مناصب الضباط ، ولو حتى من تحت السلاح ، فيما جرى مع أحمد عرابى ، وزملائه ، والذين قاموا بثورتهم لأسباب وطنية ، وأسباب تتعلق باستمرار الضباط الأتراك ( الشركس ) فى مراكز القيادة العليا ولأول مرة أيضا يدخل هؤلاء سلك الجندية كمصريين قبل أى اعتبار آخر ، فقد كانت حملات الباشا للحصول على حاجة الجيش من الجنود لا تفرق بين المسلمين والأقباط لينصهروا جميعا فى ميدان الحرب وتجمع بينهم مصريتهم .

من ثم كان ما حدث من ظهور " الوطنية المصرية " قبل غيرها من الوطنيات فى سائر أنحاء العالم العربى ، وهى التى بدأت تتضح معالمها بعد حصول مصر على مكانة متميزة داخل العالم العثمانى بعد تسوية 1840- 1841 ، ثم استقرت خلال الثورة الوطنية التى عرفت بالعرابية ، حتى أنها رفعت شعار " مصر للمصريين " ، وتأكدت فى مطلع القرن العشرين بعد تأسيس " حزب الأمة " عام 1907 الذى رفض فيلسوفه ، استاذ الجيل أحمد لطفى السيد ، فكرة الجامعة الإسلامية التى كان ينادى بها السلطان العثمانى ، بعد أن تذكر ثوب الخلافة فارتداه ، رآها فضفاضة ، ونادى بالوطنية المصرية التى قامت على أساسها ثورة 1919 وكانت مصر فى ذلك الأسبق فى إعادة الفعالية لمكانتها التى طالما تمتعت بها ، والتى يصعب إزاحتها عنها رغم محاولة ذلك من أطراف عديدة من داخل المنطقة وخارجها !!.

 

 
     إطبع هذه الصفحه
     إرسل هذه الصفحه