استكمال مقومات المكانة

عرفت السنوات الخمس عشرة الفاصلة بين صدور تصريح 28فبراير1922 الذي أقر بأن مصر " دولة مستقلة ذات سيادة " وبين حصولها على عضوية عصبة الأمم ا عام 1937 ، جملة من المتغيرات بالنسبة لقضية "المكانة" لم تحدث على هذا النحو في أية فترة سابقة .

ولم تقتصر هذه المتغيرات عل الجانب السياسي رغم أهميته ، وهو الجانب الذي كان يمكن أن تشاركها فيه دول مجاورة ، ولكن إلى أي حد ، إنما امتد ، وهذا هو الأهم – في رأينا – إلى الجانب الثقافي والاقتصادي ، وهو ما جعل لمصر هذه المكانة المتميزة والمتمايزة في المنطقة وأفرد لها الدور الرائد ، وبالفعل وليس بالقول.

على الجانب السياسي : في مقدمة هذه المتغيرات ما أصاب وضع "رأس الدولة " ، ونقصد به الجالس على العرش ، عظمة السلطان فؤاد ، ففي يوم الخميس 16 مارس عام 1922 نشرت الوقائع المصرية " أمراً سلطانياً كريماً " ، جاء فيه : نعلن على ملأ العالم أن مصر منذ اليوم دولة متمتعة بالسيادة والاستقلال ونتخذ لنفسنا لقب صاحب الجلالة ملك مصر ليكون لبلادنا ما يتفق مع استقلالها من مظاهر الشخصية الدولية وأسباب العزة القومية.

ويشير الاطلاع على الوثائق السرية البريطانية أنه لم تكن هناك ثمة مشكلة في تغيير لقب الحاكم المصري عام 1922 مثل تلك التي نشبت عند تغيير ذلك اللقب قبل ثماني سنوات ، فقد جاء هذا التغيير بمبادرة من السلطان فؤاد ودونما اعتراض من جانب المسئولين البريطانيين في القاهرة ، ولعدد من الأسباب .

منها أن هذا اللقب كان قد شاع خلال الفترة التي أعقبت الحرب العظمى في العالم العربي ، الشريف حسين الذي أصبح ملكاً على الحجاز بعد ثورته على الدولة العثمانية المعروفة باسم الثورة العربية الكبرى ، والأمير فيصل الذي أصبح ملكاً على سوريا ثم العراق في نفس الفترة ، ولم يكن من المتصور أن يتمتع حكام تلك الدول الناشئة بهذا اللقب ولا يتمتع به أبناء أسرة محمد علي في مصر بعد أن قضوا في سدة الحكم تلك الفترة الطويلة التي بدأت منذ مطلع القرن التاسع عشر وخلال الربع الأول من القرن التالي.

ومنها أنه بعد إسقاط الحماية عن البلاد بمقتضى تصريح 28 فبراير عام 1922 فقد سقطت معها الحجة البريطانية برفض تلقيب الحاكم المصري " بصاحب الجلالة الملك " لئلا يطاول الجالس على عرش الدولة المتبوعة ، فمن الناحية القانونية على الأقل لم يعد هناك تابع ومتبوع ، كما كان الحال عند إعلان الحماية قبل نحو ثماني سنوات .

المهم أن مع الأمر السلطاني رقم 18 لسنة 1922 وهو آخر تلك الأوامر، بدأ عصر جديد بأوامر ملكية، وبتطوير كبير في المؤسسة الحاكمة التي جاء على رأسها فؤاد ثم فاروق.

من الناحية الدولية، وفي نفس يوم الأمر السلطاني ، بعث رئيس الوزراء عبد الخالق باشا ثروت ، بصفته وزيراً للخارجية بمنشور دولي إلى ممثلي الدول في القاهرة ضمنه ترجمة النطق الملكي على أثر إلغاء الحماية البريطانية على مصر معلناً به أن مصر أصبحت دولة متمتعة بالسيادة والاستقلال وأن السلطان اتخذ لنفسه لقب صاحب الجلالة ملك مصر " وإنني أرجوكم التكرم بتبليغ هذا النطق إلى حكومتكم وأنتهز هذه الفرصة لأكرر لجنابكم عظيم احترامي"!

وكان رد الملك جورج الخامس " ملك المملكة المتحدة وإمبراطور الهند " أول ما وصل إلى " جلالة الملك فؤاد ، والذي أهداه فيه صادق التهاني " وأرجو من صميم القلب أن تسعد بلادكم بثمار الاستقلال أزماناً طويلة تمنيت وجودها بين بريطانيا العظمى ومصر"، وجاءت أسبقية الرد وصياغته على هذا النحو مقصودة من جانب وزارة الخارجية البريطانية ، فيما تشير إليه الوثائق البريطانية السرية. وتتابعت بعد ذلك الردود من عواهل الدول التي وصلها منشور الحكومة المصرية .

وشرع "صاحب الجلالة ملك مصر" بعد ذلك في ترتيب شئون البلاط الأمر الذي تضمنته مجموعة من الأوامر الملكية، صدر أولها في 13 إبريل سنة 1922 بشأن "نظام الوراثة في بيت محمد علي"، وقد تضمن ثلاث عشرة مادة.

أهمها من ناحية تعزيز المكانة المادة الأولى: التي نظمت طريقة انتقال ولاية الملك " من صاحب العرش إلى أكبر أبنائه ثم إلى أكبر أبناء ذلك الابن الأكبر وهكذا طبقة بعد طبقة ، وإذا توفي أكبر الأبناء قبل أن ينتقل إليه الملك كانت الولاية إلى أكبر أبنائه ولو كان للمتوفى إخوة. ويشترط في كل الأحوال أن يولد الأبناء من زوجية شرعية ، فولاية الملك من بعدنا لولدنا المحبوب الأمير فاروق".

في حالة عدم وجود الابن نصت المادة الثالثة أن يئول العرش إلى "أكبر أبناء الأخوة الآخرين فإن لم يكن لأكبر إخوته الآخرين حسب ترتيب سن الإخوة"، غير أن هذه المادة استثنت الخديوي السابق عباس حلمي " فلا تثبت له ولاية الملك على أن هذا الاستثناء لا يتعداه إلى أبنائه إلى أبنائه وذريته".

وتبدو أهمية قضية وراثة العرش في أسرة محمد علي من حقيقة مفادها أن أول رموز المكانة التي تقررت بمقتضى تسوية 1840 – 1841 أن يكون حكم مصر وراثياً في هذه الأسرة ، الأرشد فيها وقت رحيل سابقه، بالوفاة أو الخلع ، وأن هذه الوراثة كانت تقررها قبل عام 1914 الفرمانات السلطانية ، ثم أصبحت تقررها بعد 1914 وإعلان الحماية البريطانية قرارات وزارة الخارجية بلندن، أما هذه المرة فأصبح يقررها قانون يصدره الملك الجديد.

قبل انقضاء شهرين أصدر الملك فؤاد الأمر الثاني وكان خاصاً هذه المرة " بنظام الأسرة المالكة " ، وقد جاء في مطلع المذكرة التفسيرية الملحقة به أن تلك الأسرة " ركن من أركان الدولة بما بينها وبين الجالس على العرش من أواصر القرابة وبما قد يئول إليها من حقوق العرش. وهي من جهة أخرى أكبر الأسر وأكرمها والمثال الذي يُحتذى في ضبط النفس وكمال السلوك".

تضمن الأمر الملكي الجديد اثنتين وعشرين مادة بدأها بالقول إن "صاحب العرش رئيس الأسرة المالكة وله بهذه المثابة حق الولاية على أعضائها "، ثم دلف من ذلك إلى تحديد من ينطبق عليهم وصف الأمراء .. أولاد الملك وأولادهم من الظهور، إخوة الملك وأخواته ، الأشقاء أو لأب ، أولاد ولاة مصر وخديويها وسلطانها وأولادهم من الظهور، من ذكر اسمه في الكشف المرفق من ذرية محمد علي من الظهور، من عدا هؤلاء من ذرية محمد علي ممن يمنحهم الملك لقب الأمير أو الأميرة، زوجات الأمراء المتقدم بيانهم وأراملهم حتى يتزوجن. وأن يكونوا مسلمين كما يشترط أيضاً في الأمراء أن يكونوا مصريين".

ونظمت المادة الثامنة ، ولأول مرة في تاريخ أسرة محمد علي، مجلس البلاط الملكي الذي تشكل من أمير من الأسرة المالكة يعين بأمر ملكي ، رئيس مجلس الأعيان " الشيوخ" وزير الحقانية "العدل"، رئيس ديوان الملك ، شيخ الأزهر، رئيس محكمة الاستئناف الأهلية بالقاهرة وأخيراً مفتي الديار المصرية ، على أن تعقد الرئاسة للأمير، وأن يصدر أمر ملكي بتعيين " كاتم سر " للمجلس يحتفظ بسجلاته وأوراقه بديوان الملك .

ومثّل مولد الدبلوماسية المصرية التطور الثاني من تطورات استكمال مقومات المكانة، فعلى الرغم من أن عودة الخارجية المصرية كانت تتيح " لحكومة جلالة ملك مصر" أن ترسل ببعثاتها الدبلوماسية إلى الدول التي لها تمثيل سياسي في القاهرة إلا أن أول مجموعة من الأوامر الملكية بالتعيين للدبلوماسيين المصريين في الخارج صدرت يوم 18 سبتمبر عام 1923 ، أي بعد 19 شهراً كاملة من تلك العودة ، فقد تطلب الأمر بعض الوقت لتوفير الاعتمادات المالية اللازمة للإنفاق على المولود الجديد وإعداد الكوادر اللازمة لتحمل أعبائه.

وقد ارتبطت الدبلوماسية المصرية منذ مولدها " 1923" وحتى عقد معاهدة 1936 بالقضية الوطنية، بحكم أن استكمال شكلها كان مرهوناً باستكمال الاستقلال المصري، ولأن مصر حصلت بمقتضى تصريح 28 سبتمبر عام 1922 على استقلال منقوص، فقد بقي التمثيل الدبلوماسي المصري رهينة في أيدي البريطانيين، فهم من ناحية ظلوا يعرقلون انضمام مصر للمنظمة الدولية التي كانت قد قامت بعد الحرب العالمية الأولى ، عصبة الأمم ، ثم إنهم من ناحية أخرى رفضوا أن يتم التبادل بين القاهرة وسائر العواصم على مستوى السفارات.

المستوى الذي رأت بريطانيا أن يكون عليه تبادل التمثيل الدبلوماسي المصري مع الخارج: " معتمد سياسي له لقب وزير" وليس سفيراً، الحالة الوحيدة التي تم استثناؤها من ذلك كان ممثل بريطانيا في القاهرة بالطبع والذي ظل يتمتع بلقب المندوب السامي – High commissionr .

وكانت لندن وباريس العاصمتين الأوليين اللتين تقرر قيام بعثتين دبلوماسيتين فيهما، تلاهما روما بحكم أن الجالية الإيطالية ظلت تشكل أقوى وأكبر الجاليات في القطر المصري، هذا فضلاً عما ترتب على وجود الإيطاليين على الحدود المصرية الغربية في ليبيا مما صنع علاقات متشابكة بين الطرفين ، والأخيرة في واشنطن بعد أن تأكدت نية حكومة الولايات المتحدة الأمريكية على أن تلعب دوراً في السياسة الدولية بعد اشتراكها الفاعل في مجريات الحرب العالمية الأولى ، وفي وضع قواعد السلام من خلال المبادئ الأربعة عشر التي كان قد أصدرها رئيسها الشهير وودرو ويلسون.

ولقد حرص سيد قصر عابدين، كائناً ما كان اسمه على أن يمد سيطرته على مؤسسة وزارة الخارجية، حتى أننا نلاحظ أن كثيراً من رجال القصر قد أتوا من تلك المؤسسة وكانت حجة الملوك في ذلك أن الخارجية شأنها شأن الجيش يجب أن تبقى بعيدة عن الصراعات الحزبية ، وهو الأمر الذي دفع فؤاد ثم فاروق من بعده إلى السعي بكل الوسائل لإبعاد الوفد عن التأثير في العمل الدبلوماسي ، حتى أن بعض المؤرخين قد لاحظوا أن هناك علاقة طردية بين التوسع في ذلك العمل وبين وجود حكومات تدين بالولاء للقصر ، التي كانت تطلق يد الأخير في تعيينات الدبلوماسيين أو إقامة مفوضيات جديدة .

في نفس الوقت تقريباً صدرت الأوامر الملكية بتعيين " الهيئة القنصلية المصرية في البلدان الأجنبية "، والتي انتشرت كثيراً عن الهيئة الدبلوماسية، فضلاً عن لندن عين قنصل آخر في ليفربول ، وفي فرنسا كان هناك ثلاثة .. أحدهم في العاصمة وآخران في مرسيليا وليون ، وهو ما حدث بالنسبة لإيطاليا ففضلاً عن قنصل روما كان هناك آخران في نابولي وتربستا ، أما في الولايات المتحدة فلم يعين سوى قنصل واحد في نيويورك، مما يدل على ضعف الوجود المصري في تلك البلاد آنذاك ، هذا وقد انتشر القناصل في دول أخرى لم يكن لمصر في عواصمها بعثات دبلوماسية ، برلين ، هامبورج ، جنيف ، فيينا وأخيراً بيريه الميناء اليوناني الشهير .

غير أن استكمال مقومات مصر الدولية كان ينقصه أمران ؛ أولهما: التصريح بأن يكون تبادل التمثيل معها على مستوى السفارة ، وهو ما تم الاتفاق عليه بمقتضى معاهدة 1936 ، وإن جاء مشروطاً بأن يكون للسفير البريطاني في القاهرة الأولوية على زملائه من السفراء ، وثانيهما بالحصول على عضوية المنظمة التي كانت قد تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى ، عصبة الأمم ، وكان عليها أيضاً الانتظار إلى حين تسوية علاقاتها مع بريطانيا .

ففي يوم الأربعاء 26 مايو عام 1937، وفي أولى الجلسات المسائية لهيئة عصبة الأمم لذلك العام تم قبول مصر كالعضو رقم 56 من أعضاء العصبة وسط مظاهر حفاوة بالغة. من هذه المظاهر ما اتصل بالإجماع الذي حظي به الطلب المصري لعضوية المنظمة الدولية، حيث بلغ عدد الدول التي طالبت بإشراك مصر في العصبة ثلاثاً وعشرين دولة.

أما الإجراءات المتبعة لقبول الطلب .. أن تجتمع اللجنة السياسية لتقرير ما إذا كانت الدولة ذات الشأن يمكن اعتبارها دولة تحكم نفسها بنفسها. بعد ذلك يعرض الطلب على الجمعية العمومية للاقتراع عليه ويكفي لقبوله أن ينال تأييد ثلثي الأصوات.

في 25 مارس أبرق السكرتير العام للعصبة لوزير الخارجية المصرية ليبلغه أنه قد تقرر عقد اجتماع فوق العادة للجمعية يوم 26 مايو لفحص طلبها، وفي ذات الوقت طلبت وزارة المالية من البنك الأهلي تحويل مبلغ 15 ألف فرانك سويسري إلى سكرتارية العصبة قيمة ربع الاشتراك المقرر لعضويتها ، ووقع الاختيار على الشمسي باشا ليكون ممثلاً لبلاده في الاجتماع المنتظر على أن يصحبه كل من جورج دوماني بك بوظيفة سكرتير أول وصلاح الدين بك بوظيفة سكرتير ثاني .

وفي الساعة الحادية عشرة من صباح 26 مايو 1937 أخذ المندوبون يفدون إلى قصر العصبة، وعلى مقاعد الجمهور عشرون طالباً مصرياً جاءوا خصيصاً لحضور الجلسة، وفي البداية عبر رئيس الجلسة عن سعادته لأن " الدولة التي تطرق أبوابنا اليوم تمثل العالم بجميع مظاهر أقدميته ومظاهر شبيبته ، فمصر تحضر إلينا مكللة الهام بمجد لا نظير له ، لأنها من البلاد التي ثبت فيها كثير من المدنيات ، والتي حفظت في أرضها كثير من الشواهد البديعة الساطعة على تلك العبقرية ".

رفعت الجلسة بعد ذلك لتنعقد الجلسة المسائية حيث تلا الرئيس الجديد اقتراح اللجنة العامة والقاضي بأنه بناء على الدعوة التي وجهها كثيرون من أعضاء مجلس عصبة الأمم إلى الحكومة المصرية، وبناء على طلب القبول من جانب هذه الحكومة توصي الهيئة العامة بقبول مصر عضواً في العصبة ، وقد قبلت بموافقة خمسين صوتاً من خمسين ، أي بالإجماع ، وتبع ذلك أن دعا الدكتور آراس ، مندوب تركيا ورئيس الجلسة .. دعا مندوبي مملكة مصر الدخول إلى القاعة لاحتلال مقاعدهم.

يفوق هذه المتغيرات في التأثير ما اتصل بالجوانب الثقافية والاتصالات الشعبية، وهي الجوانب التي تصنع "المكانة " بين الأمم أكثر مما تصنعها المتغيرات السياسية السابق التنويه عنها. ولما كان يصعب حصر كل مفردات هذه المكانة فنختار منها ما نعتقد أنه كان الأكثر تأثيراً.. تحول الجامعة المصرية إلى جامعة أميرية وما تبع ذلك أن أصبحت مقصدًا لأبناء الشعوب العربية المجاورة لاستكمال تعليمهم المدني ، وهي لعبت بذلك دوراً قريباً مما كان يلعبه الأزهر في العصور الوسطى . بدأ بث إرسال الإذاعة الحكومية والتي كانت أقرب ، بمقاييس العصر طبعاً ، من الإذاعات الأهلية التي كانت موجودة من ذي قبل ، الأمر الذي أتاح متابعتها لأبناء الشعوب العربية من حائزي جهاز الراديو، وأخيراً قيام أول شركة طيران عربية تربط بين عواصم المنطقة ، وهي شركة مصر للطيران .

ونبدأ بالمفردة "الأولى " فمن المعلوم أن الجامعة المصرية عندما ظهرت إلى الوجود يوم 21 ديسمبر 1908 فقد نشأت بمبادرة أهلية مجموعة من المصريين ، وأنها بدأت بداية واعدة ، إلا أنها تعثرت كثيراً خلال فترة الحرب العظمى حتى أنه علت وقتئذ أصوات بوجوب إغلاقها غير أنه بعد الحرب بدأ التخطيط لتحويلها إلى جامعة غير أهلية . خاصة وقد تغيرت سياسة قصر الدوبارة وهو التغير الناتج عن إنشاء " الجامعة الأمريكية " في العاصمة المصرية عام 1920، بكل المخاوف التي صاحبت هذا الإنشاء من غلبة الثقافة الأمريكية على الثقافة الإنجليزية. جانب آخر ظهر فيما عرفه الربع الأول من القرن العشرين من زيادة عدد المدارس العليا حتى أنها بلغت سبعاً ، ثلاث جديدة ؛ الزراعة والتجارة وعلوم البيطرة ، وأربع قديمة الحقوق والطب والمعلمين والهندسة ، هذا فضلاً عن مدرستي دار العلوم والقضاء الشرعي ، وكان مطلوباً قيام مؤسسة تنتظم كل هذه المدارس العليا .

في 12 ديسمبر عام 1923 تم توقيع الاتفاق بين وزارة المعارف وبين إدارة الجامعة الأهلية، وقد تضمن أربع مواد كان أهمها الأولى التي احتوت على عدد من الشروط:-

- أن تكون الجامعة المصرية معهداً عاماً محتفظة بشخصيتها المعنوية وتدير شئونها بنفسها بكيفية مستقلة تحت إشراف وزارة المعارف العمومية كما هي الحال في جامعات أوربا.

- وأن تقوم الحكومة بإتمام النظام الحالي الذي لا يشمل سوى كلية في الآداب بأن تدمج في الجامعة مدرستي الحقوق والطب بعد تحويلهما إلى كليتين وأن تضم إليها كلية العلوم ويجوز أن يضم إليها كليات أخرى فيما بعد.

- وأن تحترم تعهدات الجامعة نحو أساتذتها وموظفيها الحاليين وأخيراً: أن يكون " من مجلس إدارة الجامعة المصرية الحالي عضو أو أكثر في مجلس إدارة قسم الآداب وفي مجلس إدارة قسم العلوم وفي مجلس إدارة الجامعة".

وتقرر أن تبدأ الجامعة الجديدة بأربع كليات ويكون وزير المعارف رئيساً لها بحكم وظيفته ، وأن يكون لها "مدير هو كبير الموظفين فيما يتعلق بالسلطة الإدارية والسلطة التنفيذية والشئون التعليمية، ويرأس مجلس إدارة الجامعة "، كما يكون لها نظار "عمداء " الكليات المنوط بهم دعوة الأعضاء إلى الجلسات " وهو بحكم وظيفته عضو في كل في كل اللجان وهو الذي يقدم طلاب الدرجات للامتحان ويرشد طلبة الجامعة فيما يتعلق بمناهجهم الدراسية ".

وقد استبشر المصريون بمولد الجامعة في ثوبها الجديد، فتحت عنوان"الجامعة والبحث العلمي " كتب الدكتور علي مصطفى مشرفة مقالاً حذر فيه من تصور أن الجامعة هي مجموعة مدارس عالية يقصد منها تخريج الشبان الفنيين من أطباء ومهندسين وغيرهم ، بل أن تحيي الروح العلمية الصحيحة خاصة أنه "بين المصريين اليوم عدد غير قليل ممن مارسوا البحث العلمي في الجامعات الغربية "، وقد أدرك القائمون على الجامعة الجديدة أنها ليست مجرد أبنية جديدة ، أو طلاب يملئون قاعات تلك الأبنية .. الأهم في تقديرهم كان إعداد هيئة تدريس مقتدرة تدب الروح في تلك الأبنية وتكون مصدر نفع لهؤلاء الطلاب. وكانت أول خطوة في بناء المؤسسة الجديدة هي استحضار الأساتذة فهم عنوانها وعليهم يتوقف عملها وصيتها ومستقبلها "، ولم يكن ثمة ما يمنع أن يكون أغلب هؤلاء الأساتذة في البدء من الأجانب.

وقد اتخذت الجامعة الجديدة مع نشأتها قصر الزعفران مقراً لإدارتها،ومن هناك بدأت في إصدار قراراتها التنظيمية لسير العملية التعليمية ، وهي القرارات التي شكلت مجموعة الأسس التي قامت عليها الجامعة، بل بقية الجامعات المصرية، وعديد من الجامعات العربية التي قام مصريون على تأسيسها، بعدئذ .

من شروط القبول أن يكون الطالب حاصلاً على شهادة الثانوية في قسم أدبي لكليتي الآداب والحقوق ، وقسم علمي لكليات الطب والعلوم ، ومنها دخول امتحان للراغبين في دخول العلوم والطب والصيدلة .. تحريري في الطبيعة والكيمياء، ومعلومات عامة "يكتب الطالب فيها موضوعاً من خمسة موضوعات علمية عامة وتكون الإجابة فيه باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، وثانيهما امتحان في اللغات، على أن يدفع الراغب في دخول الامتحان رسماً قدره جنيه واحد لا يرد لصاحبه " والمصروفات المدرسية هي ثلاثون جنيهاً في السنة لكليات الآداب والعلوم والحقوق والطب وعشرون جنيهاً لقسم الصيدلة ، وكان مبالغا كبيراً بمقاييس العصر.

وفي حفل الافتتاح تركزت كلمة مدير الجامعة، أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، حول قضية استقلال الجامعة حتى " لا يحد أحد من حرية التفكير فيها وقد جرت العادة في كثير من الأمم أن الجامعة لا تضع في لوائحها عقوبات تأديبية اكتفاء بالقوانين العامة وبقانون الأدب و اعتماداً على أن طلبة الجامعة وقد أخلصوا لبيئتهم لا يصدر منهم ما يدعو للعقاب" ، وهو الاستقلال الذي فقدته فيما بعد هي والجامعات العربية المجاورة !

وكانت أولى المشاكل التي لاحظها الطلاب أن برامج كليتهم تتضمن علوماً ليست لها من المراجع العربية وأن بعض المواد ليس لها من مراجع وافية باللغة الإنجليزية ففكروا أن" يستصدروا كل شهر مجلة في مائة صفحة من القطع الكبير مملوءة بمحاضرات أساتذتهم في علوم الفلسفة والآداب وكل ما له مساس بعلم الأخلاق والاجتماع والأدب العربي وتاريخ الشرق القديم وتاريخ الأمم الإسلامية وجغرافية الشعوب "، مما كان بمثابة شهادة الميلاد للكتاب الجامعي الذي ابتليت به الجامعات العربية !

المفردة الثانية كانت بدء البث الإذاعي للمملكة المصرية الذي كان في يوم الخميس 31 مايو عام 1934، والذي افتتح بتلاوة المقرئ الشهير محمد رفعت بعض آيات من القرآن الكريم " وكان صوته موسيقياً واضحاً ذا حلاوة في الأذن ووقع حسن في القلوب" وألقى الشاعر المعروف الأستاذ على الجارم قصيدة ، تبع ذلك فاصل موسيقي للآنسة أم كلثوم " أبدعت فيه ما شاء لها صوتها الساحر وفنها الممتاز حتى جاء دور الأستاذ المفتن محمد عبد الوهاب في الختام فحرك أوتار القلوب واستولى على الأفئدة بصوته الساحر وفنه المنتخب"!

أما عن برنامج الإذاعة الذي شد منذ ذلك الزمن البعيد أذن المستمع العربي ، فقد كان يبدأ من الساعة السادسة والخامسة والأربعين دقيقة صباحاً بتمرينات رياضية ، بعده القرآن الكريم لأحد مشايخ العصر المعروفين ، وتنتهي الفترة الصباحية بعد ذلك لتبدأ فترة الضحى الساعة العاشرة بموسيقى شرقية تستغرق خمسين دقيقة ، ثم فترة الظهيرة القصيرة التي تبدأ في الثانية وتتضمن اسطوانات شرقية والنشرة التجارية الأولى تتوقف الإذاعة عن البث لتبدأ فترة المساء والسهرة الساعة الخامسة ، وكانت بمثابة الفترة الرئيسية .. تبدأ بالقرآن الكريم ، وأكثر من فاصل من فواصل الأسطوانات الشرقية ، وتتضمن حديثاً لأحد كبار الأدباء والمفكرين مثل فكري أباظة والدكتور زكي مبارك .

وأهم ما في هذه المفردة خاصاً بمكانة مصر العربية ، وذلك باستخدام الفصحى بدلاً من العامية التي درجت الإذاعات الأهلية على استخدامها مما كان محل تقريظ من أكثر من كاتب .. والجانب الأخير خاص بتأثير الإذاعة الحكومية على العالم العربي المحيط ، فالإذاعات الأهلية كانت عاجزة عن تخطي الحدود المصرية ، بل ربما حدود القاهرة وبعض المدن الكبرى ، غير أن بعض موجات الإذاعة الجديدة مكنتها من عبور الحدود !

وذلك أن قوة المحطة الجديدة وصلت إلى 20 كيلووات ، بينما لم تزد قوة أي محطة من المحطات الأهلية الموجودة عن نصف كيلو وات ، الأمر الذي مكن صوتها من الوصول إلى سوريا وفلسطين وشرق الأردن وطرابلس على وجه خاص ، هذا فضلاً عن إقامة محطة تقوية فرعية في الصعيد كان مفترضاً أن يستفيد منها السودان .

وقبل أن يمضي وقت طويل بدأت ردود الفعل تتوالى ، فبعد رحلة إلى كل من سوريا ولبنان عبر أحد كتاب جريدة الأهرام عن تأثير الإذاعة المصرية على أبناء تلك البلاد فوصفه بأنه أعظم عمل قامت به مصر في سبيل الوحدة العربية " فقد يسرت بذلك سبيل تعميم الثقافة المصرية وعملت على اتصال مصر بإخوتها الأمم العربية اتصالاً دائماً ، وقد تقبلت هذه الأمم عمل مصر بقبول حسن، فاستكثرت من آلات الإذاعة في الأندية العامة والبيوت الخاصة ، ويكاد المرء لا تفارق أذنه نغمات الإذاعة المصرية وهو سائر في الشام أو في لبنان ، وليس يعد هذا مطمع في الدعاية ، أو غاية لمستزيد في التقرب والتواصل ".

ولإضفاء المزيد من الطابع العربي على الإذاعة المصرية طالب صاحبنا أن تراعى حق الأمم العربية في سماع أغانيها نفسها " وذلك بأن تستدعي أشهر المغنيين في البلاد العربية إليها،وتكون بذلك قد قابلت رغبة هذه الأمم في الاتصال بمصر برغبة حسنة منها وهيأت للمصريين سماع الأغاني العربية ، وإذا أرادت المحطة أن تعجل بالفائدة فعليها أن تستحضر بعض الاسطوانات الغنائية الشهيرة في البلاد العربية وتذيعها الآن ".

وخرج الأستاذ عبد القادر المازني كاتب "البلاغ "بنفس الانطباع أثناء رحلة له في لبنان ، وذكر أنه رأى بعينه الناس وهم يحتشدون في المساء في المقاهي وغيرها للاستماع إلى إذاعة مصر " وأعظم ما يروقهم وأشد ما يفتنهم تلاوة القرآن الكريم ، يستوي في ذلك المسلم والمسيحي ، وقد رأيتهم جالسين منصتين معجبين ، وسمعت منهم عبارات الدهشة والرضا والسرور". من فلسطين " ذاع استعمال الراديو ذيوعاً عظيماً في الأيام الأخيرة حتى القرى الصغيرة . والسبب في ذلك إنشاء محطة مصر وما يلقى فيها من خطب نفيسة ". من العراق: تغص المحال العامة التي توجد بها أجهزة للراديو خاصة للراغبين في الاستمتاع، من سوريا : لقيت الإذاعة المصرية نفس الترحيب ، وإن كان السوريون تقدموا بشكوى غريبة ، فقد طلب المستمعون إذاعة تلاوة الشيخ محمد رفعت .

ويبقى لدينا من هذه المفردات شركة مصر للطيران التي بدأت أولى رحلاتها بين القاهرة والإسكندرية عام 1933، وما لبثت أن توسعت فطارت منها إلى بيروت ومنها إلى بغداد وكانت مقوماً آخر من مقومات صنع مكانة مصر.

 
     إطبع هذه الصفحه
     إرسل هذه الصفحه