باختفاء محمد على سنة 1848 تصورت أطراف عديدة أن المكانة التى صنعها الرجل لنفسه ولمصر قد آذنت بالزوال ، خاصة وقد خلفه حفيده عباس باشا حلمى الأول باعتباره ارشد أبناء الأسرة العلوية ، والذى استمر فى مسند الباشوية حتى عام 1854 إلى أن توفى قتيلاً فى قصره فى بنها فى ظروف غامضة ، ليتبعه عمه سعيد باشا الذى استمر حكمه لتسع سنوات حتى خلفه أخوه إسماعيل عام 1863 ، ويرى مؤرخون عديدون أن مصر تعرضت لنكسة خلال تلك الفترة المفصلية بين عصرى العاهلين الكبيرين ، محمد على وحفيده والتى ناهزت الخمسة عشر عاماً ، وأنها كانت مرشحة للدوران إلى الخلف 180 درجة ، وفقدان المكانة التى استعادتها خلال عصر مؤسس الأسرة .
وقد قيل الكثير عن عباس الأول وميوله الانعزالية والعدوانية ، والتى بدت من أن ولى بعض المناصب الإدارية فى عهد جده ، الأمر الذى دفع جده إلى أن يبعث إليه بالتحذير على هذه الأفعال ، أو خلال فترة حكمه القصيرة وعن رغبته فى التخلى عن كل الانجازات التى صنعها مؤسس الأسرة ، حتى أنه أغلق المدارس وسرح أغلب الجيش وتخلص من الخبراء الأوروبيين الذين استعان بهم سلفه خاصة الفرنسيين ، الأمر الذى بدا معه أن مصر فى طريق العودة على ما قبل قدوم الحملة الفرنسية .
ومنذ أن أطلع بعض الباحثين على كتابات المؤرخ البريطانى ( أرنولد توينبى ) الذى تحدث عن دورات فى تاريخ قيام وسقوط الإمبراطوريات ، وقد رددوا بعد ذلك عبارة ( التاريخ يعيد نفسه ) ، وظلوا يكررونها حتى أصبحت إحدى البديهيات للمشتغلين بالكتابة التاريخية وغيرهم ، وهى بديهية فى حاجة إلى إعادة النظر !
فالقول إن التاريخ يسير فى دورات مغلقة أو شبه مغلقة ببساطة أنه لا يتحرك ، وتختفى بذلك مقولة إن ( الإنسان حيوان له تاريخ ) ، لأن له ذاكرة تعى ماضيه الذى يتعلم منه ، ويتحول أداؤه إلى الأفضل ، وتتم بذلك حركة ( التطور ) التى تميزه عن سائر المخلوقات ، مما يتأكد معه أن التاريخ ( لا يعيد نفسه ) ولو حدث هذا لما أصبح هناك تاريخ من أصله .
وقد حاول البعض تطبيق هذا المفهوم الخاطئ على عصر عباس الذى توحى الكتابات العلمية وغير العلمية أنه ارتد إلى الوراء وأن مصر كانت فى طريق العودة مرة أخرى كإحدى ولايات الدولة ، وهو ما صدقه حكام قصر بلدز فى الأستانة بدورهم ، وسعوا إلى تحويله إلى حقيقة قانعة .
فلم يكن قد مضى على جلوس الباشا الجديد فى مقره بالقلعة سوى عام واحد حين واصلت الدولة العثمانية حركة الإصلاح التى كان قد بدأها محمود الثانى خلال الثلاثينات بالتخلص من جيش الإنكشارية وبناء جيش حديث على غرار ما فعله الباشا محمد على فى مصر ، فعلى عهد السلطان عبد المجيد ، وبمبادرة من رشيد باشا الصدر الأعظم ، وتحت المخاوف من الأطماع الأوروبية التى كانت قد أخذت فى التزايد ، استمرت الحركة وكان من أبرز ما فعله الرجل سن ما عرف " بالتنظيمات" التى حاول من خلالها تغيير وضع الدولة ذات الطابع الإقطاعى وبناء نظام الدولة الحديثة الذى يقود إلى المركزية .
وتأسيساً من هذا الفهم أراد رشيد باشا أن يخول حكومة الصدر الأعظم كثيراً مما كان مخولاً لحكام الولايات ، وهو الأمر الذى نجحت فيه بالنسبة لسائر الولايات التى لم تكن تتمتع به ما تمتعت به باشوية مصر من وضع خاص أقرته معاهدة دولية هى معاهدة لندن 1840 ، والفرمانات التى أصدرها الباب العالى خلال ذلك العام والعام الذى يليه فى 13 فبراير 1841 والذى وفر لمصر وضعاً خاصاً بحصر حكمها فى أسرة محمد على وأن يتولى هؤلاء عرش المحروسة بنفس نظام الأسرة العثمانية ، الأرشد فالأرشد .
وكان عباس أول من خضع للتجربة ، فهو الذى واجهها بعد الباشا مؤسس الأسرة ، وبعد فترة حكم إبراهيم باشا القصيرة الذى توفى قبل أبيه ، وقد تصور الرجل الذى كان أكثر عثمانية من جده ومن عمه ، أنه يستطيع أن يحافظ على علاقات ودية مع حكومة الأستانة ، خاصة أنه لم يخض أياً من الحروب التى اشتبك فيها جده وعمه مع الدولة ، فهو قد ولد فى جدة عام 1813 عندما كان أبوه طوسون يقود الحملة المصرية للقضاء على الثورة الوهابية ، وعندما اشتبكت مصر مع الدولة فى مطلع الثلاثينات لم يكن قد تجاوز السابعة عشرة ، ولكن العلاقات السياسية لا تصنعها العواطف أو الميول وإن تأثرت بها إلى حيث تبين كل طرف موقعه وانبراءه للدفاع عنه .
فعلى الرغم من أن الدولة قد ناصرته فى تولى باشوية مصر فى مواجهة تيار فى الأسرة ، كان ميالاً إلى أن يخلف ابن إبراهيم باشا إلهامى أباه فى احتلال كرسى القلعة ، ورغم علاقاته الطيبة بالصدر الأعظم غير أنه رأى أن المحاولة التركية لتطبيق التنظيمات تؤدى إلى أن يكون شأن مصر فى ذلك شأن الوضع العادى لأية ولاية من ولايات الدولة فيه إخلال بما حصلت عليه مصر من وضع خاص مضمون باتفاقية دولية ، خاصة أن هذا التطبيق يؤدى إلى حرمان الباشا من أهم حقوقه التى يستطيع من خلالها فرض النظام المركزى فى باشويته حق ( القصاص ) الذى كان يؤهله للتصديق على أحكام الإعدام التى تصدر على بعض الرعايا الذين يحكمهم .
لم يجد عباس – وللحفاظ على المكانة التى احتلتها مصر فى عهد سلفيه – مندوحة من أن يبحث عن الدعم من الضمانة الدولية التى تقررت بمقتضى التسوية ، وكان أمامه الدولتان العظمتان اللتان بدأ الصراع بينهما حول مصر منذ قدوم نابليون على البلاد ، بريطانيا وفرنسا ، وكما تقول المصادر إن الرجل لم يكن ميالاً لفرنسا ، فهو بحكم تربيته التركية لم يتلق تعليماً فيها ، كما تلقى أغلب الذين خلفوه سعيد وإسماعيل ، وهو قد اعتقد أن حكومة باريس قد تخلت عن جده وقت أزمته مع الدولة ، أضف إلى ذلك فقد كان يكره التغلغل الأوروبي فى الإدارة المصرية ، الأمر الذى دفعه إلى اختيار حكومة لندن للتفاهم معها على إبطال محاولة الدولة سلب مصر الحقوق التى حصلت عليها بمقتضى التسوية ، وكان القنصل البريطانى فى القاهرة المستر مرى جاهزاً للتفاهم وللتعاون ، ولكنه كله بثمنه ، وكان عباس مستعداً للدفع .
فإن إعادة اكتشاف موقع مصر منذ أن جاءت الحملة الفرنسية إليها ، وما تبعها من محاولة وصل البحرين المتوسط والأحمر عبر برزخ السويس ، أقلق البريطانيين الذى احتكروا الملاحة فى الشرق الأقصى عبر الرجاء الصالح ، وكان من أسباب مشاركتهم فى إخراج الحملة ، وكان أيضاً من أسباب محاولة إقامة حكم موال فى القاهرة لهم فى أعقاب خروجها من خلال حملتهم عام 1807 والتى عرفت بحملة فريزر ، وكانت أخيراً من أسباب عدائهم لمحمد على ، الأمر الذى أتضح فى أنهم كانوا أكثر المشاركين فى القضاء على نفوذ الرجل فى سائر أنحاء الدولة فى المؤتمر الذى انعقد فى لندن عام 1840 م .
وكان لدى المستر مرى وحكومة لندن البديل فى استغلال الموقع المصرى بما يلاءم مصالح الإمبراطورية ، بمد خط حديدى من الإسكندرية إلى القاهرة إلى السويس ، وهو الذى لا يضر بمصالح التجارة البحرية البريطانية ، ويوفر لها سهولة وسرعة الاتصال بينها وبين الهند درة التاج البريطانى ، وذلك باستخدامه لنقل الركاب والبريد الذين كانوا يلاقون عنتاً فى استخدام الطريق البحرى ، ويضيعون وقتاً لا طائل له ، خاصة أن بريطانيا كانت أسبق فى مد الخطوط الحديدة عن فرنسا وعن غيرها من الدول الأوروبية .
ومن ثم يمكن القول إن سبق مصر فى بناء أول خط حديدى فى البلاد العربية أو فى أفريقيا إنما يعود إلى موقعها الجغرافى الذى كان من أضلاع مكانتها ، وإلى توفر الحكومة المركزية والعنصر البشرى اللذين شكلا الضلعين الآخرين من هذه المكانة .
بيد أنه على الجانب الآخر كانت هناك السياسات التى اتبعها عباس باشا ، والتى يرى كثير من المؤرخين أنها أفقدت مصر بعضاً من المكانة التى كانت قد أحرزتها فى عهد جده ، وكان منها تسريح أغلب الجيش الذى أقامه الباشا الكبير ، وإغلاق المدارس العليا بعد أن أختار عدداً من طلابها وألحقهم بمدرسة واحدة هى التى عرفت بـ ( المفروزة ) وفصل أغلب معلميها من المصريين حتى أنه قد أرسل رفاعة رافع الطهطاوي ، والمهندس الكبير محمد بيومى إلى الخرطوم لتأسيس مدرسة ابتدائية هناك ، مما اعتبره الكثيرون بمثابة نفى الرجل ، واستغنى فى الوقت نفسه عن المعلمين الأجانب وكان معظمهم من الفرنسيين .
ولا نظن أن عباس الأول الذى دخل فى لجاج شديد مع الدولة العثمانية رغم ميوله إليها حول قضية التنظيمات ومحاولات الدولة فرضها على مصر ، كان يقصد التفريط فى مكانة مصر التى صنعتها ، فهو لم يملك ذلك الأمر فى رأينا ناشئ عن سببين : تهاوى نظام الاحتكار الذى أقامه محمد على ، والذى رأى خصوم محمد على فى الأستانة ولندن أنه من أهم أسباب قوتها الاقتصادية التى مكنتها من الحصول على كل النفقات العسكرية على الجيش الذى أنشأه الباشا الكبير ، ومن ثم إنجلترا بالمشاركة مع الدولة فى العمل على إبطال هذا النظام فى سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية ، الأمر الذى تقرر بمقتضى معاهدة ( بالطة ليمان ) المعقودة بين الطرفين عام 1838 والتى أبطلت نظام الاحتكار فى سائر أنحاء الإمبراطورية بما فيها مصر ، وقد نجح محمد على فى أتباع سياسة مراوغة فى بقية عهده تمكنه من التنصل من تنفيذ موادها ، وحاول عباس فى أول عهده إتباع نفس السياسة ، بيد أنه لم يتمكن من ذلك طويلاً ، الأمر الذى خسر معه المورد الأساسى للدولة التى تواضع دخلها إلى حد كبير ، ومن ثم لم يكن أمامه إلا أن يجد من النفقات ، ومن ثم جاء استغناؤه عن كل ما اعتقد أنه يمكن توفيره .
أما السبب الثانى فقد نشأ عما تقرر فى تسوية 1840- 1841 من تحديد عدد الجيش المصري ( 18 ألفا ) بعد أن كان قد تجاوز المائة ألف أثناء حروب الشام ، ولم يكن عباس يفكر فى الخروج عن هذه التسوية ، الأمر الذى يبدو فى محاولة طمأنة الدولة بكل الوسائل ، إلى درجة أنه لم يتمسك حتى بالعدد المذكور ، ليقل عدد الجيش فى عهده إلى آلاف لا تزيد على أصبع اليد الواحدة ، وإن كنا نلاحظ أنه قد أهتم كثيرا بمظهره من حيث الملبس والجانب الاستعراضي !.
نتأكد من تلك الحقيقة عندما نلاحظ أنه خلال حرب القرم 1853- 1856 ، والتى بدأت بين روسيا وتركيا ، ثم ما لبثت أن انضمت للأخيرة كل من فرنسا وبريطانيا ، أن الحكومة المصرية قد تمكنت أن تجند نحو عشرة آلاف شاركت بهم فى هذه الحرب إلى جانب الدولة ، وأبلوا بلاء حسنا ، كما تجمع المصادر التى تناولت حرب القرم بالدراسة ، ولعل تلك المشاركة وإن جرت فى ظل نجدة حكومة الأستانة فإنها قد جاءت فى جانب منها اعترافا من هذه الحكومة بالمكانة الخاصة التى تتمتع بها مصر ، والتى لم تتمتع بها سائر الباشويات التابعة للدولة .
وإذا كان لنا ثمة ملاحظة أخيرة ندفع بها اتهام عباس باشا بأنه قد فرط فى مكانة مصر ، وهو الأمر الذى لم يكن ليستطيعه حتى لو أراد ، فهى تتضح من علاقته ببلاد الجوار .. السودان التى لم تمس التسوية الوضع فيه ، ربما لأنه كان يمثل عبئا على خزينة الدولة لو أرادت حكمه مباشرة ، هذا فضلا عن أنه لم يكن جزءا منها فى أى وقت مثل الشام وشبه الجزيرة العربية ، خاصة الحجاز الذى كانت توفر السيادة على الأماكن الدينية فيها المكانة التى يتمتع بها سلطان العثمانيين وخليفة المسلمين .
تتضمن الفترة المفصلية نفسها التى صور المؤرخون أن مكانة مصر قد تدهورت خلالها السنوات التسع التالية التى حكم فيها سعيد باشا البلاد ، ويؤسس هؤلاء تصورهم على أن الباشا الجديد قد خرج عن سياسة أبيه مؤسس الأسرة ، خاصة فيما أتصل بعلاقته بأوروبا وتفريطه فى الحقوق المصرية ، مع الفرنسيين على وجه الخصوص ، ثم ما ارتأوه تبذيرا من جانبه أدخل البلاد فخ الأستانة ، والذى استثمرته الحكومات الأوروبية فيما بعد ، خاصة حكومتى لندن وباريس فى التدخل فى الشئون المصرية وما اتصل بذلك من تحجيم المكانة .
وربما لم تلتبس شخصية على المؤرخين مثلما التبست شخصية سعيد باشا ، إذ بينما وصف البعض عهده بـ (العصر الذهبى ) للفلاح ، وذلك بعد أن أطلق قدرا من حرية ( ملكية العين ) بعد أن ظل السائد قبله ( ملكية الانتفاع ) مما مهد بعد ذلك لظهور طبقة الملاك ، فإن آخرين رأوا أن ما نجم عن تلك السياسة قد أدت إلى ظهور كبار هؤلاء الذين ظلوا يتحكمون فى رقاب الفلاح الزارع ، والأسوأ من ذلك أن تلك الإصلاحات لم تدعم هذا الفلاح وتركته أسيرا لعاداته القديمة مما أوقعه رهينة فى أيدى المرابين اليهود والأجانب وما ترتب على ذلك من رهن أرضه وبيعها ، وحصول هؤلاء الأخيرين على مساحات كبيرة من تلك الأراضى .
وبينما رأى البعض أن ما فعله يفتح أبواب مصر على مصراعيها للأوربيين ، أفرادا ومؤسسات ، والتى وصلت إلى ذروتها بمنح امتيازات حفر برزخ السويس وشق القناة المشهورة باسمه ، نوعا من التأكيد على نظرته الواسعة لخدمة الإنسانية ،كما اقنعه ديليسبس ، وكما آمنت جماعة ، وكما آمنت جماعة السان سيمونيون الفرنسية ، التى حاولت أن تنفذ المشروع منذ عصر محمد على ، ولما فشلت فى ذلك اهتمت ببناء القناطر المعروفة بالخيرية ، مما أكد على مكانة مصر ، فإن آخرين رأوا أن ما فعله الرجل إنما أتاح موضوعا للصراع بين القوتين الاستعماريتين الأعظم فى ذلك الصراع ، بريطانيا وفرنسا ، وهو الصراع الذى تعاظم شأنه فى عصر خلفه إسماعيل باشا ، وانتهى إلى تحالف حكومتى لندن وباريس بالتدخل فى الشأن المصرى الخاص ، الأمر الذى وصل إلى ذروته بخلع الرجل الذى كان قد نال وقتذاك ، بوسائله المعروفة بدفع الأموال ، لقب الخديوية.
وإذا كان المؤرخون قد انقسموا فيما بينهم حول الألغاز التى أحاطت بسياسة سعيد فإن أحد تصرفاته ظل مستغلقا على هؤلاء ، سواء المتعاطفين أو المعادين ، من أن الرجل قد أرسل بناء على طلب إمبراطور فرنسا ( نابليون الثالث ) حملة إلى العالم الجديد .. إلى المكسيك للمساهمة فى القضاء على الثورة التى قامت ضد أحد صنائع هذا الإمبراطور مكسمليان ، وهى الحملة التى لم يعد منها إلا عدد محدود من الرجال .
وما يهمنا من تلك القضايا المختلف عليها ما اتصل بـ ( مكانة مصر) وما إذا كانت سياسات الرجل والظروف المحيطة بعهده قد أدت إلى تعزيز مكانة مصر فى المنطقة أم أنها قللت من شأنها .
ونبدأ بـ( اللائحة السعيدية ) وما ترتب عليها فى المستقبل غير البعيد من ظهور طبقة كبار الملاك ، أو الأعيان بمعنى ملاك العين ، فهذه الطبقة - من رأينا- وفرت العنصر الاجتماعى لصناعة المكانة ، وهو ما لم يتوفر للبلاد العربية المحيطة إلا بعد زمن طويل ، فمن هذه الطبقة خرج العمل الوطنى ، الذى بدأ بالثورة المعروفة بالعرابية عام 1881- 1882 ، التى تؤكد القراءة الاجتماعية لزعاماتها ، حتى لو كانوا فى الوقت نفسه من كبار الملاك ، سواء فى الأراضي التى حازوها بجهودهم الشخصية ، أو ورثوها عن آبائهم ، بمن فيهم عرابي نفسه ، وقبله بالطبع سلطان باشا رئيس مجلس النواب الذى اجتمع لتقرير خلع توفيق ، ردا على لجوئه إلى حماية الانجليز الذين كانوا قد ضربوا الإسكندرية وقتذاك ، فقد كان أكبر ملاك الصعيد .
والمفهوم أن حصول هؤلاء على مكانتهم الاجتماعية إنما نشأ عن أسباب أهمها الهيبة التى تمتعوا بها فى أراضيهم والتى أهلتهم لمكان الزعامة ، وأنهم أرسلوا أبنائهم إلى أوروبا ، خاصة فرنسا ، لاستكمال تعليمهم العالى ، فعادوا وأصدروا الصحف وأسسوا الأحزاب وأسموا أنفسهم ( أصحاب المصالح الحقيقة ) مما لم نرصده فى البلاد العربية الاخرى التى استمد زعماؤها مكانتهم فى انتمائهم لعصبيات قبلية أو أسرية ، مما جعل الولاء لهذه العصبيات أسبق على الولاء للوطن ، الأمر الذى أدى على المدى البعيد إالى الاختلاط بين مكانة هذه الأوطان لحساب الشرذمات التى تؤلف هذه العصبيات ، وهو ما نشاهده حتى هذه اللحظة فى بعض البلاد العربية ، والتى وصل الأمر فيها إلى حد إطلاق تسميات ذات طبيعة أسرية على تكويناتها السياسية .
صحيح أن بعض ما نتج عن هذه " اللائحة " من حصول بعض الأجانب على مساحات من ثروة مصر من الأراضى الزراعية لم يكن مرضيا ، بيد أنه ينبغى التنبه إلى أن دخول هؤلاء فى ميدان الاستثمار الزراعى قد حدث منذ عصر محمد على من خلال منحه " الأبعاديات " لعدد من اليونانيين وهى أراض كانت تتطلب إصلاحا رآهم كفيلين بالقيام به ، وقد حدث أن أدخل هؤلاء ، مثل جاناكليس وغيره محاصيل لم يكن للمصريين عهد به ، وهى المهمة التى قامت بها بعدئذ جهات حكومية مثل مراكز البحوث الزراعية التابعة لوزارة الزراعة .
ونقول إن القطن " طويل التيلة " الذى اشتهرت به مصر ووفر لها مكانة اقتصادية خاصة فى السوق العالمية ، إنما كان إحدى ثمار عمل هؤلاء.. بمعنى آخر أن تمكين الأجانب من بعض الأراضى المصرية لم يكن شرا بطول الخط ، خاصة بعد أن تنبه المصريون إلى خطورة ذلك ، وسعوا بكل جهد إلى اقتناء هذه الأراضى ، وإلى القيام بالدور الذى قام به هؤلاء ، فى التجديد وإدخال محاصيل غير تقليدية .
" ومن اللائحة السعيدية " بكل ما لها وما عليها ، إلى الامتيازات التى منحها سعيد لحفر قناة السويس وما ترتب عليه بالنسبة لمكانة مصر فى المنطقة ، مما رآه بعض المؤرخين ، على رأسهم الأستاذ عبد الرحمن الرافعى ، شرا مطلقا ، والذى بدا من كلماته أنه كان يتمنى لو لم تقم لهذه القناة قائمة ، فهى - فى رأيه- التى أدت فى النهاية إلى الاحتلال البريطاني للبلاد وفقدانها استقلالها ، أو ما يشبه الاستقلال فى كنف دولة الخلافة الإسلامية .. الدولة العثمانية.
وهذا القول صحيح خاصة إذا صدر عن مؤرخ ظل منتميا للحزب الوطنى الذى أنشأه مصطفى كامل وعاش أغلب سنين حياته مناهضا للوجود الاحتلالى ، غير أنه يخضع لإعادة النظر فى ضوء النظر إلى تأثير هذه القناة على مكانة مصر فى المنطقة والعالم .
ولا نريد القفز على المراحل التاريخية التى انتهت بتأميم القناة عام 1956 ، وهو الحدث الذى عايشه الرافعى " توفى 1963 " ، ولا إلى ما أصبحت تسهم فيه رسوم المرور فى القناة من دخل محترم للدولة فى وقتنا الحالى ، وإنما نريد النظر إاليه على ضوء تأثيره على المكانة المصرية ، والذى كان فى تقديرنا فى غاية الأهمية .
فالمصريون يتباهون حتى الآن بموقع بلادهم الذى يربط بين القارات الثلاثة ، ويربط البحرين القديمين المتوسط والأحمر ، وكان يمكن أن يظل هذا الربط منقوصا إذا لم يكن قد تم حفر القناة ، أما عن علاقة هذا المجرى المائى الصناعى بما تعرضت له مصر بعدئذ من تدخلات أجنبية أدت إلى الاحتلال ، فهذا أمر ينبغى أن يكون محل نظر ، فالحقيقة - فى تقديرنا - أن شق القناة كان سوف يحدث على أى الأحوال بحكم ما شهده العالم خلال القرن التاسع عشر من تعاظم شأن الرأسمالية العالمية ، سواء قبل سعيد بذلك أو لم يقبل .. فقناة السويس باختصار ترجمة أمنية لموقع مصر المتفرد الذى تفنن الدكتور جمال حمدان فى إظهار أهميته ، وكان من المستحيل فى ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية إبقاء الأصل عليه دون هذه الترجمة التى تتوافق مع تلك المتغيرات .
كل ما يمكن أن نأخذه على سعيد أنه قدم تسهيلات كبيرة لدى ديليسبس صديقه القديم ، عانى منها الفلاحون المصريون قبل غيرهم ، وإن بقى السؤال معلقا حول نظام السخرة الذى استخدمته الحكومات المصرية حيال هؤلاء ، فالفلاحون أنفسهم هم الذين ظل يتم تسخيرهم لدرء مخاطر الفيضان كل عام تحت اسم " العونة" وهم الذين تم تسخيرهم أيام محمد على فى حفر الترعة التى تسمت باسم السلطان العثمانى ، المحمودية ، والتى راح ضحيتها ألوف من هؤلاء ، وليس معنى ذلك أننا نقدم المبرر لما فعله سعيد وإنما للتدليل على أن ما جرى قد حدث فى نطاق عصر كان يقبل بمثل هذا ، وإن كنا نلاحظ فى الوقت نفسه أن هذا العصر قد آذن وقتئذ بالزوال ، الأمر الذى دفع خليفة سعيد ، إسماعيل إلى السعي لإبطال شرط أن تمد الحكومة الشركة بمتطلباتها من العمال ، وإذا كان هذا الإبطال قد أدى إلى دفع مصر لتعويض كبير عندما أراد إسماعيل التخلص منه فإنه فى الوقت نفسه ألهب مشاعر المصريين ضد الشركة ، وزاد من إحساسهم بأنهم بناة القناة وأصحابها.
ويتصور كثيرون أن ما فعله عبد الناصر عام 1956 بتأميم القناة ابتكار ثورى ، غير أن الدراسات التاريخية الحديثة تؤكد على أن هذه الفكرة راودت المصريين خلال النصف الثانى من الثلاثينيات ، أى قبل تأميمها الفعلى بنحو عشرين عاما ، بحكم ما ترتب على على غزو ايطاليا للحبشة عام 1935 من رغبة حكومة روما أن يكون لها موطئ قدم على القناة ، مما آثار المصريين ، خاصة بعد أن توصلوا خلال العام التالى إلى أول معاهدة مصرية – بريطانية ، والتى عرفت بمعاهدة الصداقة والشرف ، الأمر الذى دفع العديدين إلى التفكير فى تأميم قناة السويس ، وقد عبروا عن رأيهم هذا فى مقالات فى الصحف ، خاصة جريدة الأهرام .
نخلص من كل ذلك إلى الاختلاف مع موقف المؤرخ المصرى الأستاذ عبد الرحمن الرافعى ، الذى صور الأمر وكأنه مرهون بإرادة سعيد باشا ، والذى لم ينته إلى التطورات الاقتصادية العالمية التى أفرزت سياسات استعمارية فى المنطقة التى كانت تشكل أملاك " رجل أوروبا المريض" وكانت مصر من بينها ، وتضيف أن هذه السياسات هى التى صنعت مشروع حفر قناة السويس ، بغض النظر عن الاختلاف بين حكومتى كل من لندن وباريس حول حفرها ، فقد كان اختلاف حول الأولويات ، وليس على موقع مصر الذى أراد كل طرف استثماره بالطريقة التى تناسبه ، وهى الظروف التى صنعت التدخل الأجنبى بكل تداعياته بعدئذ .
يبقى أمران فى عهد هذا الباشا وكلاهما متصل بمكانة مصر ، أولهما : سياسته نحو الجنوب ، فى السودان ، وثانيهما : دوافعه لإرسال حملة المكسيك غير المفهومة ، وكلاهما كان ذا صلة .
بالنسبة لسياساته الجنوبية تروج القصص حول تفكير سعيد فى إخلاء السودان ، وتنتشر الرواية التى تقول إن الرجل ذرف نوعا من " دموع الحكام " عندما زار السودان ورأى بؤس أهاليه ، وهى قصة تستحق التأمل بحكم ما ظل يمثله السودان من عمق مصر ، هذا من ناحية ، وبحكم أنه المعبر الأكبر لمياه النيل التى تمد المصريين بشريان حياتهم فى الزراعة التى يعتمدون عليها ، من ناحية أخرى .
فقد ظل الجنوب فى ضمير مصر طوال الوقت منذ أن عرفت الحكومة المركزية ، ويبقى على أى منها ، واجب تأمينه ، وهو ما فعله محمد على ، وما فعله سعيد نفسه ، رغم ذرف الدموع ، إذا صحت الواقعة ، فهو قد حاول إصلاح شئون الجنوب ، والدليل على ذلك ما فعله من إلغاء منصب حكمدار السودان ، الذى كان عادة من أبناء العنصر التركى ، الذى سام السودانيين المظالم ، وتقسيمه إلى خمس مديريات يكون شأنها شأن المديريات المصرية تابعة لحكومة القاهرة مباشرة وهو ما يدل على عكس ما قيل عن رغبة الرجل فى إخلاء السودان ، صحيح أنه تخلى عن هذا النظام بعد أن اثبت قصوراً بسبب بعد المسافات ، وعاد إلى نظام مركزية الخرطوم ، واختار حكمدار من الشخصيات المشهورة بعدلها وموضوعيتها ، ولكن تبقى سياساته الدالة على فهم أهمية الجنوب لمصر .
والمعلوم أن بقاء مصر فى السودان فى عهد سعيد مثل جانبا من احتفاظ مصر بمكانتها ، خاصة على ضوء ما فعله خليفته ـ إسماعيل من بناء إمبراطورية إفريقية بعدئذ انطلاقا من هذا الشطر من أراضى الخديوية المصرية ، بما كفل لها من مكانة فى هذا العهد ، وبعده ، حتى قيام الثورة المهدية عام 1881- 1882 ، وما تبعها من تداعيات مكنت بريطانيا من تصفية الوجود المصرى فى الجنوب ، كما فعلت من قبل خلال النصف الأول من القرن تصفية هذا الوجود فى الشرق .
أما بالنسبة لحملة المكسيك التى بدت غير مفهومة لعديدين فإن الوثائق الفرنسية التى نشرت أخيراً كشفت عن صلة حميمة لهذا العمل بالمكانة المصرية ، فقد أرسل سعيد هذه الحملة بناء على طلب الإمبراطور نابليون الثالث الذى أزعجه انتشار أحد الأوبئة الجلدية بين الجنود الفرنسيين ، وبعد أن تبين الأطباء المرافقون لهؤلاء أن أصحاب الجلود السوداء أقدر على مقاومة هذا المرض من أصحاب الجلود البيضاء ، مما دعاه إلى طلب ثلة من أصحاب الجلود السمراء من سعيد باشا ، الذى وافق على الطلب ، ولم تكن هذه الموافقة بعيدة عن صراعه مع الدولة العثمانية للنيل من مكانة مصر ، فهو قد سعى للحصول على تأييد الإمبراطور الفرنسى فى هذا الصراع ، ومما يؤكد على صحة هذه الوثائق أن سعيدا أرسل العون المطلوب من الإمبراطور الفرنسى من الفرق السودانية بالجيش المصرى التى قادها بالتوالى البكباشي جبر الله وألماس أفندى .
ولا يبقى بعد كل ذلك إلا علاقة مصر بالحجاز ، والتى ظلت " خاصة " على الرغم من أن تسوية 1840- 1841 قد أقرت خروج قواتها من شبه الجزيرة ، وتبدو هذه الخصوصية مما قام به هذا الوالى فى أوائل عام 1861 من زيارة إلى تلك البلاد ، كانت أشبه بتجريده عسكرية ، كما يصفها عبد الرحمن الرافعى ، ، فقد ذهب إليها ومعه قوة من الجيش المصرى نافت عن الألفى رجل ، ردا على استدعاء الباشا إلى الأستانة ، الأمر الذى توجس منه الرجل واستشعر أن المقصود منه تقديم التنازلات التى تقلل من " مكانة مصر " وبدلا من أن يلبى الدعوة ويذهب إلى عاصمة الدولة العليا قام بهذه الزيارة ، التى بدأها من السويس ومنها إلى الوجه من الثغور الحجازية ، ثم سارت الحملة من المدينة المنورة ، وبعد زيارة قبر الرسول – صلى الله عليه وسلم – سار إلى ينبع التى قفل منها عائدا إلى مصر بحراً ، وقد حققت الزيارة أهدافها من منع حكومة الباب العالى من النيل من مكانة مصر !!.