المكانة الشعبية – مصر للمصريين !

على الرغم من " المكانة " التى اكتسبتها مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر من جراء سياسات محمد على جنوباً و شرقاً ، والحروب التى خاضها ضد الدولة العثمانية صاحبة السيادة و التى كادت تودى بها لولا التدخل الأوربى الذى قادته حكومة لندن ، وعلى الرغم من محاولات الخديو إسماعيل لترسيخ هذه المكانة بعد أن نجح فى " تمدين " النظام المصرى ، وخلع ذلك الطابع الذى اصطبغت به بامتداد فترة حكم آل عثمان ، ما ترتب على ذلك من طابع مستقل من الناحية الواقعية De Facto ، وتابع للدولة العلية من الناحية النظرية De Jure .

و بالرغم من أن الحاكم الأخير ، إسماعيل ، قد فكر أكثر من مرة فى أن يزاوج بين الواقع و النظرية ، الأمر الذي رصده الدكتور ألكسندر شولش في كتابه "مصر للمصرين " ــ أزمة مصر الاجتماعية و السياسية 1878 ــ 1882" و الذي ترجمه الدكتور رءوف عباس حامد إلى العربية ، منها : تصريحه عام 1869 للقنصل النمساوي بأنه إذا حاول السلطان خلعه فإنه قد يعلن استقلال مصر في هذه الحالة .

ومنها الاتفاق الذي توصل إليه مع ملك إيطاليا فيكتور عمانويل والذي اقره على فكرته ، ولم تنجح الفكرة نتيجة لمعارضة فارنسا ، بل ووصل الأمر إلى أن أحد المشاركين الألمان في احتفالات افتتاح قناة السويس قال : " أن إعلان استقلال مصر أصبح بالضرورة مسألة انتظار اللحظة المناسبة ، بعد ما تطور البناء العضوي لشروط ذلك الاستقلال تطوراً راسخاً" !

بالرغم من كل ذلك مما يبين ما أحرزته مصر من مكانة خلال ثلاثة أرباع القرن المنقضية بين تولى محمد على (1805) وخلع حفيدة إسماعيل (1879) والتي صنعت عودتها لمركزيتها التي تزعزعت خلال القرون الثلاثة السابقة ، فإن الأمر قد استغرق وقتاً لتغير عقلية المصريين من الانتماء لدولة الخلافة الإسلامية ، وهو الانتماء الذي ظل سائداً لوقت طويل من قبل ، إلى الانتماء لأمه متمايزة عن بقية بلاد هذه الخلافة .

فقد حدث التغير من أعلى مع توافر الظروف التي تساعد على إحداثه، وكان يتطلب بعض الوقت حتى يتسلل الشعور بالتمايز الذي يصنع المكانة إلى الطبقات الوسطى ثم ينحدر ليصبح مطلباً شعبياً عاماً ، خاصة أن الطبقة الارستقراطية ظلت تتكون في أغلبها من غير المصريين، و من أخلاط مختلفة من سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية .

لا يعنى ذلك بالطبع أن الشعور بالخصوصية " المصرية " قد اختفى تماماً عند المصريين خلال هذه الحقبة الطويلة، فقد كان ينضج بين الحين والأخر في كتابات مؤرخي ذلك العصر على رأسهم " الشيخ عبد الرحمن الجبرتي " صاحب عجائب الآثار في التراجم و الأخبار "، عندما كان يصف مصر بأنها أشرف الأمم وما إلى ذلك من ألقاب كان يضيفها على هذا الوطن، وإن كان من الصعب أن نقول إنها قد وصلت إلى الشعور "بالمواطنة" ، التي يصنعها الانتماء لبلد معين " .

قضية أخرى أرجأت الشعور بالمصرية الخالصة بدلاً من الانتماء لدولة الخلافة ، والتي أسميت في وقت متأخر "بالجامعة الإسلامية " وهى غلبة الانتماء للطائفة أو لبلدة في الريف التي كان يعيش فيها المصري على الانتماء للوطن ، وحتى الحملة الفرنسية كان هناك ما يشبه العزلة الكاملة لهذه الطوائف بعضها عن بعض بحكم سكنى كل طائفة فى حارة مغلقة الأبواب التي تعيش فيها ، وهى الأبواب التى لا تفتح إلا في أعقاب صلاة الفجر ولكن يعاد غلقها بعد صلاة المغرب وكانت الحارة تنقسم إلى أزقة ، والزقاق يضم عددا من العطفات ، صحيح أن الحملة بدأت في تغير نظام هذه الحارات بتحطيم أبوابها ، مما أدخل كثيراً من الهواجس في قلوب المصريين من أبنائها ، بيد أن ذلك لم ينه وجود" الحارة " اجتماعياً و اقتصادياَ ، فبحكم التاريخ الطويل كان أبناء كل حارة يتصاهرون فيما بينهم ويشكلون أسره واحدة تتسمى في الغالب باسم الحارة القاطنين بها، والتي كانت بدورها تتسمى باسم الطائفة التي تعيش فيها ، حرفية كانت أو دينيه أو عرقية ، وكان من الصعب دخول أي غريب في هذا النسيج المتكامل .

لقد تطلب الأمر وقتاً لإعادة رسم الخريطة الاجتماعية ـــ الاقتصادية على نحو يسمح بإضعاف الانتماء الديني تجاه دولة الخلافة من ناحية والانتماء الطائفي تجاه الحارة أو البلدة التي خرج منها مصريو ذلك العصر ، من ناحية أخرى ، ويحل محلها الانتماء الوطني الذي يؤكد على " مكانة مصر " .

بدأ هذا التغير في عصر محمد على بانخراط المصريين، سواء من الفلاحين أو من أبناء المدن في سلك الجندية، وباختلاط هؤلاء في الحروب المختلفة التي خاضوها تحت راية مختلفة عن راية الدولة، هي الراية المصرية ، بعد أن كانوا يحاربون تحت الراية العثمانية ، والأهم من ذلك ما بدأ يحدث في عهد سعيد باشا من ترقية هؤلاء إلى رتب الضباط " من تحت السلاح " .

الأكثر من ذلك لفتاً للنظر ما سبقت الإشارة إليه في فصول أخرى في العلاقة بين الفلاح المصري وأرضه ، والتي تحولت من ملكية الانتفاع إلي ملكية العين بكل ما نشأ عن ذلك من تكوين الطبقة الوسطى بشرائحها المختلفة ؛ العليا : من كبار الملاك الذين يملكون أكثر من خمسين فداناً ؛ المتوسطة : التي تشكلت من هؤلاء الذين يملكون مساحات اقل تصل إلى عشرين فداناً والذين تأتى بعدهم طبقة صغار الملاك .

ثم إن نظام التعليم الذي ابتدعه محمد على صنع بدوره الطبقة الوسطى في المدينة والتي حلت محل طبقة تجار الوكائل الذين كانوا يشكلون عمودها الفقري في العصر العثماني ، غير أن التوصيف هذه المرة انصرف على "المطربشين" من خريجي المدارس الابتدائية والتجهيزية (الثانوية ) و العليا ، وعلى الرغم من أن غلبة العناصر التركية في هذه المدارس مع بداية قيامها ، إلا انه مع الوقت تسلل المصريون إليها في أول الأمر ثم ما لبسوا أن انهالوا عليها حتى أصبحت لهم الاكثريه في صفوف تلاميذها .

ومع قراءة الصحف الأهلية التي كانت قد بدأت في الصدور على عصر إسماعيل ومع خروج بعض أبناء ملاك الاراضى للتعليم في الخارج على نفقة إبائهم ، عاد هؤلاء وأولئك وقد تمكنت في نفوسهم فكرة المواطنة على نحو لم يعرفه إباؤهم .

نحاول من خلال هذه التفاصيل العريضة الاجتماعية و الاقتصادية التوصل الى الدوافع التى دفعت المصريين خلال الحركة الوطنية التى امتدت بين مظاهرة الضباط فى 18 فبراير 1879 و الى أن نجح البريطانيون فى احتلال البلاد فى سبتمبر 1882 ، إلى تبنى شعار " مصر للمصريين " الأمر الذى عبر عنه عبد الله النديم فى كتاباته وردده الضباط الذين فجروا فتيل الثورة ، مما دعا بعضا ممن كتبوا عن الثورة بعد ذلك أن يختاروا هذا الشعار عنواناً لكتاباتهم ، وهو ما فعله الدكتور شولش فى كتابه السابق الإشارة إليه ، والذى صدرت طبعته الانجليزية عام 1981 ، وما فعله قبله بنحو مائة عام (1884) أحد الرجال الذين عاينوا الثورة و سجل أحداثها فى ستة أجزاء ، فى كتابه المرجعى "مصر للمصريين " ألا وهو سليم خليل النقاش "!

غلبة الانتماء " للمصرية" على لانتماء " للعثمانية " التى صنعتها المكانه التى اكتسبتها مصر خلال السنوات السابقة على أحداث ثورة 1881 ـــ 1882 ، كما لم تأت من فراغ ، فإنها تجسدت فى كثير من مكوناتها ، أهمها ــ فى رأينا ــ مكون الزعامة التى أصبحت ، أو كادت تصبح مصرية خالصة .

ولعل عقد مقارنة بين هذا المكون و بينه فى حركة 1805 التى أتت بمحمد على والياً على مصر تكشف هذه الحقيقة بجلاء تام ؛ فهذه الزعامه خلال المرة الاولى كانت تتكون من علماء الدين وقاضى القضاة و بعض عناصر الادارة التى كانت غاضبة على خورشيد باشا ، وهى قد استمدت هيبتها الاساسية إما من مكانتها الدينيه ، وبدرجة اقل من مكانتها فى إدارة ولاية مصر المحروسة ، بدليل أن قاضى القضاة مثلاً كان تركيا ، وبدليل أن عديداً من العلماء الذين تصدوا لخورشيد باشا فى القلعة قد إنحدروا من أصول غير مصرية ، الأمر الذى بينه الشيخ الجبرتى فى التراجم العديدة التى وضعها لهؤلاء .

بل نزعم أكثر من ذلك أن عامة المصريين الذين نظرت إليهم هذه الزعامة نظرة استعلائيه فاسمتهم الحرافيش والحشرات ، ولم يتحركوا أبداً لأسباب وطنيه بقدر ما تحركوا لأسباب طائفيه ، خاصه فيما يتصل بالضرائب غير الشرعيه ، أو ما سمى "بالفرده" ، والتى كان يفرضها هؤلاء عليهم ، ولعل النداء الشهير الذى ردده أبناء القاهره خلال الفتره القصيرة التى تولى فيها أحد الأمراء المماليك السلطة " إيش تاخد من تفليسى يابرديسى " يؤكد هذه الحقيقة ، فهم لم يروا فى عثمان بك البرديسى إنه غريب عليهم بقدر ما رأوا فيه الحاكم الذى يسعى الى " تفليسهم " !!

اختلف الحال بشكل كامل خلال الاحداث الثورية التى عرفتها الفتره التاليه لخلع إسماعيل ، صحيح أن أول تحركات الضباط خلال عهد هذا الخديو تمت لأسباب فئوية متعلقة بالاستغناء عن خدمات عدد كبير منهم إلا أن هذه التحركات بدءاً من عام 1881 قد شابها روح من المصرية ما لبثت أن وجدت البيئة المناسبة للتحول إلى أول حركة ذات انتماء وطني خالص .

ما نقصده " بروح المصرية " أن الضباط الذين ضغطوا على زناد الثورة كانوا من المصرين الرافضين للتميز بينهم وبين الضباط الشراكسة المنحدرين من أصول تركية، إذ انه بينما يتم رفع الأخيرين إلى أعلى الرتب لأتناسب كفاءتهم ، فإن المصريين كانوا يبقون طويلاً في رتب تقل عن درجتهم في الكفاءة ، فقد بقى زعيم الثورة ، أحمد عرابي باشا ملازما لرتبة القائمقامية تسعة عشر عاماً متتالية ، الأمر الذي انسحب على غيره من الضباط المصريين المنحدرين من أصول فلاحيه ، و الأمر الذي انسحب أيضا على شتى مناحى الإدارة ، حتى أن النظام الوزاري الذي عرفته مصر عام 1878 لم يعرف وزيراً مصرياً سوى على مبارك باشا ، والرجل رغم أهميته في التاريخ المصري فقد نظر إليه العديدون باعتباره ربيباً للقصر ، مما كشفت عنه بعض تصرفاته خلال الثورة ، عندما عرف رجال توفيق بعض تحركات رجال الثورة منه مسبقاً ، وما حدث بعد أن اوفده قادتها للخديو توفيق بالإسكندرية ليبلغوه مطالبهم ، فذهب ولم يعد !

وتبدو مصرية زعامة التحرك الثورى من حقيقتين : أولاهما : أنها كانت ضد تحكم العنصر التركى فى الجيش أو فى الإدارة ، حتى أن تقرير اللورد دفرين ، السفير البريطانى فى اسطنبول الذى أوفدته حكومة لندن بعد ضرب الثورة لتحرى أهم أسبابها ، جاء فيه تأكيد على المظالم التى وقعت على المثقفين المصريين من الموظفين الذين حرموا من أغلب المناصب القيادية فى الإدارة ليشغلها الموظفون القادمون من شتى أرجاء الدولة العلية ، أو المنحدرون من أصول تركية هذا فضلاً عن اختلاف هوية هؤلاء عن هوية المثقفين من قادة حركة عام 1805 ، فبينما تلقى هؤلاء تعليماً دينياً بالأساس ، وكان يستحيل عليهم التفكير فى الخروج على طاعة سلطان العثمانيين وخليفة المسلمين ، فقد تلقى مثقفو الزمن الثانى تعليماً مدنياً يمكن أن يقبلوا معه التبعية الدينية لاسطنبول ولكن ليس بالضرورة التبعية السياسية .

بيد أن ذلك لا يعنى أن الحركة قد وصلت فى توجهاتها إلى حد رفض سيادة السلطان العثمانى ، خليفة المسلمين بشكل مطلق ، فلم تكن القومية المصرية قد نضجت فى ذلك الوقت على هذا الحد الذى قد يتضمن رفضاً لطاعة ( أمير المؤمنين ) ولكنها أرادت أن توفق بين الخصوصية التى فرضتها ( مكانة مصر ) وبين طاعة الجالس على كرسى آل عثمان فى الأستانة ، خاصة أنها قد تخوفت من أن خلع هذه الطاعة قد يؤدى إلى زيادة تدخل الأجانب فى الشئون المصرية بعدئذ ، وكانوا مخطئين فى هذا ، فسياسات الدول لا تصنعها العواطف الدينية ، ولم يجرؤ أحد من المصريين على تحدى هذه الفكرة إلا بعد نحو ربع قرن من الاحتلال ، وفى عام 1907 على وجه التحديد ، حين ظهر حزب الأمة عام 1907 ونادى رئيس تحرير صحيفته " الجريدة " الأستاذ أحمد لطفى السيد ، بإتباع ما اسماه سياسة المنافع لا سياسة العواطف ، والتى كان يقصد بها تغليب المصلحة القومية على أية مصلحة أخرى بما فيها " الانتماء الديني " وهو الأمر الذى بلورته تماماً أحداث ثورة 1919 .

الحقيقة الثانية : أن جانبا من تلك الثورة كان موجها إلى التدخل الأجنبى فى الشئون المصرية ، وليس إلى مظالم أوقعها الحاكم الذى ولاه سلطان الأستانة ، كما حدث عام 1805 ، هذا التدخل الذى بدا على مستوى الدولة من كثرة الديون وما تبعها من لجان أجنبية وصلت إلى ذروتها فى نهاية عصر إسماعيل بتشكيل ما عرف بالوزارة الأوربية ، وكان أهم قيادتها من عناصر غير مصرية ، الرئيس : نوبار باشا الأرمنى ، ناظر المالية : ريفرز ويلسون الإنجليزى ، ناظر الأشغال : السيو دى بلينير الفرنسى ، ناهيك عن وفود عشرات الألوف من الأجانب الذين تغلغلوا فى شتى مناحى الحياة المصرية ، ونافسوا " أولاد البلد " فى معايشهم ، خاصة بعد ما أتوا به من منتجات جديدة أقبلت عليها جماعات " المتفرجين " كما اسماهم أبناء ذلك العصر ، الذين انصرفوا عن منتجات أبناء بلدهم ، وكان هؤلاء يملكون قدرة شرائية لا يملكها غيرهم ، ولن نضيف إلى ذلك ما هو معلوم من امتيازات المحاكم القنصلية ونشأة المحاكم المختلطة التى كانت تنصر فى الغالب الأجنبي على الوطنى المصرى إذا ما نشب بينهما أى نزاع يقودهما إلى الالتجاء لهذه المحاكم .. نقول أن كل ذلك لم يكن قائما حتى عام 1805 .

ونضيف إليه ما هو أكثر وهو أن الثورات التى عرفتها القاهرة أو الأقاليم خلال وجود الحملة الفرنسية فى البلاد إنما نشأت عن أسباب دينية ، أكثر منها أسباب وطنية ، الأمر الذى يمكن التدليل عليه من اكثر من حقيقة .. أن ثورة القاهرة الأولى قد انبعثت من الأزهر ، الأمر الذى دفع الجنود الفرنسيين إلى اقتحامه وإهانة رموزه ، وأن ثورة القاهرة الثانية قد اشتعلت مع توارد الأنباء بقرب وصول " القوات العثمانية " إلى العاصمة المصرية بعد الاتفاقية التى وقعها كليبر معهم فى العريش عام 1800 ، وكانت بهذا الخصوم اقرب إلى العثمانيين منها إلى الوطنية .

ويبقى هذا الكلام نظريا إلى أن تثبته الأحداث التى جرت خلال عامى 1881- 1882 ، والتى كانت على شعبية " المكانة " بعد أن نجحت زعامة الثورة فى تأكيد تمايز مصر عن بقية أنحاء الدولة العثمانية ، وبعد أن نجحت تحركاتهم فى جذب أنظار الشعوب العربية ثم الشعوب الإسلامية ، وأخيرا بعض المتعاطفين من أبناء الشعوب الأوربية الذين نظروا إليها باعتبارها حركة تحرر وطنى ضد محاولات التدخل الأجنبى ، وضد السيطرة العثمانية من جانب آخر .

ويبقى الأمر ملتبسا بالنسبة لعلاقة الثورة بالدولة العثمانية ، وتلقى الدكتورة لطيفة محمد سالم فى عملها تحت عنوان ( القوى الاجتماعية فى الثورة العربية – الجذور والأحداث ) كثيرا من الأضواء على هذه العلاقة ، فقد حاولت أن تشرح طبيعة المشاعر المصرية تجاه الأتراك فيما جاء فى قولها : ( معروف أن المصريين يبغضون الأتراك ، وهم دائمو الثورات عليهم خاصة قبل حكم محمد على ، وكان شعور عرابى الشئ نفسه فهو لم يضمر لهم أى حب ، ففى نظره أنهم أساءوا حكم مصر قرونا طويلة ، ولذلك فلن يسمح لهم بالتدخل فى شئون مصر الداخلية ، لكنه فرق بين الحكومة العثمانية وبين السلطة الدينية ، فالسلطان يجب طاعته طالما كان عادلا ) .

وعبر عن رأيه فى ذلك بالقول ( كلنا أبناء السلطان يجب علينا أن نعيش كأسرة فى منزل واحد ، وكما أن أعضاء الأسرة يكون لكل منهم غرفة ينظمها حسبما يهوى ( ولا يحق لرب الأسرة أن يستبيح حرماتها ) ، فكذلك لكل شعب من الشعوب الإسلامية بلاد يعيش فيها وينظمها وفقا لما يريد ، وقد كسبت مصر استقلالها بالفرمانات وستحافظ على ذلك ) .

وعلى الرغم من أن الباب العالى قد تكدر من سياسة زعامة الثورة من المصريين فى التخلص من الضباط الشراكسة ، فأنه قد تصور أنه يمكن اجتذاب هؤلاء إلى صفوفه خاصة وقد جمع بينه وبينهم الخوف من التدخل الأوربي الذى كانت تعانى منه الدولة العثمانية بنفس القدر ، الأمر الذى بدا فى المقابلة التى جمعت بين المندوب السلطانى درويش باشا وعرابى نفسه فى 10 يونيه 1882 والتى قدمت لنا الدكتورة لطيفة نصها ، فقد قال درويش لعرابى : ( أنت .. أنت وحدك الآمر الناهى فى مصر ، أنت مع كونك لست إلا ناظر الجهادية بيدك السلطة العليا بأسرها وهذا ما اغضب الدولة .. استعف من وظيفتك العسكرية بحجة حضورى حيث أنى مشير مرسل من قبل السلطان ، وكن نائبا عنى مأمور تحت قيادتى لكى تسهل على المخابرة مع الأجانب . عليك أن تذهب مع الضباط الكبار من إخوانك إلى الأستانة حيث أن مولانا الخليفة العادل يرى الخير من مفاوضته معكم ) .

وإذا نم هذا الطلب من جانب المبعوث العثمانى عن شئ فهو ينم عن اعتقاد دوائر الدولة العليا باستمرار تبعية مصر لها ، ويدل على رغبتها فى اغتنام الفرصة لتؤكد سيادتها على مصر. وهو ما رفضه عرابى فيما جاء فى نص رده المراوغ على طلب درويش باشا وقال :( لست حريصا على السلطة التى تريد أن تنسبها إلي هى سلطة غير مغتصبة ، الأمة هى التى أفضت إلي بها ، فالواجب أن ينظر إلى الأمة ويفكر فى شكواها .. إن مالت و كولفن و سنكريش عاملون معاملة الخارجين على النظام ، وذلك فى بلدنا وهم الأجانب الذين لا يحترمون لنا شيئا ونحن نحترم لهم كل شئ ) .

غير أن هذا الرد المراوغ أصبح أكثر صراحة عندما طلب درويش باشا من عرابى التوجه إلى اسطنبول لشكر السلطان على منحه إياه ( النيشان المجيدى ) وليتسلمه منه ، فجاء رد الزعيم المصرى : ( إن الناس متعلقة بى وازدحامهم عليً فى كل وقت بحيث أنهم لا يمكنونى تناول لوازماتي المعيشية ، وأخشى أن يحيلوا بينى وبين ذلك إذا علم بأنى أريد السفر خارج القطر المصرى لما يتوقعون مما يحيق بهم من الضرر فى المستقبل ويترتب على ذلك حدوث فتنة داخلية ) .

غير أنه قد تأكد فشل محاولة الجانبين .. السلطان فى استغلال الفرصة لتأكيد سيادته على البلاد ، والثورة التى أرادت أن تؤكد طبيعة شعبية المكانة التى اكتسبتها مصر فى ميادين القتال الذى دار بعضه ضد قوات الدولة ذاتها ، أو إنقاذا لهم من المأزق السياسية التى أوقعتها فيها الأطماع الأوربية .. نقول أنه قد تأكد فشل المحاولة بعد أن نجحت الضغوط الأوربية فى دفع السلطان عبد الحميد الثانى بإعلان عصيان عرابي ) .

ووصل المنشور إلى مصر فى وقت قاتل عشية معركة التل الكبير ، وقد حفل بما وصفه بأخطاء عرابى حتى وصل إلى الهدف المنشود ، وهو ما جاء بالحرف الواحد فى نهاية المنشور ( فقد أعلن عصيانه ونتج عن هذه الحالة وهذا السلوك أن يجرى بطبيعة الحال ما يتناسب مع عمله ويعامل كثائر وعاص ، ويترتب على ذلك الاعتراف بشخص الخديوي العالي الذى يتمتع بثقة الحكومة الشاهانية ) .

ولعل أخطر ما نجم عن هذا المنشور الذى طبع منه مليون نسخة ، ووصل إلى العام والخاص فى خارج مصر وداخلها ، ما اتصل بقضية مصدر الشرعية .. الفرمانات الشاهانية أم إرادة الشعب المصرى ، وهو التساؤل الذى كان حائرا فى ذلك الوقت ، حتى أن بعضا من كبار الزعماء المصريين قد انحازوا إلى الشرعية الخديوية على رأسهم على باشا مبارك ومحمد باشا سلطان أكبر مالك أرض فى الصعيد ورئيس مجلس النواب فى عهد الثورة الذى تولى أعوانه توزيع هذا المنشور فى سائر أنحاء القطر ، كما انحازت إليه بعض الصحف خاصة الأهرام التى كان قد قفل صاحباها سليم وبشارة تقلا راجعين إلى موطنهما فى الشام عقب أحداث الإسكندرية 11 يونيو عام 1882 ثم ما لبث الأخير أن عاد إليها ليصدر جريدته من ورقة واحدة ويروج للشرعية القانونية الصادرة عن الفرمانات الشاهانية وليس للشرعية الشعبية التى أرستها أحداث الثورة .

وليس من شك أن الفرمان السلطاني الشهير قد أثر على مكانة الثورة التى كانت قد احتلتها فى العالم الخارجى العربى والإسلامى .

ونستعين فى ذلك بمضمون الوثائق الذى قدمه للدكتور عبد المنعم الجميعي فى كتابه ( الثورة العرابية فى ضوء الوثائق المصرية ) منها البرقية المرسلة من الخديوي إلى الصدر الأعظم بشأن انتشار الروح القومية فى مصر والهتاف بحياة العرب والتى يتضح منها أن المسألة القومية بدأت تنتشر لدرجة أن البعض هتف بحياة العرب والتى يتضح منها أن المسالة القومية بدأت تنتشر لدرجة أن البعض هتف بحياة العرب ، الأمر الذى علق عليه صاحب الكتاب بأن بذور فكرة القومية العربية فى العصر الحديث كانت كامنة فى نفوس المصريين فى ذلك الوقت ، وهو استخلاص يتطلب الحذر ، على الرغم من أنه ألحقها ببرقية بين ذات الطرفين جاء فيها أن غرض العرابيين هو الوحدة العربية والقضاء على الأتراك والشراكسة ، ومن أجل ذلك سعى العرابيون إلى إدماج أهالى الحجاز والشام وطرابلس الغرب ضمن اتحاد عربى ( فالتقى عرابى بالحجازيين وأوضح لهم أن ينتسب إلى الأشراف وأنه ينفذ تعليمات الرسول عليه الصلاة والسلام .

ونحن إذا كنا لا نشكك فى صحة هذه الوثائق إلا أنه ينبغى التنبيه إلى أن ما احتوته كان يعبر عن رأى عدو الثورة الأول – الخديوى توفيق – وأن سبباً من أهم الأسباب التى دعته إلى التهويل من حجم الثورة نجم عن رغبته فى بث المخاوف فى قلوب المسئولين فى الصدارة العظمى من مخاطر اتخاذ موقف مهادن من عرابى ، لما سيلحق بممتلكات الدولة فى المشرق العربى من نتائج سلبية .

ربما كان ما جاء فى كتاب ( القوى الاجتماعية فى الثورة العرابية ) أكثر اقناعاً ، فصاحبة الكتاب لم تر أن قائد الثورة هو الذى سعى للترويج لحركته بين العرب أو المسلمين ، وإنما قد جذبت أنظار هؤلاء أحداثها التى وصل صداها إلى بلادهم ورغبوا أن يكونوا فى عونها .

فقد تحدثت فى مواقع من كتابها عن انتقال الأفكار المصرية إلى سوريا عن طريق المعبر الذى يمر منه مراسلو الثورة إلى الاستانة ، وقد ظهر موقفهم عندما علموا أن هناك جنوداً عثمانية تعسكر فى اللاذقية ، وأنها ستبحر إلى مصر لقمع الثورة ( فقاطعتهم وعنفتهم للخروج لحرب إخوانهم المسلمين ، وعندما تعامل معهم أحد التجار وباع لهم ما يريدونه أحرقت متاجره جميعاً ، وهو ما ردده قائد الأسطول النمساوى فى البحر المتوسط فى تقرير له يصف ما يحدث فى يافا تحدث فيه عن عطف أهلها الشديد على عرابى وحبهم له ، وأن الرجال حملوا السلاح وأعدوا الكتائب ، غير أن جنود السلطان التركى منعتهم من الإبحار إلى مصر .

أما فى المغرب والهند فقد كان التعاطف ذا طبيعة دينية ، ولأنهم لم يكنوا أى ولاء للسلطان العثمانى ، فقد فصلوا بين الثورة المصرية وبين كونها تمرداً على خلفية المسلمين ، بالنسبة للأولين ذكرت إحدى صحف الثورة الفسطاط ، أن ذوى الحمية من المغاربة المقيمين فى القاهرة لما سمعوا بقدوم بوابير الدولتين ( الأسطولين البريطانى والفرنسى ) ورأوا معارضة أحمد باشا عرابى وإجراءاته العادلة شرعوا فى التختيم على عرض يقدمونه إلى سعادة ناظر الجهادية مضمونه أنهم لما تحققوا من إخلاصه فى خدمة الوطن والدين ، تاقت أنفسهم أن يكونوا فى زمرة أعوانه الصادقين فهم يعرضون عليه خدمتهم ويضعون بين يديه أرواحهم ) .

وقد انتقلت نفس المشاعر إلى عديد من طوائف الشعب التونسى ، الذى كان يتعرض لهجمة استعمارية مماثلة ، ولأبناء طرابلس الغرب ، ووصل إلى المسلمين فى الهند مما أوردته الكاتبة بالتفصيل فى عملها العلمى .

ولا يبقى بعد كل ذلك سوى القول بأن أحداث الفترة المنقضية بين عامى 1878 و 1882 قد أدت إلى إبراز ( المكانة الشعبية ) التى اكتسبتها مصر وقتئذ ، بعد المكانة العسكرية التى أحرزتها فى عصر محمد على والمكانة المدنية التى فرضت نفسها فى عهد إسماعيل ، هذا بغض النظر عن تحالف الدولة العثمانية والقوى الأوروبية لضرب هذه المكانة .

 
     إطبع هذه الصفحه
     إرسل هذه الصفحه