فى مشهد مأساوى فى العاصمة المصرية فى يوم 14 سبتمبر عام 1882 تقدم الأميرالاى أحمد عرابى باشا ناظر الجهادية وقائد القوات الوطنية ، فى الثورة المصرية التى أطلق عليها البعض اسمه .. تقدم إلى الجنرال ولنجتوان قائد القوة البريطانية التى كانت قد نجحت فى تشتيت جيشه فى التل الكبير فى اليوم السابق يسلمه سيفه دليلا على تسليمه لهذه القوة الأوربية ، مما يمكن اعتباره بداية لعصر جديد يتصور الكثيرون أنه كان إيذانا بانهيار " المكانة " التى حازتها مصر بامتداد سنوات القرن السابقة ، وهو لشديد الغرابة ما لم يحدث !
فقد جرت العادة عندما تنجح قوات إحدى الدول الإمبريالية خلال تلك الفترة فى الهيمنة على مستعمرة ما ، أن تفرض عليها لونا من التبعية تراوح بين الضم كإحدى مستعمرات التاج بالنسبة لبريطانيا ، أو أراض فرنسية فيما وراء البحار فيما فعلته فرنسا مع الجزائر ، أما إذا لم تنجح القوة الاستعمارية فى هذا الشكل من الضم السافر الذى كان يتطلب ألا تكون الأراضى محل السيطرة تابعة لدولة معترف بها ، فيما كان يطلق عليها " أراضى لا مالك لها " فقد ابتكرت لونا آخر من العلاقة هى التى عرفت بالحماية وكانت تفرضه الدولة الإمبريالية على البلد الذى له صاحب ، بمعنى أن له حكومة قائمة تملك درجة من الاعتراف الدولى ، وذلك بمقتضى معاهدة تعقدها القوة الاستعمارية مع حاكم البلد المستقل ، بعد أن تكون قد تطورت العلاقات بين الطرفين على نحو يدعو مثل هذا الحاكم إلى طلب الحماية ، فيما فعلته فرنسا مع تونس قبل دخول القوات البريطانية إلى القاهرة بعام واحد ، ولم تخضع مصر لأى من الشكلين من أشكال الهيمنة التى كانت معروفة وقتئذ !! وبالنسبة للهيمنة البريطانية على وجه الخصوص ، كان يتم تتبيع البلد الواقع تحتها إما لوزارة الهند أو لوزارة المستعمرات ، ولما كانت مصر لا تخضع لأى من هذه الأوضاع ، الأمر الذى خلق حيرة فى دوائر الحكومة البريطانية فى في لندن والتي رأت الحل بأن تشكل لجنة برئاسة اللورد دفرين السفير البريطاني في الآستانة ، ليكتب تقريرا لوضع الأسس التى يمكن أن تسير عليها العلاقات بين البلدين بعدئذ .
فمن الناحية القانونية ظلت الخديوية المصرية جزءا من الإمبراطورية العثمانية ، ولكن ليس من الناحية الواقعية الأمر الذى خلق لها وضعا فريدا فى العلاقات مع القوى الاستعمارية الطامعة ، فقد كانت هذه القوى تتطلع إلى الدولة العثمانية بوصفها " رجل أوروبا المريض " الذى حان الوقت لاقتسام أملاكه ، وتتصارع فيما بينها لتحقيق هذا المسعى ، مما خلق فى السياسات الأوربية ما عرف بـ " المسألة الشرقية " بيد أنه بحكم الوضع الخاص لمصر ظهر فى تلك السياسات ما عرف بـ " المسألة المصرية " الأمر الذى حولها كأحد موضوعات العلاقات الدولية ، مما أدخلها فى اختصاص وزارة الخارجية على عكس الحال مع بقية البلاد العربية التى شكلت جزءا من الإمبراطورية العثمانية ، والتى وقعت تحت السيطرة الاستعمارية بعد الحرب العظمى ، وخضعت للهيمنة البريطانية أو الفرنسية ، فقد أصبحت تابعة لوزارتى المستعمرات فى البلدين ، وكان هذا أول مظاهر التفرد المصرى ، والاعتراف بـ " المكانة الخاصة " .
ولم يكن من مندوحة مع ذلك سوى البحث عن صيغة غير الصيغتين اللتين سادتا من قبل مع البلاد التى أخضعتها الدولتان الاستعماريتان ، الضم أو الحماية ، وقد استقر الرأى فى النهاية على توصيف الوجود البريطانى فى أرض الكنانة بـ " الاحتلال " والمعلوم أن الاحتلال من جانب دولة لأى بلد أو بعض أراضيه أمر موقوت ينتهى بزوال أسبابه ، وهو الأمر الذى يؤكد مرة أخرى الحفاظ على " المكانة " المختلفة .
يدل على ذلك أكثر من حقيقة خلال تلك الفترة التى امتدت لنحو ثلث قرن بين وقوع الاحتلال" 1882" وقيام الحرب العظمى " 1914" والتى تصور البريطانيون مع قيامها أنه يمكن تغيير الوضع فأعلنوا الحماية على البلاد ، ودفعوا الثمن بعد انقشاع ظروف الحرب ، فلم تصلح مصر أى وقت لأن تكون إحدى مفردات الإمبراطوريات الاستعمارية ، حتى لو كانت بريطانيا .
من هذه الحقائق : استمرار عرش مصر الذى يعتليه الخديوى ، حتى لو تم هذا الاعتلاء بفرمان من الباب العالى ، الأمر الذى حدث خلال تلك الفترة مرة واحدة ، بعد الوفاة المفاجئة للخديوى توفيق عام 1892 فقد حدث أن تصور سيد قصر يلدز فى الأستانة ، السلطان عبد الحميد الثانى ، أن الاحتلال البريطانى لمصر ، وعلى ضوء الأوضاع الجديدة ، يخوله أن يصدر فرمان التولية للوريث الشرعى للعرش المصرى مع بعض قيود ، وأصدر فرمانا يحرم مصر من جزء من أراضيها التى كانت قد حددتها تسوية 1840- 1841 ، وقد وقع اختياره على القسم الشرقى من سيناء فأرفق الفرمان بخريطة توضح أن الحدود الشرقية للبلاد تمتد من العريش إلى رأس محمد ،أى أنه أخرج كل خليج العقبة من الأراضى المصرية ، مما أدى إلى أزمة سياسية أطرافها الأستانة والقاهرة ولندن ، وانتهت الأزمة بأن سلمت حكومة الأستانة بأن هناك خطا فاصلا وإن لم تسمه حدودا ، بين مصر وبين الأراضى الخاضعة لها فى الشام والحجاز ، وأهمية ما جرى فى هذه المناسبة ، والذى تأكد بالتحول من " تعيين " هذا الخط على الخريطة إلى " تعليمه" على أرض الواقع بعد أزمة أخرى جرت عام 1906 بين البلدين ، أنه تم " تأطير" الأراضى المصرية ، وهو التأطير الذى تحول إلى حدود مصر الشرقية ، مما اعترفت به عصبت الأمم عام 1922 ، وكانت مصر فى ذلك سباقة على أية دولة من الدول المجاورة .
من هذه الحقائق أيضا ما هو متصل بوضع مصر الدولى ، فقد اضطرت حكومة لندن إلى الحفاظ على شكل الوجود السياسى الأجنبي فى العاصمة والمدن المصرية الكبيرة ، ولأهمية هذه القضية فى صناعة " مكانة مصر السياسية " نعود لأصولها ، فمع بناء الدولة الحديثة فى النصف الأول من القرن التاسع عشر لم يعد ممثل الدولة الأجنبية فى مصر مجرد قنصل ، مثله مثل سائر القناصل المنبثين فى سائر أرجاء الدولة وإنما أصبح " قنصلا عاما ومعتمدا سياسيا " مما يكشف عما أصبح يتمتع به هؤلاء من صلاحيات دبلوماسية جنبا إلى جنب مع وظائقهم القنصلية ، وتوقفت بذلك تبعية القناصل لممثلى دولهم فى الأستانة وتحولت إلى علاقة مباشرة مع وزارات الخارجية فى لندن وباريس وفيينا وبطرسبرج وغيرها .
فى نفس الوقت زاد حجم التمثيل الأجنبى فى البلاد حتى أنه كان هناك ممثلون لأربعة عشر دولة فى منتصف الثلاثينات ، مما دفع الحكومة المصرية إلى أن تنشئ إدارة من أهم إداراتها للتعامل مع هؤلاء وهى الإدارة التى تشكلت عام 1826 تحت اسم " ديوان الخارجية " وكانت أول وزارة خارجية لبلد استمر من الناحية القانونية ولاية عثمانية .
بعد الاحتلال البريطانى لم تستطع حكومة لندن أن تغير من هذا الوضع القائم ، صحيح أن الممثل البريطاني الذي كان يقيم في قصر الدوبارة تمتع بوضع سياسي خاص، غير أن وضعه الدبلوماسي كان شأنه شأن الآخرين هذا من ناحية القناصل أما من ناحية الوزارة ، فلم تستطع حكومة لندن أن تلغى رمزا من أهم رموز المكانة المصرية ممثلا فى هذه الوزارة ، وحدث عندما تجرأت بإلغائها بعد قيام الحرب العظمى وإعلان الحماية البريطانية على البلاد عام 1914 ، أن كان ذلك الإلغاء من أهم أسباب غضب المصريين الذين رأوا فى هذه المؤسسة تجسيدا لاستقلالهم ، وأن إلغاءها يشكل لونا من من العدوان على هذا الاستقلال ، وهو ما أدركته السلطات البريطانية بعد قيام ثورة 1919 ، فكان أول ما فعلته أن أعادت هذه الوزارة بمقتضى تصريح 28 فبراير عام 1922.
بمعنى آخر أنه رغم الاحتلال البريطانى للبلاد فقد احتفظت مصر بمكانتها الخاصة التى ميزتها عن سائر الدول المحيطة ، سواء تلك التى وقعت تحت الهيمنة الاستعمارية ، أو بقيت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية المتهالكة .
وبينما تحكمت الحكومة البريطانية فى شتى مناحى البلاد التى هيمنت عليها ، فهى لم تنجح فى ذلك بالنسبة لمصر التى كانت قد قطعت شوطا كبيرا فى عالم التحديث الذى تم على الطريقة المصرية ، وليس بناء على السياسات التى وضعتها لندن .
وتقدم لنا نشأة الجامعة المصرية عام 1908 نموذجا لذلك فقد نشأت الفكرة فى مصر بمبادرة شعبية لم يكن للحكومة فضل فيها بالعكس فقد عرقلت بعض دوائرها ، خاصة دار المعتمد البريطانى فى عهد كرومر ، الفكرة بكل ما أوتيت من حيل .
ونرى أن مصر قد تفردت عن العالم العربى بأن نشأة الجامعة فيها لم تكن وليدة ظروف الاستقلال ، بالعكس فقد تمت فى ظل أشد فترات الهيمنة الاستعمارية ، ثم أنها من جانب آخر لم تكن صنيعة لقرار حكومى ، مما ينم عن أنها قد تأسست نتيجة لحاجة مجتمعية ، ومثل هذا النوع من المؤسسات يقيض له طول العمر هذا من جانب ، ويقيض له سرعة التطور من جانب آخر .
ويتأكد الدور المعوق لسلطات الاحتلال من حقيقتين يعرفهما المتابعون للتاريخ المصرى خلال تلك الحقبة .
أولاهما : أنه مع تنامى الدعوة لإنشاء الجامعة ، والتى عرفت فى بداية الترويج لها باسم " المدرسة الكلية المصرية " فقد طرحت دار المعتمد البريطانى بالقاهرة مشروعا بنهضة الكتاتيب بديلا عن تلك المدرسة الكلية، وكانت حجتها فى ذلك أن بلدا تنتشر فيه الأمية على نحو لحق بأكثر من90 فى المائة من سكانه لن تكون الجامعة ذات فائدة تذكر بالنسبة لأبنائه ، المطلوب أولا مناهضة الأمية بالكتاتيب ثم يأتى فى مرحلة آجلة المشروع الذى يتنادى به المصريون .. أما مدى هذا الأجل فأمر لا يعرفه إلا الله !
الحقيقة الثانية : تجلت فى الاستقبال الفاتر للورد كرومر للمشروع فيما عبر عنه فى تقريره الصادر عام 1906 والذى جاء فيه بالحرف الواحد أنه لما كان إخراج المشروع إلى حيز التنفيذ " يقتضى زمانا فإنى أشير على أصحابه أن يدرسوا تاريخ إنشاء المدارس الجامعة فى البلدان الأخرى ويبذلوا الجهد فى إفهام المصريين الغرض الحقيقى الذى يتوخونه ويجدر بهم أيضا أعمال الفكرة فى بعض التفاصيل الخاصة بالمشروع وأهمها أمر تدبير الطلبة وتعيين اللغة التى تتخذ أساسا للتعليم وإعداد الأساتذة والمعلمين للجامعة فى المستقبل يتلوها أمر الشئون المالية وعلاقة الجامعة بنظارة المعارف والمدارس الفنية العالية وتأليف مجلس إدارة لها ووضع نظام لإدارة الطلبة والسكن وغير ذلك من الأمور " .. وحلنى حتى يتم تحقيق كل ذلك !
والمعلوم أن تلك المعارضة الكرومرية ظلت تراوح المشروع بين اليأس والأمل حتى أن جريدة مثل الأهرام كتبت تعلق على عودة انعقاد اللجنة التى تألفت بشأنه بعد طول توقف بقولها أن الكثيرين " ظنوا أن مشروع الجامعة المصرية قد أدرج فى أكفانه ككثير من المشاريع وقام البعض يتساءلون عما تفعله اللجنة " والمعلوم أيضا أن المشروع لم ينفض هذه الأكفان إلا بعد رحيل كرومر ، وبعد أن اعتمد خلفه السير إلدون جورست سياسة تقوم على تهدئة المصريين وعلى التعاون مع الخديوى الذى اغتنم الفرصة ليمد يد المعونة للقائمين على تأسيس الجامعة .
الملاحظة الثالثة متعلقة بطول فترة الحمل للمشروع فقد صدرت أول دعوة له عام 1900 ، وولد بعد ذلك بسبعة أعوام ، الأمر الذى تسبب فى تنازع عدد من الآباء ادعاء أبوتهم له ، وأملت سلطات الاحتلال طوال الوقت أن تدفن الخلافات المصرية المشروع قبل ولادته .
الأستاذ دونالد ملكولم ريد الباحث الامريكى الذى وضع مؤلفا تحت عنوان " جامعة القاهرة وصناعة مصر الحديثة " والصادر عام 1991 رصد عددا من هؤلاء الآباء فقد روج أنصار أسرة محمد على للدور الفاعل الذى قام به البرنس أحمد فؤاد " الملك فؤاد الأول بعد ذلك " الذى رأس لجنة الجامعة خلال العامين السابقين على ولادتها وارتأوه الأب الأول للجامعة ، ولعل ذلك ما دعا هؤلاء إلى إطلاق اسم الرجل على تلك المؤسسة التعليمية بعد وفاته بعامين " 1938 " أنصار الحزب الوطنى تحمسوا لفكرة أن مصطفى كامل هو صاحب الفكرة واستدلوا على ذلك بمجموعة من مقالاته أحدها نشر عام 1900 بعد فترة قصيرة من صدور اللواء وتضمنت الدعوة لإنشاء " المدرسة الكبرى " على حد تسميته ، آخر نشر عام 1904 أكد فيه على دعوته لقيام الجامعة والتى اسماها هذه المرة " بالمدرسة الكلية " تبعه باقتراح بتسميتها بكلية محمد على تكريما لمؤسس الأسرة الحاكمة ، أنصار حزب الأمة قبل الحرب الأولى والوفد بعدها أكدوا على الدور الذى لعبه كل من سعد زغلول وقاسم أمين ومحمد عبده فى ولادة المشروع ويبقى بعد كل هذه المجموعة من الآباء جرجى زيدان مؤسس مجلة الهلال والذى كان أول من دعا للفكرة فى مجلته عام 1900 وأسماها " المدرسة الكلية المصرية " وأكد على ضرورة إنشائها لتمد البلاد بالمتعلمين تعليما عاليا باللغة العربية ، وحتى يكف المصريون عن إرسال أبنائهم إلى أوروبا لهذا الغرض .
ونحن هنا لا نرجح كفة أحد من هؤلاء الداعين على الآخر كما حدث وقت قيام الجامعة ، وإنما نرى أن صدور الدعوة من جهات متعددة إنما يكشف عن الحاجة المجتمعية للمؤسسة الجديدة ، ويكشف فى نفس الوقت عن الأسباب التى أدت إلى إخفاق محاولة اللورد كرومر بكل ما له من حول وطول فى إفشال مسعى هؤلاء ، ويشير فى النهاية أن بعضا من مكونات " المكانة " التى صنعتها مصر قبل الاحتلال البريطانى للبلاد من تعليم عال حديث ، ومن بعثات سافرت إلى الخارج ، ومن طبقة أعيان قادرة على تمويل المؤسسة الجديدة ومن صحافة تتنادى بضرورة وجود الجامعة في مصر .. كل هذه المكونات كانت أقوى من سياسة الهيمنة الاستعمارية التى ترى أن جانبا من عملها فى أى بلد تسيطر عليها أن تصوغ عقول البشر فيه بشكل يكفل لها ولاءهم !
ويتفرع عن قضية إنشاء الجامعة المصرية ، رغم أنف سلطات الاحتلال ، قضيتان ذات صلة بالمكانة؛ الأولى : أنه بحكم كونها الجامعة الأولى فى المنطقة فقد ظلت مقصدا للطلاب من الأقطار المجاورة التى لم تعرف الجامعات إلا في وقت متأخر كثيرا عنها ، والثانية : أنه قد جرت محاولة خلال تلك السنوات لنجلزة التعليم دون العالي ، وهى المحاولة التى ارتبطت باسم المستشار الإنجليزى لوزارة المعارف ، المستر دوجلاس دنلوب ، بينما جرت مثل هذه المحاولة فى البلاد الأخرى التى وقعت تحت الهيمنة البريطانية بسهولة ويسر ، فإنها قد واجهت فى مصر مقاومة شديدة ، وصلت فى بعض الأحيان إلى مقاومة من داخل الحكومة نفسها التى كان يسيطر عليها المحتلون ، ولعل الصراع الذى جرى بين هذا المستشار الأشهر وبين ناظر المعارف نفسه ، إبان تولى سعد زغلول باشا لهذا المنصب خلال السنوات الأربع الممتدة بين عامى 1906 و 1910 ، تكشف عن هذه الحقيقة ، والفضل كله لـ " مكانة مصر " التى كانت قد احتلتها خلال السنوات السابقة على الاحتلال ، فلم يكن سعد باشا فى هذه المناسبة أكثر من ممثل أمين لهذه المكانة !
من القضايا الأخرى التى طرحت نفسها خلال نفس الفترة المعروفة بـ " الاحتلال " والتى لم تأخذ نصيبها من السمعة التاريخية ، أنها قد عرفت خروج أول " وفد " مصرى إلى لندن للتفاوض فى جلاء القوات البريطانية عن مصر عام 1908 ، وهو الوفد الذى ترأسه أحد أعيان المصريين ، إسماعيل أباظة باشا ، عضو مجلس شورى القوانين والذى أكد أن الفكرة قديمة وأنه وزملاؤه فى المجلس قد تباحثوا فيها منذ زمن طويل .
ولسوء الحظ فإن " الحزب الوطنى " الذى اعترض على أسلوب المفاوضة مع المحتلين إلا بعد جلائهم ، قد هاجم هذا الوفد ، وأن مؤرخه الأستاذ عبد الرحمن الرافعى ، الذى اعتمد على كتاباته أغلب المؤرخين المصريين بعد ذلك ، قد تبنى وجهة نظر الحزب فتجاهل المحاولة أو هاجمها ، على الرغم مما تشير إليه من أن مصر حافظت على مكانتها رغم الهيمنة البريطانية .
فقد تصور المصريون لوقت غير قصير بعد دخول القوات البريطانية إلى العاصمة المصرية أنها فى مهمة مؤقتة هى إخماد عصيان عرابى ، كما ادعت حكومة لندن ، غير أنه بعد فشل المفاوضات التى جرت مع الجانب العثمانى " وولف – مختار " عام 1886 لتنفيذ " الانجلاء البريطانى " على حد تعبير الصحف المصرية ، وبعد أن بدأ يشتد عود الحركة الوطنية ، رأى بعض من أعيان المصريين أن يأخذوا الأمر بأيديهم ، وأن يرسلوا وفدا منهم إلى لندن .
أغراض الوفد فيما بينه رئيسه رفع صوت " التضرر والاستياء " أولا من ممانعة حكومتهم المصرية من إجابة مطالب الجمعية العمومية ،ثانياً تبديد الخرافات والأوهام التي ألصقت بهذه المطالب الحقة العادلة من أعداء المصريين هنا وهناك ، ثالثا : من السياسة التى تسير عليها الحكومة الإنجليزية فى بلادنا .
وفى مواجهة الهجوم الذى أخذت تشنه صحف الحزب الوطنى ، خاصة اللواء ، على " فتح باب المواصلات والزيارات بين المصريين والإنجليز " دافع أباظة باشا عن الفكرة من أن هذه الخطوة لابد منها عاجلا أو أجلا .
مع إسماعيل باشا أباظة ضم الوفد كلا من " فضيلة حسين القصبى وسعادة محمد شريعى باشا وحضرة عبد اللطيف بك الصوفانى وحضرة ناشد بك حنا ثم حضرة محمود سالم بك " وقد ترك الأعيان القاهرة صباح الثلاثاء 14 يوليو متوجهين إلى لندن حيث قضوا فى العاصمة البريطانية أحد عشر يوما كاملة لنتهت بلقاء مع السير إدوارد جراى وزير الخارجية البريطانية سرد إسماعيل باشا أباظة تفاصيل ما جرى فيها بإسهاب فى سلسلة التقارير التى نشرها الأهرام تحت عنوان " كلمة لابد منها " ومع ما امتلأت به هذه التقارير من تفصيلات اللقاءات مع اللجان البرلمانية ، والدعوات التى وجهتها اللجنة للصحفيين والمعنيين بالمسألة المصرية ، فإن لقاء الوفد مع وزير الخارجية السير إدوارد جراى يبقى أهم أحداث الرحلة .
اللقاء دبره أحد أعضاء مجلس العموم البريطانى المعنيين بالقضية المصرية ، واسمه المستر روبرتسون ، ويتضح من رواية الرجل أن اللقاء تم بموافقة من السير جراى ، بل توحى أنباء الصحف ، أنه تم بإيعاز منه للنائب الإنجليزى ، وان الوفد المصرى رحب بهذه المقابلة .
وقد قدم إسماعيل باشا أباظة وصفا ممتعا له للمقابلة .. أنها تمت بعد ظهر يوم الاثنين 27 يوليو سنة 1908 بغرفة خصوصية بسراى البرلمان ، وأنه بعد الترحيب بدأ الدكتور بهجت بدوى ، وهو شاب مصرى كان يقيم بلندن اصطحبه الوفد معه ، بدأ فى قراءة المذكرة التى رفعها الوفد للحكومة البريطانية ، والتى كان قد بعث بها لوزير الخارجية قبيل سويعات قليلة ، بينما عكف السير جراى على تدوين الملاحظات على ورقة أمامه .
المذكرة طويلة جدا، وقد طالبت باتخاذ الطرق و الوسائط الضرورية لمنح الأمة المصرية حكومة نيابية ذات سلطة وركزت على القانون الجديد لمجالس المديريات الذى كان مزمعا إصداره وقتذاك ، وكيف أنه لا يختلف عن قانون 1883 كثيرا مما يعنى أن البلاد لم تتقدم خلال الربع قرن السابق . كما طالبت بترقية التعليم والتربية فى جميع المدارس خصوصا العالية منها واعتبار اللغة العربية واسطة تعليم العلوم فى كافة مدارس الحكومة وزيادة إنشاء مدارس عليا لتخريج أساتذة أكفاء لتعليم جميع العلوم وزيادة عدد طلبة البعثات " الإرساليات " كما طالبت بمساعدة الحكومة المصرية فى الحصول على مصادقة الدول لأن تسمح للمحاكم المختلطة بأن تمارس حقها الممنوح لها فى قانونها وهو النظر والفصل فى جميع الجنح والجنايات التى تقع من الأوربيين والتى كانت تحال حتى ذلك الوقت إلى المحاكم القنصلية ، وأن تهتم الحكومة بتعيين الأكفاء من المصريين فى الوظائف العالية فى بلادهم على مبدأ الأهلية والاستعداد .
ولما حاجى الوزير الوفد بأن المصريين لا يهتمون بالانتخابات العامة واستدل على ذلك بعدم الإقبال على الانتخابات التى كانت قد جرت فى العام السابق جاء رد أباظة باشا أن السير جراى اعتمد فى هذا الرأي على التقارير التى جاءته من ممثله فى القاهرة ، وهى تقارير مغلوطة لأنها اتخذت من القاهرة والإسكندرية وطنطا والمنصورة مثالا ، بينما كان الإقبال على الانتخابات فى سائر أنحاء البلاد معقولا .
وانتهت المقابلة بعد أن قال جراى : " أنكم تطلبون أن نسير بسرعة ويظهر لى أن الحكومة تسير فى طريق الإصلاح ببطء وإنى أجاهر لكم بأن كلا الأمرين غير محمود ، وخير الأعمال ما كان على منهج الاعتدال ، ولهذا فإنى أعدكم بأننى سأوجه كل عنايتي واهتمامي لمطالبكم وأعمل فيها لصالح بلادكم وخير أمتكم ما يصل إليه حد استطاعتى واجتهادى " ! وفى مكاتبة من وزير الخارجية إلى دار المعتمد البريطانى فى القاهرة وصف أعضاء الوفد بأنهم الجناح المعتدل من حزب الإصلاح فى مصر .
وخرج أعضاء الوفد من المقابلة ليشدوا الرحال بعد أربعة أيام إلى باريس ليتفرقوا من هناك بعضهم ذهب إلى جنيف والبعض الآخر إلى الأستانة وواصل الرحلة إلى الإسكندرية مع أباظة باشا كل من الصوفاني بك وناشد بك ، وقد وصلوها فجر يوم الاثنين 13 أغسطس ، ليستقلوا القطار إلى القاهرة .
وعلى الرغم مما أبدته الصحف الحزبية من هجوم على أول وفد مصرى إلى لندن بسبب تواضع المطالب التى قدمها فإن جريدة محايدة مثل الأهرام كان له رأي آخر ، وهو أن إنجلترا تتولى شئون مصر ، وأن كل أمر فيها يتم بأمر حكومتها التى تبنى قراراتها على ما يصلها من رجالها فى البلاد " ولا تسمع حجة المصريين بجرائدهم لأن صوت تلك الجرائد قد لا يتجاوز الإسكندرية ، فكان من الواجب حتما أن تقام الحجة على حكومة إنجلترا بوجهها وهذا ما فعله إسماعيل باشا و رفاقه ، فهل من خدمة لمصر فوق هذه الخدمة " ! ؟
ورفضت الأهرام انتقاد دوائر الحزب الوطنى " لوفد الأعيان " لأنهم خاطبوا النواب ووزير الخارجية وأنه كان يجب عليهم مخاطبة الأمة الإنجليزية ، وأعربت عن عدم فهمها " كيف يكالم خمسة أشخاص أمة إن لم تكن هذه المكالمة مع نوابها ووزرائها وجرائدها ؟؟ أتظنون أن المكالمة النافعة تكون بإلقاء خطبة فى فندق أو شارع " ؟؟
أخيرا فقد عمدت الأهرام فى تأييدها لأول وفد مصرى إلى نشر عدد من رسائل القراء تؤيد جميعها ما فعله الوفد كان مما جاء فى إحداها بتوقيع " على حسن الزيادي " ما نصه " أنا الموقع أدناه أضم صوتى إلى صوت عقلاء الأمة ونبهائها وأشكر من صميم قلبى المخلصين للوطن رجال الوفد المصرى السعيد الطالع والخاتمة وإنى مقر بفضلهم وأن مبدأهم هو مبدأ السواد الأعظم من بنى القطر "! وبغض النظر عن ردود الفعل المعاصرة للوفد المصرى برئاسة إسماعيل باشا أباظة ، بالهجوم أو بالدفاع ، فإنه يبقى من هذا الوفد مجموعة من الحقائق التى تؤكد حفاظ مصر على " مكانتها " التى كانت قد أحرزتها قبل الاحتلال ، منها أن المصريين لم يقبلوا بالوجود العسكري البريطاني على اعتبار أنه مؤبد كما حدث بالنسبة لبلاد أخرى ، وأن هذا الوجود مؤقت ، ومرهون بمجموعة الإصلاحات التى يجب الانتهاء منها سريعا . ومنها أنه بعد أن يأس المشتغلون بالعمل الوطنى من حل القضية بالوسائل الدولية ، خاصة بعد أن انسحبت فرنسا من المواجهة مع البريطانيين بعد عقد الاتفاق الودى بين باريس ولندن عام 1904 وبعد خذلان الدولة العثمانية التى جرت أثناء أزمة حدودية شهيرة هى التى عرفت بأزمة " طابا" عام 1906 وخضوعها للإنذار البريطانى بالانسحاب من هذه المنطقة ، ولم يكن أمامهم سوى أخذ القضية بين أيديهم وهو ما لم يفعله أى شعب آخر فى المنطقة على هذا النحو .
وقد أتخذ هذا التحول أحد سبيلين : إما بالهجوم المباشر على الوجود الاحتلالى ، فيما حدث من الحزب الوطنى الذى انتهز فرصة حادثة دنشواى ليقيم الدنيا على رءوس المحتلين سواء فى مصر أو فى أوروبا ، أو بالسعى إلى التفاهم معه فيما تجسده محاولة إسماعيل باشا أباظة ومن معه التفاوض مع حكومة الاحتلال والسير خطوة خطوة بتحقيق درجة التقدم التى تفسد حجج دار المعتمد البريطانى فى القاهرة بأنهم باقون فى مصر لإصلاح شئونها وكلاهما يعنى أن " مكانة مصر " ظلت محفوظة طوال الوقت .