الاستقرار في مواجهة الحصار!

كما استهللنا الحلقة السابقة من هذه الدراسة بالمشهد المأساوي المعروف بحادثة المنصة التي جرت في 6 أكتوبر عام 1981 ، باعتباره نهاية ما أسميناه بفترة " الحرج " في المكانة المصرية ، فإننا نتوقف عند هذا المشهد مرة ثانية باعتباره نقطة بداية ، ليس فحسب لعصر الرئيس مبارك ، وإنما الأهم من ذلك لعصر يمكن أن نسميه من ناحية الرؤية التاريخية بـ " حصار المكانة " !!

لقد بدأ الرئيس الجديد عهده وهو يرى الرئيس السابق يخر صريعاً برصاصات بعض أفراد الجيش المشاركين في الاستعراض ، وتصور البعض أن هذا المشهد قد انمحى من ذاكرته ، مهما كانت شجاعته المعروفة عنه كطيار ، هو تصور غير إنساني ، خاصة وأن صفته المهنية تجعله دائماً في موقع الحذر .

و أن يجد الرجل نفسه فجأة مسئولاً عن قيادة الأمة، وفي مثل هذا الجو الخطر، دفعته يقيناً إلى أن يعطي الاستقرار (أولوية) على كل ما عداه من الاعتبارات . وأن يرى بعض خصومه هذه السياسات نوعاً من (الجمود) إنما هو نوع من عدم التقدير أو على الأقل نوع من عدم الفهم.

وفي محاولة استعادة توازن سفينة الأمة من حالة الاحتقان التي عرفتها نهاية عهد الرئيس السادات ، خاصة بعد اعتقالات سبتمبر الشهيرة ، كان أول ما فعله بعد أيام قليلة من توليه صلاحياته رسمياً أن أفرج عن المعتقلين الذين كانوا من سائر ألوان الطيف السياسي ، وأبقى الحال على ما هو عليه عدا ذلك ليتفرغ لمطاردة عناصر" الجماعة الإسلامية " التي تأكد أنها كانت وراء حادثة المنصة ، والتي تصورت أن الفرصة سانحة في أعقاب الحادث للاستيلاء على الحكم ، مما أدى إلى مذابح بشعة في أسيوط ، وحوادث دامية في الأقصر ، الأمر الذي استغرق أغلب سنوات عقد الثمانينات .

وعلى عكس سلفه فقد بدأ الرئيس الجديد يمد يديه للدول العربية المحيطة ، ولا يقدم إلا على الخطوات المحسوبة ، الأمر الذي لم ينقض معه وقت طويل إلا وقد عادت الجامعة العربية إلى دولة المقر مع أمينها العام التونسي ، ويذكر كاتب هذه الدراسة أنه في لقاء خاص مع الرئيس مبارك بعد أن أطلت قضية طابا بوجهها على العالم ، أن شكا أحد كبار رجال الخارجية من حرمان المصريين من بعض المناصب التي اعتادوا على توليها في الجامعة ، فما كان منه إلا أن نبه الشاكي أن للعرب أيضاً حقاً في وظائفها ، وأنّبه على رغبته أن يستأثر المصريون بهذه الوظائف ، وقد اندهش الحضور وأنا منهم من هذه اللهجة الجديدة .

وينبغي أن تذكر أكثر من واقعة خلال هذا العقد تبين مفهوم الرجل الذي خلت منه كل أسباب الاستعلاء التي كانت كثيراً ما تصيب المسئولين المصريين ، ولو بحق ، وأنه بذل كل ما وسعه من جهد حتى تعود لمصر مكانتها التي تحرجت في المنطقة نتيجة لسياسات سلفه ، ما نتفق عليها وما نختلف .

الواقعة الأولى : الحرب العراقية – الإيرانية التي بدأ في شنها الرئيس صدام حسين، والتي استمرت لثماني سنوات من هذا العقد ، ومع أنه كان يمكن أن يترك الرجل لمصيره ، خاصة وأنه كانت له مواقفه العدائية من "مكانة" مصر خلال فترة الحرج التي عانت منها ، فقد اتسع أفق النظرة المصرية لهذا الحدث ورأت أن الخطر يحيط بالجناح الشرقي للأمة العربية قبل أن يحيط بالرئيس ( الجبار ) صدام حسين ، فقدمت كل مساعدة عسكرية وإنسانية للجيش العراقي ، سواء بالتدريب أو بالتسليح أو الإمدادات البشرية ، حتى خرج العراق من المأزق بعد أن ذرف آيات الله الخميني الدموع على نهاية هذه الحرب بالشكل الذي لم يكن يتوقعه ، وعلم الجميع أن فضلاً كبيراً في هذا يعود إلى مصر .

الواقعة الثانية : أن نظام الرئيس الجديد في مصر كان متفهماً لطبيعة المعاهدة مع إسرائيل ، وأنها تحظى بضمان مؤكد من جانب القوة الأعظم التي انفردت بالهيمنة على شئون العلاقات الدولية ، الولايات المتحدة الأمريكية ، ورفض أن يلعب دور " دون كيشوت " بإلغاء المعاهدة رداً على بعض تصرفات إسرائيل ، كما كان يطالبه البعض ، ولكنه فعل كل شيء يمنع هذه المعاهدة من تحويلها إلى اتفاق استسلام بدلاً من أن تكون اتفاقية سلام .

فهو قد ظل يتملص من الدعوات المستمرة لزيارة إسرائيل ، وكان يضع شروطاً لهذه الزيارة تجعلها مستحيلة ، بحكم استحالة استجابة حكومة تل أبيب لها ، وهو قد ظل يستثمر وجود مصر الدبلوماسي في الدولة الإسرائيلية لصالح الفلسطينيين الواقعين تحت سيطرة قوات جيش الدفاع ، الأهم من كل ذلك ما جرى في قضية التحكيم الدولي بشأن طابا ، ويستطيع كاتب هذه السطور أن يدلي بشهادته في هذا الشأن بحكم اختياره عضواً في هيئة الدفاع المصرية في هذا القضية.

أقول في هذه الشهادة أنني كنت شديد الاستغراب من التصميم المصري على الوصول باختلافٍ على شريط حدودي ضيق تزيد مساحته قليلاً عن كيلو متر مربع واحد إلى مرحلة التحكيم ، رغم أنه كانت هناك وسائط أخرى للتسوية اقترحها الجانبان الإسرائيلي والأمريكي أقل تكلفة ، منها المفاوضات ومنها التوفيق ، غير أن مصر صممت على اللجوء للتحكيم ، حتى سمعنا يوماً من الرئيس أنه لا تفاوض على ذرة من التراب الوطني ، واكتسبت الكلمة عندي ، وأنا أستاذ تاريخ معنى لم أكن أعيه من قبل .

ونرى أن ما صحب هذه القضية التي استغرقت أكثر من عامين في نظرها ( 1986- 1988 ) من اهتمام عام من الرأي العام المصري والعربي ، وما ترتب على الحكم الصادر فيها من هزيمة لحقت بالجانب الإسرائيلي في ميدان القانون ، قد أعاد لمصر كثيراً من (مكانتها ) في العالم المحيط ، ولو أننا نرى أنها لم تحصل على كفايتها من الإعلام المصري ، بالشكل الذي يطعن أسطورة التفوق الإسرائيلي!

الواقعة الثالثة : ما عرفه نهاية العقد من الهجمة العنترية للرئيس صدام حسين في عملية غزو قواته للكويت بغض النظر عن النتائج ، ورفض الانسحاب رغم النصائح المتتالية التي أسدتها الإدارة المصرية ، والتي كانت بداية لسلسلة من النكبات دفع ثمنها العراق ومعه الأمة العربية حتى وقتنا هذا ، ولا يعنينا هنا تاريخ هذه العملية المأساوية ، فقد أصبحت معروفة في أكثر تفاصيلها ، ولكن ما يعنينا الموقف المصري منها بحكم تأثيره على استعادة المكانة ، ولو على حساب الرجل الذي حاول بكل الوسائل النيل منها.

فقد كانت المرة الوحيدة التي قبلت فيها مصر في عهد الرئيس مبارك أن تخرج قواتها ، ليس لمحاربة العراق وإنما لتحرير الكويت ، والتي التزمت بها فعلاً ، فشاركت في تحرير العاصمة ، الكويت ، وطاردت القوات الغازية ، حتى توقفت عند الحدود العراقية ، فقد كانت التعليمات الصادرة إليها أن مصر لم تكن ولن تكون في حرب مع أي بلد عربي . ونظن أن هذا الموقف لم يكن غريباً على المصريين الذين فعلوها قبل ذلك عام 1962 وقت تهديد عبد الكريم قاسم بغزو الكويت ضمن قوات عربية فأرسل عبد الناصر قواته لحمايتها ، الأمر الذي دعا الزعيم العراقي إلى العدول عن رغبته ، ويكفي تدليلاً على صحة الموقف المصري في هذا الشأن من لجوء بعض أفراد القوات العراقية أثناء انسحابها للخطوط المصرية تلتمس عندها الحماية ، وكان أمراً جديراً بـ " مكانة مصر" .

يبدو أنه قد عز على خصوم هذه المكانة أن تستعيد عزوتها القديمة ، ولو بهذه السياسة المتأنية ، التي أدرك صانعوها في عهد الرئيس مبارك أنها تتناسب مع مقتضيات العصر .. عصر هيمنة القوة الأكبر على مقدرات العالم ، مما انكشف تماماً في مؤتمر مدريد عام 1991 الذي أعقب عملية الغزو المقيتة ، وبدا معه هزال وجود الاتحاد القديم ، وأنه في طريقه للاختفاء من على خريطة السياسة العالمية كقوة أعظم ، وعصر نهاية زعماء حركات التحرر واستيلاء الجيوش على غالبية أنظمة الحكم في العالم الثالث .

ويمكن أن نصف هذا العقد الأخير من القرن العشرين بأنه كان عقد حصار المكانة المصرية ، والذي شارك فيه فرقاء عديدون ، بعضهم بالوعي على رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ، وكانا أصحاب مصلحة أكيدة في تهميش دور مصر في المنطقة بحكم العلاقة العكسية بين مصالح الأولى ووجود الثانية وبين تعاظم المكانة المصرية ، كما علمتهم التجربة التاريخية ، وبعضهم بغير وعي سواء من بعض دول النفط التي رأى حكامها أن الثروات التي تفجرت عليهم من باطن الأرض تقدم فرصة ذهبية لصنع مكانة لم تكن تحلم بها ، وبعض حركات المقاومة التي ارتدت الثوب الديني التي أيقنت أن لا انتصار لتيارهم في المنطقة إلا بتديين السياسة المصرية ، وكان لكل منهم وسائله في الحصار .

ونبدأ بالشريك الأمريكي – الإسرائيلي ، فقد اعتقدت حكومة واشنطن أنها قادرة على حصار السياسة المصرية بجعلها رهينة بالمعونة السنوية التي تقدمها إليها ، وهي تعلم شدة حاجتها الاقتصادية لها ، ثم بعد ذلك في النفخ في بعض الأنظمة العربية الموالية وتضخيمها إلى حد لا يتناسب مع التاريخ ، بحيث تتساوى الرءوس !!

وبينما يستخدم الأمريكيون أموالهم للضغط كانوا يرسمون الخطط لإثارة المشاكل الداخلية المصرية على نحو غير مسبوق ، فوجدنا منظمات تحت مسمى حقوق الإنسان تنتشر بطول البلاد وعرضها والتي يتم تمويلها من جهات غير معلومة ، يبدو أن لا عمل لها إلا أن تتسقط الأخبار عن أي خروج عن هذه الحقوق ، وتعقد المؤتمرات و تقيم الندوات ، وعندما صادرت مصر لبعض الوقت أعمال أهم هذه المنظمات ، ابن خلدون التي أسسها وأدارها واحد من أصحاب الجنسية المزدوجة ، المصرية – الأمريكية ، هو الدكتور سعد الدين إبراهيم ، الأستاذ بالجامعة الأمريكية، قامت الدنيا ولم تقعد ، حتى تم إطلاق سراحه ، وهو لم يترك البلد بعد ذلك ، بل هو جالس على قلب الحكومة المصرية إلى ما شاء الله ، ولا نظن أنه بعد كل ذلك ، وبعد كل الأنشطة التي مارسها هذا المركز طوال السنوات الماضية ، خاصة على تأكيد ما يراه من مظالم تقع على رءوس الأقباط ، يمكن تبرئته وأمثاله من شبهة العلاقات الخاصة مع دوائر أمريكية معينة ، يتلقى منها الأموال الوفيرة في مقابل إثارة المتاعب الداخلية التي تشغل في النهاية هذا الوطن عن الاستمرار في احتلال مكانته التي طالما احتلها من قبل .

وعلى الرغم من رفضنا لمنطق المؤامرة في تفسير التاريخ إلا أنه في بعض الحالات لا يكون أمامنا من مندوحة من الموافقة على أن هناك أعمالاً تجري من تحت المائدة ، غير تلك الأعمال التي تكون في العادة مطروحة فوقها ، ونرى أن التلويح بورقة "أقباط المهجر" هو جزء من تلك الأعمال .

ولابد أن ننبه هنا أن ظلماً شديداً يقع على الأقباط الذين هاجروا إلى الغرب ، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، عندما نضعهم جميعاً في سلة واحدة ، فالحقيقة أن بعضاً من هؤلاء يمارسون عداءهم ، ليس ضد النظام المصري بقدر ما هو ضد مكانة مصر ، مقابل أجر مدفوع ، بينما لا صلة لغالبيتهم بمثل هذا العداء ، ويتأكد ذلك من أن ملايين الأقباط الذين استقروا في بلادهم مازالت تربطهم ببلادهم أحسن العلاقات ، وقد فعلت كنيسة الإسكندرية حسناً بمحاولتها مد سيطرتها الدينية عليهم،غير أن هناك البعض ممن ركبوا الموجة ، ولم يكن لهم في مصر مكانة " لا في العير ولا في النفير " ركبوا الموجة وسعوا إلى التكسب من ورائها ، الأمر الذي يدفع إلى الاعتقاد أن محاولاتهم في هذا الصدد لم تكن بريئة ، مما تؤكده مجموعة من الأدلة .

فهناك محامٍ صغير من شبرا كان يملك مكتباً غير معروف ، وكنا نراه يتردد على بعض المنتديات دون أن تكون له مساهمة فعلية فيها ، فجأة يهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، ويثير قضية " اضطهاد الأقلية القبطية " ، فيذيع صيته على المستوى العالمي أكثر مما كان ذائعاً على المستوى في هذا الحي الشعبي الفقير من أحياء القاهرة ، ولا ندري من أين نزل عليه الوحي ومن أين جاءته الأموال .

وهناك المؤتمرات التي تعقد بين الحين والآخر في عاصمة من العواصم الأوربية لتبث شكاوى الأقباط وتهتم بها أجهزة الإعلام ، ويكون معلوماً قدر الأموال الهائلة التي ضخت لتغطية تكلفة هذه المؤتمرات ، ورغم ادعاءات البعض أنهم يغطون هذه التكلفة من جيوبهم الخاصة ، فهو احتمال قابل للتصديق مرة ، لكنه غير قابل للتصديق كل مرة ، فسعة الجيوب الخاصة لها حدود !
على الجانب الآخر هناك الثقافة الوافدة التي تقوم على رفض الآخر ، هي الثقافة التي أتى بها المهاجرون إلى بلاد النفط ، ويمكن التمييز بين هذه الهجرة وقرينتها بالهجرة إلى دول الغرب ، أنه بينما يستقر المهاجرون إلى الأخيرة ، وكان أغلبهم من الأقباط ، في البلاد التي قصدوها وحصلوا على جنسيتها ، وقام بعضهم بالاحتجاج على ما يتصورون أن أصحاب دينهم يعانونه ، فإن المهاجرين من النوع الأول ، وكان أغلبهم من المسلمين عادوا إلى أرض الوطن ، في الغالب لأنهم حققوا هدفهم من الحصول على الثروة السريعة ، ولأنهم يبقون في الدول التي هاجروا إليها غرباء وليسوا مواطنين ، فالحصول على جنسية هذه الدول دونه خرط القتاد بحكم النظر إلى كل وافد على أنه قادم لمقاسمتهم في الثروة التي من بها الله عليهم.

المهم أن هذه الهجرة المؤقتة قد اختلفت في تداعياتها عن الهجرة الأولى الدائمة ، فقد جاء هؤلاء مشبعين بثقافة مختلفة ، ونجحوا من خلال ربط هذه الثقافة بالدين أن ينشروها على نحو سريع ، وساعدتهم في ذلك بعض المرجعيات الدينية التي وجدت سنداً في الكتب القديمة ، سواء بنصها أو بتأويلها ، وممن نالوا نصيباً من الكنز النفطي !

وبدا وكأن مصر قد انقسمت إلى عالمين ؛ عالم من يعرفون الله وعالم الكفرة الذين وصفوهم بالعلمانيين ، بعد أن أساءوا تفسير هذه الكلمة من الناحية التاريخية ، ولم يقتصر هذا الاختلاف على مجرد لبس الحجاب في مواجهة السفور ، وإنما امتد إلى كل أشكال التدين الصوري ، بإقامة الصلاة في مواعيدها حتى ولو تم ذلك على حساب أوقات العمل ، وبأداء الزكاة حتى ولو حدث ذلك بصورة مظهرية ، الأمر الذي انكشف من خلال ما عرف باسم "موائد الرحمن" التي تقام للإفطار في شهر رمضان ، والتي أصبحت تنسب لأحد الأغنياء من أصحاب "السوبر ماركتات " التي تسرق المشترين جهاراً نهاراً ، أو لإحدى الفنانات سيئات السمعة ممن أردن التكفير عن ذنوبهن بهذا العمل المظهري .

باختصار فقد استفحل خلال ربع القرن الأخير ما يمكن أن نسميه بـ " الغزو من الداخل "، الأمر الذي نراه أقرب إلى "حصان طروادة" ، الوسيلة القديمة التي لجأ إليها الإسبرطيون لضرب مقاومة أعدائهم ، بعد أن أعيتهم سبل حصارهم من الخارج .

لا ينصرف هذا التوصيف بالطبع لكل متدين ، فمصر منذ تاريخها القديم هي بلد التقوى والورع ، وإنما ينصرف إلى نسبة ممن تأثروا بالثقافة البدوية ، وتصوروا أنها تقدم النهج الصحيح للدين ، وهم يفعلون ذلك أحياناً بوعي وغالبا بغير وعي .
وتبدو أحياناً بعض أقوال هؤلاء كاشفة ، فقد تحدثت إحدى ربات البيوت مرة لأحد برامج الفضائيات ، وطالبت أن نحذو حذو مواطنين في دولة بعينها في شكل مظهري تماماً ، وهو الخاص بتربية الرجال للحاهم ، وعندما سألها مقدم البرنامج عن سبب ذلك ، جاءت الإجابة تلقائية : لأنهم المسلمون الحقيقيون ، وهي قد جردت بذلك كل حليق من إيمانه .

لم تقدم تطورات الداخل فحسب بعض حلقات حصار "مكانة مصر" التي دعت النظام السياسي برئاسة حسني مبارك إلى ينهج سبيل الاستقرار لهذا الوقت الطويل، ذلك أن إلقاء نظرة على ما يجري في مجموع البلاد المحيطة ، أعطى لهذا النظام كل مبرر للتمسك ، بهذا النهج لوقت طويل ، حتى وصفه خصومه بـ"الجمود" ، كما أسلفنا في مستهل هذه الحلقة .

لعل أظهر ما جرى ويجري حالة الفوضى العامة التي أصبح يعاني منها أبناء أغلب تلك البلاد، والتي كان مفروضاً أن تؤثر على مكانة مصر التي تزدهر وقت الاستقرار، وهي حالة استفحلت بعد الغزو الأمريكي للعراق لكنها بدأت قبل ذلك .

فمنذ عام 1989 وبعد انقلاب جماعة العسكريين الذين أسموا أنفسهم " جبهة الإنقاذ " في السودان يساندهم في ذلك الإخوان المسلمون بزعامة حسن الترابي ، والذين ما لبثوا أن كشفوا عن وجوههم ، كان على مصر أن تتمسك بأسباب الحذر، فالسودان ليس كأي بلد عربي آخر ، فقد كان لفترة غير قصيرة جزءاً من الوطن المصري ، وكان مرشحاً حتى قيام الجمهورية المستقلة فيه عام 1956 أن يكون الشطر الجنوبي من دولة موحدة ، هي دولة وادي النيل .

فضلاً عن ذلك فعبر أراضي هذا البلد الجار تأتي إلى مصر أغلب حاجتها من مياه النيل ، الأمر الذي دفع حكومة القاهرة أن ترنو بأبصارها - كل الوقت وليس بعض الوقت - إلى الجنوب ، وهي الحقيقة التي أدركها كل من أراد أن يتحكم في مصر من خارج أراضيها .

أدركها الفرنسيون في أواخر القرن التاسع عشر ، فهم في خضم صراعهم مع البريطانيين على إفريقيا ، أرسلوا عام 1898 إلى فاشودة في جنوب السودان قوة لقطع مياه هضبة البحيرات الاستوائية عن مصر ، الأمر الذي لم تتهاون معه حكومة لندن فعجلت بإرسال حملة الاستعادة المصرية - البريطانية التي واجهت القوة الغازية ، والتي انسحبت بعد أن كادت الحرب تنشب بين الدولتين الإمبرياليتين.

وأدركها الإنجليز بعد حادثة اغتيال السردار السير لي ستاك في أحد شوارع القاهرة عام 1924 ، فقد تضمن الإنذار الذي وجهه اللورد اللنبي ، المندوب السامي في القاهرة إلى رئيس وزراء مصر ، سعد باشا زغلول ، تهديداً بزيادة مساحة الأراضي المزروعة قطناً في مشروع إقليم الجزيرة الواقع بين فرعي النيلين الأزرق والأبيض ، إلى ما هو أكثر من 300 ألف فدان التي كانت مخصصة له ، وذلك على حساب ما يصل مصر من المياه . صحيح أن هذا التهديد لم يوضع موضع التنفيذ ، لكن الصحيح أيضاً أنه يؤكد حساسية مياه النيل بالنسبة لمصر .

المهم أنه ترتب على انقلاب عام 1989 في السودان أمران زادا من الحاجة إلى الاستقرار لمواجهة ما أصبحت تمثله سياسات الانقلابين من مخاطر ، ليس على مكانة مصر فحسب ، بل وعلى حياتها.

الأمر الأول: أن زعماء الانقلاب ما لبثوا أن اقتربوا من الثوابت في العلاقات المصرية - السودانية
- التعليم: بعد أن أغلقوا مدارس البعثة التعليمية المصرية ، وقاموا على إلغائها بالمرة ، وفرع الجامعة بالخرطوم.
- العمق الاستراتيجي: فقد أصبح النظام القائم في السودان عبئاً على مصر بدلاً من أن يكون عوناً لها .
- اندلاع الحرب الأهلية نتيجة للسياسة العنصرية التي اتبعها حكام الخرطوم ، مرة في الجنوب حتى انتهى الأمر من الناحية الواقعية بانفصاله عن الشمال ، ومرة بالغرب حيث تشتعل المخاوف بالتدخل الدولي وفصل دارفور عن بقية جسد الوطن الأم.
الأمر الثاني : ما اعتقده حكام السودان الجدد من قدرة على إسقاط النظام المصري، وإقامة حكم ديني محله ، وذلك من خلال المؤامرة التي حاكوها لاغتيال الرئيس مبارك ، أثناء حضوره مؤتمر القمة الإفريقية في أديس أبابا عام 1995 ، وهي المحاولة التي آلت إلى فشل لسوء حظهم وحسن حظ مصر.

ونشهد في هذا المقام أن حكومة القاهرة قد تصرفت طوال الوقت حيال سياسات جبهة الإنقاذ، وهي السياسات التي أغرقت السودان في بحار من الدماء وحروب أهلية لا تنتهي، على ضوء أساسين.. محاولة احتواء سياسات رجال هذه الجبهة دون اللجوء إلى رد الفعل العربي المعتاد في مثل هذه الظروف ؛ العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم ، ففي أعقاب محاولة اغتيال أديس بابا الفاشلة وقف العالم كله على أصابع قدميه ، وهو يتصور قوات الجيش المصري في طريقها إلى الخرطوم ، غير أن السياسات المصرية التي قامت طول الوقت على عدم قتال العربي للعربي ، واتي اتبعها عبد الناصر من قبل إبان حركة الانفصال السوري عام 1961 ، غلبت ولم ترق نقطة دماء واحدة ، مصرية أو سودانية ، من أجل العمل الأهوج الذي أقدمت عليه حكومة الخرطوم .

أما الأمر الثاني فيقوم على محاولة الحفاظ على وحدة السودان بكل ما أوتيت من أساليب دبلوماسية ، ولعل علاقتها بالجنوب شبه المستقل ، هذا من ناحية ، ومحاولاتها القائمة على قدم وساق حتى هذه اللحظة لمنع التدخل الدولي في قضية دارفور رغم عدم اقتناعها بسياسات حكومة الخرطوم في هذا الإقليم من ناحية أخرى ، تقدم الدليل على ذلك !

غير أنه يبقى بعد كل ذلك ضرورة حماية استقرار هذا الوطن حفاظاً على مكانته من رياح الهبوب التي تأتي من الجنوب !

زاد من حالة الفوضى التي فرضت طوقاً من الحصار على مصر والتي تتطلب مواجهتها بسياسة " الاستقرار " حتى لو طالت ، ما جرى في المشرق العربي بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 ، والموقف الإسرائيلي من الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة ، وهي الفوضى التي وصفتها وزيرة الخارجية الأمريكية مؤخراً ، بالفوضى المنظمة ، والتي تحاول حكومة واشنطن أن تستثمرها لصنع عالم عربي جديد على المقاس الأمريكي الإسرائيلي .

ففضلاً عن إثارة النعرات المذهبية والعرقية بالعراق والتي أدت في النهاية إلى الحرب الأهلية الناشبة في أرجائه ، فهناك إثارة النعرات الدينية والأسرية في لبنان الذي يقف على حافة حرب أهلية جديدة ، وهناك اقتتال الإخوة في فلسطين الذي أضاع جهوداً و دماء عربية على امتداد نحو ستين عاماً ، وتصب جميعها في النهاية في نهر المخاطر التي تحيق بمصر ومكانتها .

وبينما يرى بعض المثقفين الأخذ بالحل السريع ، حتى لو لم يكن متفقاً مع حركة التاريخ ، بأن تقطع مصر أوصالها العربية ، فإن هذا الحل ليس أفضل الحلول ولا أقصرها إلى نجاة المصريين مما يواجهونه من مخاطر ، وقد كان الأستاذ محمد حسنين هيكل محقاً في حديثه لقناة الجزيرة الفضائية 29 يونيو عام 2007 حين نبه إلى أن مصر تواجه خطرين .. أحداث غزة بعد الاقتتال الدامي بين حماس وفتح، والتي وصفها بالقنبلة الموجهة إلى القاهرة ، هذا من الشمال ، أما من الجنوب فهناك القوة الدولية المقترحة لاحتلال دارفور ، مما يعني إحكام الحصار حول الدور المصري ، وتطويع الحكومة المصرية لما تريد أن تمليه القوى المعادية للمكانة المصرية .

وإذا كنا قد أشرنا من قبل إلى سياسات حكومة القاهرة بمعارضة التدخل الدولي في دارفور ، فإننا ننوه هنا بنفس السياسات التي جاءت في حديث للرئيس مبارك رغبة في احتواء اقتتال الأخوة في غزة ، ونحن إذا كنا نتمسك هنا بأن سيطرة حماس على القطاع تمثل مخاطر على الاستقرار المصري ، فإن سياسات حكومة القاهرة ترى إمكانية مواجهة هذه المخاطر ، وأن ما هو أسوأ منها اقتتال الأخوة .

ولعل الحديث عن حماس يقدم أفضل نهاية عن استمرار سياسات مصر في الحفاظ على الاستقرار بعد المخاطر التي ترتبت على تقديم هذا النموذج العربي المؤسف ، فالمعلوم أن هذه المنظمة منذ نشأت وهي امتداد لجماعة الإخوان المسلمين المصرية ، والمعلوم أيضا أنها لن تظل بعيداً عن محاولات الإخوان للقفز على الحكم في قلب العاصمة المصرية ، الأمر الذي أظهرته كل تحركاتهم بعد الفوز الذي حصلوا عليه في الانتخابات الأخيرة ، ومن ثم لا يكون غريباً أن يدافع هؤلاء عن " حماس " بكل ما أتوا من قوة ، وأن يسلكوا كل السبل في سبيل إشاعة الفوضى التي تصل بهم إلى مبتغاهم ، ولا بأس في هذه الحالة من استخدام ورقة أحداث غزة.

ولعل ما جرى منذ أشهر قليلة من تزيي جماعات الطلبة المنتسبين إلى الإخوان في جامعة الأزهر بلثام عناصر حماس المسلحة ، وقيامها ببعض تدريبات عسكرية على مرأى من الجميع إنما يقدم البرهان الحي على هذه العلاقة . صحيح أنهم لم يحسنوا تقدير ردود الفعل وقوة الحكومة المركزية في القاهرة على نحو لا يسمح بتكرار المشهد الفلسطيني، ولكن الخطر قبل أن يكون على مستقبل مصر فهو على مكانتها التي سمحت بمثل هذه المظاهرة العسكرية.

ولا يبقى في النهاية سوى التنبيه لخطر وصول أية جماعة دينية إلى الحكم في القاهرة ؛ على مصر ومكانتها ،ذلك أن هذا الوصول يعقبه في العادة ، كما حدث في المناطق المحيطة لون من الفوضى الداخلية ، ثم إن أفكار هذه الجماعات الأممية تنكر على مصر مكانتها ، وليس أدل على ذلك من التصريحات التي أدلى بها المرشد العام في وقت اعتقد فيه بقرب الوصول .. " طظ في مصر" التي أصبحت أشهر" طظ" في تاريخ السياسة المصرية ، وأنه يفضل حكم الماليزي الصالح عن حكم المصري ، بما يعنيه ذلك ليس بنفي مكانة مصر ، بل قبل ذلك وبعده بنفي الوجود المصري ، ويصبح مع كل ذلك الحرص واجباً والاستقرار ضرورة.

 
     إطبع هذه الصفحه
     إرسل هذه الصفحه