دراسات ومقالات

 

الجيش المصري..وثورة 25 يناير

"نموذج للمؤسسة الوطنيـة"

رمضـان قرني محمد

باحث بالهيئــة

 

تشير دراسة محتوى التناول الإعلامي الدولي والمواقف الرسمية العالمية لثورة الخامس والعشرين من يناير عن مخزون إعلامي كبير، وتقدير واحترام عالمي لدور المؤسسة العسكرية المصرية تجاه الثورة، سواء من خلال تعاملها الراقي والحضاري وممارسة أعلى درجات الانضباط الوطني مع الثورة، أو من خلال إدارة المرحلة الانتقالية الراهنة، والتي تعد مرحلة مفصلية في تاريخ مصر المعاصر، ولا غرو إذا تجاوزت في آثارها الحدود الإقليمية والدولية، ويمكن أن نعزو هذه الدرجة من الإيجابية لدور المؤسسة العسكرية المصرية إلى جملة من الأسباب:

أولا     :الدور التاريخي للجيش المصري والنظر إليه باعتباره العمود الفقري للدولة المصرية الحديثة.

ثانيا     :الموقف الإيجابي للجيش من الثورة وتعهده باحترام مطالبها.

ثالثا     :سرعة بيانات الجيش التي أزالت الكثير من اللبس حول بعض القضايا، وأبرزها الموقف من المعاهدات الدولية لمصر، مما ساهم في خلق درجة عالية من الثقة والطمأنينة في الأوساط الدولية.

رابعا    :موقف الجيش من عملية التحول الديمقراطي، وتعهده بانتقال سلس للسلطة إلى سلطة مدنية، وهو أمر خالف كثير من التحليلات التي كانت تتحدث عن انقلاب عسكري في مصر.

خامسا  :تركيبة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والتي تضم خبراء على أعلى مستوى في كافة المجالات، أخذوا على عاتقهم إدارة مرحلة التغيير وتحديد إطارها ليسلم الإدارة بعد ذلك إلى المدنيين.

سادساً  :توظيف الجيش المصري لأدوات التواصل الالكتروني الحديثة، خاصة صفحات "الفيسبوك" و"الرسائل النصية"، مما ساهم في سرعة التواصل مع الداخل المصري إزاء العديد من القضايا الشائكة, وتبيان موقف الجيش منها.

 

 

أولا : دور الجيش المصري قبل تنحي الرئيس مبارك

تكشف تطورات تلك الفترة، والتي تمتد من تاريخ 25 يناير، تاريخ اندلاع الثورة المصرية، حتى يوم الحادي عشر من فبراير، تاريخ تنحي الرئيس مبارك عن الحكم، إلى سلوك المؤسسة العسكرية المصرية أقصى درجات التعاطي الايجابي مع تطورات الأحداث على أرض الواقع، وذلك رغم الحساسية السياسية التي واجهت الجيش في ظل تواجد الرئيس السابق في الحكم، وفي هذا الخصوص يمكن الإشارة إلى موقف الجيش من القضايا التاليـة:

 

(1) الجيش المصري الضامن للديمقراطية والاستقرار

توقفت العديد من التحليلات عند وصف الجيش المصري بأنه الضامن للديمقراطية والاستقرار، وأنه قادر على قيادة البلاد نحو الديمقراطية، رغم التحليلات التي كانت تحذر من الإطاحة بمبارك، ويمكن فهم هذا التحليل في ضوء ما تحظى به المؤسسة العسكرية من مصداقية كبيرة لدى الرأي العام المصري، مقارنة بالمؤسسات المدنية الأخرى، حيث يمثل الجيش الأمل الأخير للنشطاء السياسيين في مصر لمقاومة خطط التوريث (1). ويمكن القول إن بيان الجيش رقم واحد، في 10 فبراير، ساهم في تكريس هذه النظرة تجاه دور الجيش، خاصة وأنه تحدث عن حماية تطلعات الشعب المصري، وكذلك ما ورد فيه من تأييد مطالب الشعب المشروعة وبحث ما يمكن اتخاذه من إجراءات للحفاظ على الوطن ومكتسباته وطموحات شعب مصر العظيم، وبالتالي فقد قدم البيان الجيش المصري بأنه "الحارس" علي تنفيذ مطالب شباب الثورة المشروعة في إطار الشرعية (2).

 

(2) الجيش المصري.. واحترام أهداف الثورة

على الرغم من أن الجيش المصري، هو جزء من النظام السياسي القائم، إلا أن العديد من التعليقات توقفت عند موقفه الإيجابي من شعارات ومبادئ ثورة الخامس والعشرين من يناير، إلى الدرجة التي وصفتها تعليقات إعلامية بأن الطرفين "الجيش والمتظاهرين أصبحا أصدقاء"، كما أن الشعارات التي رفعها الشباب ضد الرئيس السابق، حازت تعاطف الجميع بمن فيهم الجيش، الذي أقر بشرعية مطالب المحتجين(3).

 

 وفي هذا الإطار، من الأهمية بمكان الإشارة إلى قيام الجنرال مايك مولين، رئيس هيئة الأركان الأمريكية بإجراء اتصال هاتفي بالفريق سامي عنان،رئيس الأركان، حيث حياه علي الموقف الذي اتخذه الجيش المصري من الأحداث الجارية وكيف التف الشباب المعارض حول جيشه الذي يحميه، كما شكره علي الدور الفاعل الذي يضطلع به الجيش من أجل استقرار مصر.

 

وفي إطار تفسير هذا الموقف الحضاري للجيش المصري، فقد عزته العديد من المصادر إلى أن تشكيلة المجلس الأعلى للقوات المسلحة تضم خبراء على أعلى مستوى في كافة المجالات، أخذوا على عاتقهم إدارة مرحلة التغيير، كما أن جل قادة الجيش المصري الحالي هم  من المشاركين في الحروب التي تم خوضها ضد إسرائيل سيما في حرب أكتوبر 1973, ولديهم سجل عملي حافل في مجال خدمتهم العسكرية, ويصنف الجيش المصري بأنه عاشر أكبر جيش بالعالم, وتعد القوات البرية الأكبر بين أفرعه, وتعد الأكبر في إفريقيا والشرق الأوسط، ولديه نظاماً حديثاً للدفاع الجوى وأنظمة صواريخ مضادة للدبابات وتعتبر القوات البحرية أصغر أفرعه (4).  

 

(3)  تأميـــن المتظاهريـن

باتت جهود المؤسسة العسكرية لتأمين وسلامة المتظاهرين، محط اهتمام وإعجاب العديد من التقارير الدولية الرسمية والإعلامية، التي رأت أن الجيش لعب دور "وسيط الخير" في الأحداث، ورفض استخدام العنف ضد الشعب، وامتنع حتى عن التدخل، كذلك توقفت العديد من المصادر عند ما أسمته بمشاعر "الحب والتقدير" التي أبداها المصريون تجاه الجيش عقب نزوله في أعقاب حالة الانفلات الأمني، في 28 يناير، مبرزة شعار تلك المرحلة "الجيش والشعب يد واحدة". وأن الجيش حمى المتظاهرين(5).

 

وعدت تقارير تصريحات رئيس الأركان الفريق سامي عنان بأن الجيش يرى مطالب المتظاهرين شرعية وأنه لم ولن يلجأ إلى استخدام القوة ضد الشعب "نقطة مضيئة"  للجيش. بل يمكن القول، إن هذه النظرة أبرزتها المصادر الإسرائيلية، التي روجت سابقاً لرؤى سلبية، حيث ذكرت تعليقات، "أن الجيش المصري برهن علي أنه يعرف حدود القوة وإن إصبعه ليست خفيفة على الزناد مثل جيوش أخرى، وقد أثبت هذا الجيش الحكمة والتصميم والحساسية" (6).

 

كما رأت مصادر أخرى، أن قيادة الجيش المصري تصرفت بتعقل في هذه المرحلة حيث إنها امتنعت عن استخدام القوة ضد المتظاهرين، وأن الجيش لم يدخل في نزاع مع الشعب في مصر، فهم يفسحون المجال أمام المواطنين أن يقوموا بالتعبير عن أنفسهم لا أكثر(7)، كما نشرت بعض المصادر الأوروبية مقال العالم المصري د. أحمد زويل  بعنوان: "أبناء الفيس بوك" حيث أشار إلي أن الجيش المصري اكتسب احترام الجماهير في هذه الأوقات الصعبة، لأدائه المهني عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على الأمن والاستقرار باعتباره حارس الشعب(8).

 

في الإطار ذاته، تحدثت صحف "أفريقية" عن الموقف العظيم والمشرف للجيش المصري كونه التزم الحيادية وتأكيده أنه لن يلجأ إلى استخدام العنف ضد الشعب, وحمايته للثورة الشعبية السلمية، فلولا حماية الجيش ما نجحت الثورة. ورأت صحف "نيجيرية" أن مصدر ثقة الشعب المصري في جيشه تعود لأسباب عديدة أولها أن الجيش لم يكن طرفاً في التجاوزات التي تعرض لها المواطنون المصريون طيلة العقود الماضية, وظل ملتزماً بمهنيته بشكل صارم  وابتعد عن التورط في القضايا السياسية الداخلية، كما أكدت صحف عربية، أن ثمة خيطا يوحد بين الجيش المدني الذي قوامه شباب وشيوخ وأطفال مصر، والجيش الذي وقف يحمي ثورة الشعب.

 

علاوة على ما سبق فقد عرفت تلك المرحلة من تاريخ الثورة العديد من النداءات التي أكد وروج لها الجيش المصري مثل:"القوات المسلحة تناديكم ليس بسلطان القوة ولكن برغبة في حب مصر، نحن بكم ومعكم من أجل الوطن والمواطنين والأمن والأمان لمصرنا المحروسة"، وكذلك إبراز شعار "الشعب والجيش يد واحدة".

 

(4) الجيش المصري..هو جيش الشعب

قال تحليل نوعي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية  إنه في مقابل الشرطة يحظى الجيش المصري بالاحترام الشديد من قبل معارضي النظام. فبالنسبة لهم فإن هذا هو جيش الشعب الذي لا يمسه فسادا ولا يمارس إرهابا ضد المواطنين. وعلى طول الاضطرابات التزم الجيش موقف الحياد في حين كان قادة الجيش في تونس هم من دفعوا الطاغية بن علي إلى الطائرة لتخرجه من البلاد، أما الجيش المصري فتابع التطورات والانتظار. وقد أتاح الجنود للمتظاهرين سماع صوتهم وتدخلوا فقط لمنع أعمال النهب وضبط النفس وهذه الأمور أضافت إلى الجيش نقاط كثيرة لدى الرأي العام المصري وأظهره على أنه ناضج ومسئول (9).

 

(5) الجيش المصري ومواجهة حالة الانفلات الأمني

عرفت تلك الفترة تكثيف جهود القوات المسلحة لمواجهة حالة الانفلات الأمني بعد جمعة 28 يناير، وانسحاب قوات الشرطة من مواقعها، ومن أمثلة هذه الجهود :

- التصدي لمحاولة اقتحام مطبعة البنك المركزي, فضلاً عن قيام الجيش  بالعزل بين المتظاهرين ورجال الشرطة في محاولات لاقتحام وزارة الداخلية.

- قيام قوات الجيش بحراسة المنشآت الحيوية، حيث دفع الجيش المصري بتعزيزات إضافية إلى القاهرة، كما  قامت القوات المسلحة بالقبض على 3113 خارج على القانون وتقديمهم للمحكمة العسكرية.

- تأمين المظاهرات والحفاظ علي سلميتها.

- تمكن الجيش بمساعدة الدفاع المدني من السيطرة على ألسنة اللهب الناتجة عن انفجار استهدف أنبوب الغاز بين مصر والأردن دون حدوث أي خسائر بشرية.

- قيام قوات الجيش بالانتشار في أحياء مدينة الخارجة بمحافظة الوادي الجديد ونجحت في السيطرة على الموقف، حيث شهدت المدينة انفلاتا أمنيا غير مسبوق بعد انسحاب معظم القيادات الأمنية في المحافظة.

 

وفي إطار البحث عن تفسير لمسلك المؤسسة العسكرية المصرية،نلحظ أن الجيش المصري يريد أن يبعث بخطابين واضحين إلى الشعب المصري: الأول النأي بالمؤسسة عن شخص الرئيس مبارك، والثاني التأكيد على أنها تظل المؤسسة التي تحظــى بأكبر قدر من التقدير والاحترام في مصر(10).

 

يبقى من نافلة القول أن تصرفات وقرارات الجيش المصري في تلك المرحلة كانت محل تقدير العديد من الدوائر السياسية العالمية بجانب الإعلامية،  حيث قال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية فيليب كراولي:"نحترم الدور الذي اضطلع به الجيش المصري حتى الآن – 9 فبراير-  ونشجعه على مواصلة التحلي بضبط النفس الذي أظهره خلال الأيام الماضية". كذلك ما أكده الرئيس باراك أوباما " لقد خدمت المؤسسة العسكرية بلادها بوطنية وبمسؤولية كهيئة تصريف لأعمال الدولة وسيتعين عليها الآن ضمان أن يكون الانتقال ذا مصداقية في أعين الشعب المصري".

 

ثانيا : دور الجيش المصري عقب تنحي الرئيس مبارك

تشير دراسة موقف المؤسسة العسكرية المصرية في أعقاب قرار الرئيس السابق حسني مبارك، التنحي عن السلطة وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، إلى ممارسة الجيش درجة عالية من الوعي السياسي وإدراك "حساسية" المرحلة الراهنة، ويمكن أن نعزو هذه الدرجة إلى بعض الأسباب:

 

أولا: الموقف الإيجابي للجيش المصري من الثورة وتعهده باحترام مطالبها.

ثانيا: سرعة بيانات الجيش التي أزالت الكثير من اللبس حول بعض القضايا، كما صيغت هذه البيانات بمهنية عالية، حظيت بتقدير القوى السياسية المصرية، مقارنة ببيانات الرئيس السابق، والتي وصفت بأنها"استفزازية".

ثالثا: موقف الجيش من عملية التحول الديمقراطي، وتعهده بانتقال سلس للسلطة إلى سلطة مدنية.

وفيما يلي نماذج لموقف الجيش من بعض قضايا تلك المرحلة، والتي تنوعت ما بين سياسي ودستوري وأمني واقتصادي.

 

(1) حماية النظام العام للدولــة

عد بيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة رقم "1" خاصة ما ورد فيه من تأييد مطالب الشعب المشروعة "للحفاظ على الوطن ومكتسباته وطموحات شعب مصر العظيم"، نقطة مفصلية في إدارة قضايا هذه المرحلة، حيث أكد الجيش أنه بمثابة العمود الفقري للدولة، كذلك فإن تصريحات المجلس في تلك المرحلة تؤكد قدرته على ملئ الفراغ السياسي الذي نشأ برحيل مبارك وأنه قادر على أن  يقود مصر نحو الانتقال  إلى الديمقراطية.

 

(2) انحياز الجيش للثورة

أكدت العديد من التحليلات الإعلامية على الموقف الإيجابي للجيش من الثورة، وتحديدا "أنه أظهر انحيازاً للشعب منذ يوم 28 يناير لا سيما وأنه يحظي باحترام كبير منه"، بجانب أن القوات المسلحة المصرية لعبت دورا أساسيا خلال الاحتجاجات واتسم هذا الدور بتأييد مطالب المحتجين في التعامل معهم سلميا وبود شديد مما خلق مناخا من الثقة بين الجانبين وعبر بمصر مرحلة شديدة الخطورة في تاريخها المعاصر، مما أكسب القوات المسلحة ثقة كبيرة من قبل الشعب وتقبلا حسنا لقرارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة والتي حققت مطالب المحتجين بأسلوب منطقي وتدريجي (11).

 

وأكدت التحليلات الإعلامية، أن القوات المسلحة منذ أن دفع بها إلى الشارع تحلت بالشجاعة والمثابرة في التعامل مع الثوريين المصريين، وعلى الرغم من أن البعض ينظر إلى قادة القوات المسلحة بصفتهم مقربين من الرئيس مبارك، إلا أن ثقة الشعب في دور الجيش المصري، أزالت هذه الملاحظة، وهو أمر أكدته صحيفة "فايننشال تايمز" بأن "قادة الجيش استطاعـوا أن يفصلوا مصيرهم عن مصير قائدهم"(12).

 

وفي هذا الإطار, حرصت بعض التعليقات على الإشارة إلى جملة أمور ساهمت في تكريس هذه الحالة من الثقة، منها أن " القوات المسلحة لم تقم أبداً بتوجيه سلاحها ضد الشعب وقامت أيضاً باستعادة وضعيتها في حرب 1973 وأعادت للأمة العربية برمتها كرامتها"، كما أن الشعب قد وثق في الجيش، وأن المجتمع المدني هو الذي أعطى للجيش مهمة مزدوجة بإجراء تغيير كلي وضمـــان كل شي.وفي تعليق لافت للإعلام الإسرائيلي قالت تحليلات : " إن الجيش المصري أثبت انه يعرف حدود القوة وان إصبعه ليست خفيفة على الزناد مثل جيوش أخرى حوله. وقد أثبت هذا الجيش إلى الآن الحكمة والتصميم والحساسية".

 

 (3) التعهد بضمان الانتقال الديمقراطي للسلطة

كانت تلك القضية التي وردت في بيان الجيش رقم 5 عقب قرار التنحي، حيث أكد المجلس على: "تعليق العمل بأحكام الدستور وحل مجلسي الشعب والشورى". وتعهد بفترة انتقالية "لمدة ستة أشهر" وإجراء تعديلات دستورية وتشريعية تسبق إجراء انتخابات نيابية ورئاسية، وتبدو أهمية هذه القضية في تلك المرحلة في ضوء اعتبارين: أولهما: النظرة السلبية التقليدية لدور الجيش خاصة في الأدبيات الغربية والإشارة لدوره السياسي، ثانيهما: أنها أزالت الشكوك والمخاوف التي سادت لفترة خشية إحكام الجيش علي السلطة في مصر، ومن ثم فقد تركزت الرؤى الخارجية لمصر وللجيش بأنه أصبح يقود عملية التحول الديمقراطى على نحو غير مسبوق في تاريخ مصر، واعتبرت صحف غربية أن رسائل المجلس العسكري تتراوح بين تطمينات بأن مهمة المجلس انتقالية ستنتهي بتسليم السلطة إلى قيادة مدنية، وقلق ناجم عن مدى السلطات التي سيمارسها المجلس لإعادة تشكيل النظام السياسي(13).

 

(4) القوات المسـلحة تسطر السيناريو القادم للحياة السياسية المصرية

رأت تحليلات غربية في قرارات المجلس والتي نصت على حل مجلسي الشعب والشورى ووقف العمل بالدستور، مع إجراء بعض التعديلات عليه، بأنها تحمل مضامين مهمة بأن "السيناريو الخاص بمستقبل مصر" لم يأت من الخارج، ولكن وضعه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي يضم خبراء على أعلى مستوى في كافة المجالات أخذوا على عاتقهم إدارة مرحلة التغيير وتحــديد إطارها ليسلم الإدارة بعد ستة أشهر إلى المدنيين (14).

 

 (5)موقف الجيش من التزامات مصر الدولية والإقليمية

لقي البيان الرابع الصادر عن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، والذي أكد احترام جميع المعاهدات الدولية والإقليمية، ارتياحاً لدى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل باعتبار أنها عكست تأكيداً من المؤسسة العسكرية التزام مصر بالاتفاقيات الموقعة فى تنويه إلى اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل،ويمثل هذا البيان أهمية خاصة في سياسة مصر الخارجية بعد الثورة، حيث أزال التخوفات في بعض الأوساط السياسية من إمكانية إلغاء معاهدة السلام مع إسرائيل، كما أكد البيان ثوابت السياسة الخارجية المصرية، وأنها تدار وفق أسس مؤسسية وقواعد مرعية ومصانة.

 

ثالثا: الجيش المصري وإعلاء ثقافـة التسامح.. "نماذج من الإعلام العربـي"

توقف البعض من كتاب وأعمدة الرأي في الصحف العربية عند التعاطي الحضاري للجيش المصري مع تلك المرحلة، حيث أشادت العديد من مقالات الرأي بالأداء السياسي للجيش, وفيما يلي عرض لبعض من هذه الكتابات:

 

- يرى الكاتب، "جهاد الخازن" بصحيفة "الحياة" اللندنية، أن القيادة العسكرية واجهت الامتحان، أو المحنة، بحكمة فلم تخذل الرئيس، وهو بطــل عسكري خرج من صفوفها، ولم تعارض الثائرين على حكمه لأنهم صــوت الشعب(15).

 

- كتب "حسن عصفور" بصحيفة "الدستور" الأردنية، معلقا على بيان القوات المسلحة رقم 3, بأنه تجسيد الاحترام والتقدير لمصر عبر تأكيده، احترامه لتاريخ الرئيس مبارك لدوره في الحرب والسلم ولتغليبه (المصلحة العليا للوطن)، فهي عبارة أراد بيان جيش مصر أن يرسلها صارخة بالنطق، أنه ليس قوة انتقامية أو "تخريبية" أو "هدامة"، فجسد رسالة تعبر عن مفهوم حضاري جديد في العلاقات الداخلية التي تحتاجها مصر أن لا مكان لـ"ثقافة الثأر والانتقام",كما أكملت القوات المسلحة رسالتها الحضارية لمصر القادمة، عندما توقف المتحدث العسكري ليؤدي التحية العسكرية للشهداء الذين سقطوا خـلال مسيرة التغيير الثوري(16).

 

- قالت افتتاحية "اليوم" السعودية، إنه بالحكمة التي أبدتها القوات المسلحة المصرية لا يبدو أنها ستسمح بتحويل مصر إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية أو إثارة النعرات أو المزايدات الأيديولوجــية والشعارات الصوتية(17).

 

-  وصف الكاتب أسامة غريب بصحيفة "الوطن" الكويتية الجيش المصري بأنه كان مثل شعب مصر يكظم الغيظ ويطوي الجوانح على الألم والشعور بالغضب من النظام السابق؛ لكنه كان لا يستطيع -لفرط الوطنية والانضباط- أن ينقلب على الحكم خشية الفوضى والخراب، لهذا ما إن ثار شعب مصر حتى أدرك الجيش أن هـذه هي اللحظة المنتظرة التي يحتضن فيها شعب مصــر، بحيث يحميهم ويحتمي بهم(18).

 

- قالت افتتاحية " أخبار اليوم" السودانية، أن الجيش المصري أثبت دوماً بأنه فوق كل الصغائر لأنه جيش وطني وليس جيش حراب, وليس جيش رئيس,وليس جيش شلة (19).

 

- رأت "البيان" الإماراتية، أن إعلان المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية أنه ليس بديلاً عن الشـرعية التي يرتضيها الشعب، إنما هو تأكيد إضـافي لدوره الوطني والتاريخي، ويعبر عن إدراك عميق لمتطلبات المرحلة القادمة (20).

 

رابعا: الجيش المصري..وتوظيف أدوات التواصل الاجتماعى

في تطور لافت ونوعي في الحياة السياسية المصرية، حرص الجيش المصري على تطوير تعاطيه مع أدوات التواصل الجديدة مع الداخل المصري، من خلال توظيف التقنيات الحديثة، حيث حرصت المؤسسة العسكرية على استمرار التواصل مع الشعب من خلال الرسائل النصية القصيرة عبر هواتف المحمول، لتبيان موقف المجلس الأعلى للقوات المسلحة من العديد من القضايا :" الانفلات الأمني، الإضرابات الفئوية، وثائق أمن الدولة" في السياق ذاته، أطلق المجلس صفحة رسمية على موقع "فيسبوك" الشهير للتواصل الاجتماعي. وقال الجيش في الصفحة التي حملت عنوان :"الصفحة الرسمية للمجلس الأعلى للقوات المسلحة" "يسعد المجلس أن يتواصل مع أبنائه على أن يتم الرد على كافة التساؤلات في خلال 24 ساعة من طرحها"، وبحسب وكالة "رويترز" فقد وصل عدد أعضاء الصفحة إلى أكثر من 48 ألف عضو بعد أقل من 24 ساعة من تدشينها، من جانب آخر، حرصت مقدمة هذه الصفحة على التأكيد على القضايا التالية:

 

* إهداء هذه الصفحة إلى أبناء مصر وشبابها الشرفاء مفجري ثورة 25 يناير وإلى شهداء الثورة الأبرار.

* أن هذه الصفحة تمثل آلية من آليات الاستقرار السياسي والأمني في مصر.

* التأكيد على غياب أي مطامع سياسية للقوات المسلحة وإنما الانتقال الآمن للسلطة والتحول الديمقراطي الذي قامت من أجله الثورة (21).

 

وقد أجمعت التعليقات على أن تعاطي السلطات العسكرية المصرية مع مواقع التواصل الاجتماعي على الإنترنت تحول من العمل على مراقبة هذه الوسائل في إيصال وتبادل المعلومات إلى الرغبة في استعمالها والاستفادة من الخدمات التي تؤديها.

 

من جانب آخر، اتسمت بيانات الجيش بالسرعة، مما ساهم في إزالة الكثير من اللبس حول بعض القضايا، كما صيغت هذه البيانات بمهنية عالية، حظيت بتقدير القوى السياسية المصرية، مقارنة ببيانات النظام السابق، والتي وصفت بأنها"استفزازية".

 

خامسا: الجيش  المصري.. وإدارة قضايا المرحلــة الانتقاليــــة

برز الحديث بشكل مكثف عن دور الجيش المصري، في أعقاب تنحي الرئيس السابق عن الحكم، باعتبار أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الذي يقود تلك الفترة الانتقالية من حكم مصر، كما عرفت الساحة المصرية، بحكم التطورات السياسية، العديد من الأزمات الداخلية والخارجية، وفيما يلي عرض لنماذج من قضايا شهدتها المرحلة الانتقالية:

 

(1) قضية السفينتين الإيرانيتين

يعد الحديث عن سماح مصر بعبور السفينتين الإيرانيتين لقناة السويس من أبرز قضايا السياسة الخارجية المصرية، التي واجهت المجلس الأعلى للقوات المسلحة في تلك الفترة نظرا لارتباطها بالعديد من القوى الإقليمية والدولية، فبداية تعد أول اختبار لموقف مصر بعد الثورة من التزاماتها القانونية بشأن المرور في القناة، من جانب ثان تكثفت الضغوط الإسرائيلية والأمريكية لمنع عبور السفينتين الإيرانيتين، باعتبار أنهما تحملان مواد عسكرية، ومن جانب ثالث، ينصرف الأمر إلى مستقبل العلاقات مع إيران، بالنظر إلى أن هذه هي المرة الأولي التي يحدث فيها ذلك الأمر منذ قيام الثورة الإيرانية.

 

وقد اعتبرت صحيفتا "هاآرتس" الإسرائيلية، و"التليجراف" البريطانية، القرار المصري بالسماح للبحرية الإيرانية بعبور قناة السويس بأنه "تغير في ميزان القوى في المنطقة"، و"إن مصر تشير إلى أنها لم تعد ملتزمة بالتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل تجاه إيران، وإنها الآن راغبة في التعامل مع إيران"(22).

على صعيد آخر، رأت صحيفة "فايننشال تايمز دويتشلاند" الألمانية أن الموافقة المصرية أججت من مخاوف إسرائيل بأن السياسة الأمنية في المنطقة ستشهد تغييرات بعد تنحي مبارك، كما تذكر "زود دويتشه تسايتونج" أن القيادة الجديدة في مصر تعرضت لضغوط من قبل واشنطن لرفض عبور السفينتين، كما عدت صحيفة "دي فيلت" الألمانية القضية أول معضلة دبلوماسية تواجهها العسكرية المصرية بعد مبارك. من جانبه، قال "الإعلام الأمريكي" إن هذه هي المرة الأولي التي يحدث فيها ذلك الأمر منذ قيام الثورة الإيرانية، والتلميح إلى أن تلك الخطوة وغيرها من خطوات مثل وقف ضخ الغاز لإسرائيل سوف تثير المزيد من القلق علي مستقبل عملية السلام والعلاقات بين مصر وإسرائيل، وأنه قد يصبح السلام بين البلدين أكثر برودة مع مرور الأيام(23).

 

 (2)موقف الجيش المصري من التعديلات الدستورية

تعد قضية التعديلات الدستورية المقترحة من قبل اللجنة المكلفة بتعديل الدستور المصري والتي شكلها المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة المستشار طارق البشري وعضوية 10 آخرون، من أبرز قضايا المرحلة الانتقالية، نظرا لأنها تسطر للقادم المصري على الصعيدين السياسي والدستوري، من جانب, كما أنها  تعكس من جانب آخر، رغبة المؤسسة العسكرية في المضى قدماً بخطوات سريعة نحو إعادة الاستقرار إلى البلاد وإجراء الانتخابات وتسليم السلطة إلى إدارة مدنية .

 

ويمكن القول إن جهود المجلس في هذا الاتجاه كانت بشكل عام محل تقدير رسمي وإعلامي دولي، بالإشادة بموقف المجلس والذي عمل على تحقيق رغبات المحتجين من وقف العمل بالدستور وحل مجلسي الشعب والشورى وإجراء مراجعات للمواد الدستورية، والتى تمهد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة وتشكيل حكومة مدنية (24).

 

من جانب آخر، عدت تحليلات اقتراح مدتين رئاسيتين كحد أقصى على منصب الرئاسة يمثل تحولاً جذرياً عن النظام الذى سمح فى الماضى للرئيس المصرى بالبقاء فى الحكم لثلاثة عقود، كما أشارت تعليقات أخرى إلى أن تخفيف القيود على شروط التقدم لمنصب الرئاسة تعد أهم تعديل من التعديلات المقدمة من اللجنة، كما توقفت تعليقات ثالثة عند إعلان المجلس انه لن يتقدم بأي مرشح فى الانتخابات الرئاسية المقبلة.

 

وحول مجريات عملية الاستفتاء علي التعديلات الدستورية، فقد أشار الإعلام الدولي في حالة من الانبهار إلى الإقبال الشعبي الكبير علي المشاركة السياسية... " يوم فخار وطني.. عرس للديمقراطية غاب عن المشهد السياسي المصري لفترة تزيد عن نصف قرن "، حالة الاهتمام الإعلامية جاءت مصحوبة بالإشادة بالارتفاع الكبير في نسبة المشاركة الشعبية وحالة البهجة التي كست وجوه الناخبين الذين امتدت طوابيرهم لمئات الأمتار فوقفوا دون ملل أو تبرم تحت أشعة الشمس حتى يدلوا بأصواتهم، مع غياب منظومة التسويد والتزوير والتزام سلطات الأمن بالحيادية.

 

وفي هذا الإطار قالت "واشنطن بوست" إن الشعب المصري ذاق طعم الديمقراطية الحقيقية للمرة الأولى، وأكدت أن مشهد المواطنين في الاستفتاء دفع مصر إلي مقدمة الصفوف في حركة الإصلاح التي تجتاح المنطقة(25).

 

واتساقا مع الإشادات الدولية الرسمية والإعلامية بالمشاركة "النوعية" و"الكثيفة" من قبل جموع المواطنين على الاستفتاء على التعديلات الدستورية، أشادت الدوائر السياسية بتلك المشاركة، بالنظر إلى أن جميع أطياف المصريين أجمعوا على فخرهم وسعادتهم بالمشاركة في هذا الاستفتاء، وأن مصر رسمت للمنطقة "خارطة طريق للممارسة الديمقراطية"(26).

 

في السياق الإقليمي، وبشأن تأثير الخطوة الإيجابية التي خطتها مصر خلال الاستفتاء على مسار الانتقال نحو الديمقراطية إقليميا، ذهبت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية إلى أن التقدم الذي تحرزه مصر في خطواتها الديمقراطية يمثل حجر الزاوية في تحقيق التغيير الديمقراطي في الشرق الأوسط، وضعاً في الاعتبار الأحداث التي تجري في اليمن والبحرين وليبيا، والتي تعكس تعثراً في مسار الانتقال نحو الديمقراطية(27). كما وصفت صحيفتا "الجارديان" و "الاندبندنت" البريطانيتان عملية الاستفتاء بأنها أول اقتراع ديمقراطي حقيقي تشهده مصر منذ عقود طويلة، فيما وصفتا إقبال ملايين المصريين على التصويت بالحدث التاريخي، الأمر الذي يحمل في طياته عودة الروح مجدداً للحياة السياسية المصرية.

 

في الشأن ذاته، قال تحليل لنشرة "الإصلاح العربـي" التي يصدرها "معهد كارنيجي" إن التصويت المؤيِّد للتعديلات الدستورية في مصر يُقدِّم جرعة زخم قويّة للعملية الانتقالية التي يقودها الجيش وما يرافقها من جدول انتخابي حافل بالمواعيد. فقد كانت نسبة الإقبال كبيرة بحسب المعايير المصرية، وكان النصر ساحقاً مع تأييد 77 % من الناخبين للتعديلات الدستورية. وأكثر من ذلك، استقطب معارضو التعديلات عدداً كافياً من الأصوات بما يجعل النتيجة مغايرة للانتصارات الكاسحة والمتوقَّعة التي كانت سائدة في ظل النظام السلطوي. وهكذا، غالب الظن أن العملية الانتقالية في مصـر ستندفع نحو الأمام (28).

 

مصـادر الدراســـة

 

صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، 4 فبراير 2011.

انظر البيان رقم "1" للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، الخميس 10 فبراير.

مجلة "لو كانار" الفرنسية،فبراير 2011.

راجع صحيفة "الشرق الأوسط",وشبكة "بي بي سي",ووكالة "رويترز".

"الاندبندنت" البريطانية، 12 فبرايـر، وانظر أيضا، صحيفة "جلوب اند ميل" الكندية، 3 فبراير.

هاآرتس" الإسرائيليـة، 2 فبراير.

صحيفة " راسيسكايا جازيتا" الروسية، 1 فبراير.

صحف "الباييس" الأسبانية، و"التايمز" البريطانية، و"لاستامبا" الايطالية، 3 فبراير.

صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية, 11 فبراير.

انظر مقال الباحث فواز جرجس بـ " مركز الشرق الأوسط" التابع لمدرسة لندن للاقتصاد، صحيفة "الإندبندنت" البريطانية، 5 فبراير.

صحيفة " دى استاندرد " البلجيكية  14 فبراير.

لوفيجارو", 14 فبراير، وصحيفة "فايننشال تايمز" 22 فبراير.

صحيفة "تريبيون دي جنيف" السويسرية، 16 فبراير.

صحيفة " ليبر بلجيك" 14 فبراير.

جهاد الخازن, الحياة" اللندنية، 13 فبراير.

حسن عصفور، الدستور" الأردنية،13 فبراير.

اليوم" السعودية، 13 فبراير.

أسامة غريب، الوطن" الكويتية، 7 مارس.

أخبار اليوم" السودانية، 16 فبراير.

البيان" الإماراتية، 15 فبراير.

راجع مقدمة صفحة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على موقع "فيسبوك".

هاآرتس"الإسرائيلية و"التليجراف" البريطانية 19 فبراير.

صحيفتا "واشنطن بوست" و"لوس انجلوس تايمز" 22 فبراير.

حول التعليقات الإعلامية بشأن التعديلات الدستورية، انظر : رمضان قرني محمد "ثورة 25 يناير في الإعلام الدولي", القاهرة, الهيئة العامة للاستعلامات، يونيو 2011.

"واشنطن بوست",20 مارس.

" الوطن" القطرية, 21 مارس.

" وول ستريت جورنال",22 مارس.

نشرة الإصلاح العربي، مؤسسة كارنيجي، 28 مارس.