13 نوفمبر 2018 07:33 ص

ذكرى تأميم قناة السويس ... يوم انتصار الإرادة المصرية

الأحد، 26 يوليو 2015 - 12:00 ص

د. أحمد أبوالحسن زرد

يصادف اليوم السادس والعشرون من يوليو ...ذكرى مرور 59 عاما على قرار تأميم قناة السويس الذى أعلنه الرئيس جمال عبدالناصر فى خطابه التاريخى فى مدينة الإسكندرية  فى يوليو 1956  ونصت المادة الأولى من القرار على " تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية (شركة مساهمة مصرية) وتنقل إلى الدولة جميع مالها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات وتحل الهيئات واللجان القائمة حالياً على إدارتها.  ويعوض المساهمون وجملة حصص التأسيس عما يملكون من أسهم وحصص بقيمتها مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بهذا القانون في بورصة الأوراق المالية فى باريس  ، ويتم دفع هذا التعويض بعد إتمام استلام الدولة لجميع أموال وممتلكات الشركة المؤممة.

وبالفعل أوفت الدولة المصرية بكافة التزاماتها ، فمع حلول الأول من يناير 1963 كانت قد سددت التعويضات التي أعلنت عن عزمها على دفعها لمساهميها تعويضا لهم عما يملكونه من أسهم وحصص تأسيس بقيمتها مقدرة وفقا لسعر الإقفال ، في اليوم السابق للتأميم في بورصة الأوراق المالية بباريس. وبلغت جملة التعويضات 28300000 جنيه قيمة 800000 سهم سددت جميعها بالعملة الصعبة ، قبل تاريخ استحقاقها بسنة كاملة [1].

وإذا كان قرار التأميم قد جاء ردا مباشرا على مواقف الدول الكبرى والبنك الدولى من مسألة تمويل السد العالى ([2]) ، إلا أن القرار فى حقيقة الأمر كان كاشفاً وليس منشئا للحقوق المصرية وهو يرتبط ارتباطا وثيقا بالسيادة المصرية على كامل التراب الوطنى بعد ثورة 23 يوليو المجيدة .

ولقد قامت مصر بتفنيد كافة الأسانيد التى تدحض وتشكك فى قرار التأميم ، وكان ذلك فى الخطاب الشهير الذى القاه وزير خارجية مصر الدكتور محمود فوزى امام الجمعية العامة للأمم المتحدة  فى 8 اكتوبر 1956 وكان خطابا مطولا من بين ما جاء فيه : إن لكل دولة مستقلة الحق في تأميم أية هيئة تخضع لسيادتها. وقد أكدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بقرارها رقم 12626 بتاريخ 21 ديسمبر 1952 أن لكل دولة الحق في استغلال موارد ثروتها لرفاهية شعبها ، طبقا لسيادتها ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة. وما تصرف مصر في تأميم شركة القناة إلا تنفيذ لهذا القرار.

وأضاف : إن شركة القناة شركة مصرية منحت امتياز تكوينها من الحكومة المصرية ، وذلك لمدى 99 عاما. والمادة 16 من الاتفاق الذي عقد بين الحكومة المصرية وبين شركة القناة في 22 فبراير سنة 1866 تنص على " أن الشركة العالمية لقناة السويس البحرية هى شركة مساهمة مصرية تخضع لقوانين البلاد وعرفها. وقد اعترفت الحكومة البريطانية نفسها بهذه الحقيقة ودافعت عنها أمام المحاكم المختلطة بتاريخ 12 أبريل 1939 ، في قضية الوفاء بالذهب. كما اعلن تمسك مصر بحق سيادتها على أرضها ، واحترامها لاتفاقية 1888 مع استعدادها للمفاوضات في سبيل الوصول إلى حل لمشكلة القناة بالوسائل السلمية[3].

وبعد قرار التأميم تعرضت مصر لهجمة استعمارية شرسة بدأت بمحاولة خنق الاقتصاد المصرى عندما انسحب المرشدون والفنيون الأجانب الذين يعملون فى القناة لتعطيل الملاحة وعرقلة دولاب العمل ومن ثم احراج الدولة المصرية بعدم قدرة ابنائها على ادارة القناة ([4])  .

بيد ان روح التحدى التى تحلى بها المصريون دوما فى احلك الأوقات ساعدت على تجاوز الأزمة حيث نجح المرشدون المصريون بمعاونة بعض المرشدين من الدول الصديقة فى تسيير الملاحة بانتظام بعد يومين فقط من انسحاب المرشدين الأجانب حيث عبرت القناة فى 16 سبتمبر 36 سفينة وفى 17 سبتمبر 35 سفينة وفى يوم 18 سبتمبر 32 سفينة وفى 19 سبتمبر 34 سفينة [5]  .

والشئ بالشئ يذكر ، ففى ذلك الوقت وعلى وجه التحديد فى يوم الثلاثاء 18 سبتمبر 1956 استقبلت الإسماعيلية خمسين من المراسلين الأجانب كانت مصلحة الاستعلامات قد أعدت لهم رحلة إلى منطقة القناة ليقفوا بأنفسهم على دقة نظام الملاحة فى القناة . وفى اليوم التالى ( 19 سبتمبر 1956 ) كان المانشيت الرئيسى لصحيفة الأهرام معبرا عن واقع الحال حيث جاء كالتالى : اعجاب الصحفيين الأجانب بنظام الملاحة فى القناة ...بعد ان شاهدوا قوافل السفن تمر فى سلام  ([6]) . وكتب عدد غير قليل من الصحف والمجلات الأجنبية عن نجاح الإدارة المصرية فى تنظيم حركة الملاحة فى القناة ومن بينها  مجلة تايم الأمريكية حيث نشرت فى عددها الصادر فى الأول من اكتوبر 1956  مقالا بعنوان " تحت ظل الإدارة الجديدة " من ابرز ما جاء فيه " ...بعد ثمانية اسابيع من تأميم القناة وبعد اسبوع واحد من انسحاب ثلثى مرشديها يبدو ان ناصر بر بما كان يفخر به ، فقد مرت منذ التأميم 2432 سفينة بسلام وأمان منها 301 عقب الانسحاب الجماعى للمرشدين الأجانب ([7])  .

وتوالت الأحداث بعد ذلك والتى انتهت بشن العدوان الثلاثى على مصر والذى استمر من  31 اكتوبر الى 22 ديسمبر 1956  .

ونتيجة العدوان الثلاثى توقفت الملاحة فى قناة السويس بصفة كلية من 1/11/56 الى 28/3/57 حيث تعرض المجرى الملاحي لأضرار شديدة .. وغرقت داخل القناة 48 سفينة وقاطرة و قطعة بحرية من وحدات الخدمات لهيئة قناة السويس ، وأصيب كوبري الفردان الذي يربط الضفة الغربية بالشرقية والخط الحديدي المقام على الكوبري .. الى جانب 15 وحدة صغيرة من معدات اجهزة قناة السويس ..

وإذا كان العدوان الثلاثى قد تسبب فى غلق القناة إلا أن ضفاف القناة ومصر كلها خاضت فى ذلك الوقت معركة مجيدة تكللت ليس فقط بانتصار 23 ديسمبر 1956 لكن معركة السويس المجيدة – كما يسميها المؤرخون - دفنت الاستعمار وعصر الاستعمار ودشنت بلا جدال عصر التحرير فى العالم وافتتحت موجة الاستقلال فى العالم الثالث بأسره ([8])  .

وبنفس روح التحدى استؤنفت الملاحة في القناة ( 29 مارس 1957) بعد انتشال السفن الغارقة فيها وتطهيرها .

 ومن حسن الطالع ان تتزامن هذه الذكرى مع الانتهاء من أعمال الحفر الجاف والتكريك فى مجرى قناة السويس الجديدة ، ومن ثم ابحار ثلاث سفن عملاقة فى مجرى القناة الجديدة (  25 يوليو 2015 )  .

واليوم ، ونحن نستعيد ذكرى قرار وطنى شجاع كان ضرورة من ضرورات ثورة 23 يوليو المجيدة ، فإن مصر المعاصرة على موعد جديد مع التاريخ حيث تفخر بأنها انجزت بسواعد مصرية ، وأموال مصرية ليس شريانا حيوياً فقط ، بل شيدت قناة جديدة تفتح الباب واسعاً امام حزمة من المشروعات العملاقة التى تنتقل بمصر الى آفاق ارحب من التنمية الشاملة في مختلف المجالات الزراعية والصناعية والعمرانية وغيرها .

 


[1] جورج حليم كيرلس ، قناة السويس والقنوات البحرية العالمية ( القاهرة : دار الفكر العربى ، 1964 )، صـ 105 .

[2] اكدت الولايات المتحدة فى بيان اصدرته بتاريخ 19 يوليو 1956 ان اسهامها فى مشروع بناء السد العالى امر غير عملى بحجج وأعذار واهية ليس هذا فحسب بل شككت فى قدرات مصر على انجاز هذا المشروع وأكد وزير الخارجية الأمريكى فى ذلك الوقت جون فوستر دالاس يوم 20 يوليو 1956 ردا على سفير مصر حينذاك عندما قال : لم تعد حكومة الولايات المتحدة راغبة فى الإسهام فى تمويل السد العالى بعد أن تبين لها أن اقتصاد مصر قد بلغ حدا من الضعف بحيث لا يستطيع تحمل مثل هذا المشروع  راجع فى تفصيل ذلك :

- فتحى رزق ، صـ 138 وما بعدها .

[3] لمزيد من التفاصيل راجع :

- محمود يونس ، قناة السويس : ماضيها وحاضرها ومستقبلها ( القاهرة : دار ابوالمجد للطباعة بالهرم ، 2006 ) ، صـ 275 وما بعدها .

[4] فى 14 سبتمبر انسحب المرشدون الأجانب راجع فى ذلك :

-جورج حليم كيرلس ، مرجع سابق ، صـ 92 وما بعدها .

[5] محمود يونس ، قناة السويس : ماضيها وحاضرها ومستقبلها ( القاهرة : دار ابوالمجد للطباعة بالهرم ، 2006 ) ، صـ 254 .

[6] نفس المرجع ، صـ 255 .

[7] المرجع السابق ، صـ 259 .

[8]  د. جمال حمدان ، قناة السويس نبض مصر ( القاهرة : عالم الكتب للطباعة والنشر والتوزيع ، 1975 ) صـ 26-27 .

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى