22 أكتوبر 2019 04:40 م

قناة السويس الجديدة .... الأبعاد والتداعيات الاقتصادية

الأربعاء، 05 أغسطس 2015 - 12:00 ص

د. أحمد أبوالحسن زرد

من المعلوم أن الأبعاد التنموية والاقتصادية للقناة الجديدة لن تقتصر فقط على مجرد اختصار ساعات مرور السفن من 22 ساعة الى 11 ساعة لتصبح أسرع قناة في العالم ([1]) ، أو مرور السفن في الاتجاهين دون انتظار وإنما هناك تداعيات هامة ذات صلة بتنمية محور قناة السويس وغيره من المشروعات المصاحبة لإنشاء القناة الجديدة  .

وعلى وجه العموم ، فإن قناة السويس مكان آمن وتوفر كل المواصفات القياسية العالمية اللازمة لعبور الملاحة في العالم ، بالإضافة إلى اختصار الوقت حيث توفر في المسافة من 23 % إلى 88 % من مسافة الرحلة”. وتمثل سفن الحاويات 54 % من عدد السفن والحمولات المنقولة التى تمر عبرها .  ومن المفيد الإشارة إلى أن السفينة (سي اس سي ال جلوب) وهي أكبر سفينة حاويات في العالم عبرت القناة في 31 ديسمبر 2014 وتحمل 19 ألف حاوية . وجاري حاليا إنشاء سفن تتجاوز العشرين ألف حاوية ، وان قناة السويس لديها الجاهزية لاستقبالها منذ خمس سنوات سابقة . ومن ثم ، فعملية تطوير القناة تسير بخطى منتظمة وثابتة ([2]) .

ويهدف هذا المشروع - الذي ظهر إلى النور  بعد دراسة متأنية - بالأساس إلى تحسين ظروف الحياة لكل مواطن على أرض مصر... ويسعى إلى الارتقاء بمستوى العمال والفلاحين والطبقة الوسطى ، وإيجاد فرص عمل للشباب من خلال خلق فرص عمل جديدة توفرها الصروح الاقتصادية المتنوعة ، وإلى زيادة التصدير وتنمية التجارة الدولية ، وتنويع وتوسيع نطاق الأنشطة القائمة فى المنطقة ، وزيادة حجم نقل البضائع وتعظيم العائد من قناة السويس ، وتعظيم دور النقل متعدد الوسائط ، وتطوير سيناء وتعظيم الاستفادة من ثرواتها الطبيعية المتنوعة .

        ولا شك أن هذا المشروع بما له من تداعيات اقتصادية واستثمارية من شأنها أن تسهم بفعالية في تعزيز الأمن القومي المصري من ناحية ، وترسيخ الأمن الاجتماعي من ناحية أخرى ، باحتواء مشكلة الفقر ، إلى جانب تنشيط الحركة الاقتصادية عموما عبر سلسلة من المشروعات المصاحبة للمشروع مثل تطوير نحو خمسة موانئ استراتيجية أهمها العين السخنه ، وشرق بورسعيد ، ومن بين الأنشطة المتوقعة : تجميع السيارات والإلكترونيات  وتكرير البترول والبتروكيماويات ، كل هذا وغيره سيسهم بلا شك فى توطين ملايين المصريين في منطقة قناة السويس وسيناء . ونعرض فى السطور التالية لأهم المشروعات المستقبلية ذات الصلة بقناة السويس الجديدة :

أولًا : مشروع محور تنمية قناة السويس

تتناول الخطة التنفيذية لمشروع محور قناة السويس ، بوجه عام تنفيذ 42 مشروعًا ، منها 6 مشروعات ذات أولوية ، وهى تطوير طرق القاهرة / السويس - الإسماعيلية / بورسعيد إلى طرق حرة ، للعمل على سهولة النقل والتحرك بين أجزاء الإقليم والربط بالعاصمة ، وإنشاء نفق الإسماعيلية المار بمحور السويس للربط بين ضفتى القناة "شرق وغرب "، وإنشاء نفق جنوب بورسعيد أسفل قناة السويس لسهولة الربط والاتصال بين القطاعين الشرقى والغربى لإقليم قناة السويس ، بالإضافة إلى تطوير ميناء نويبع كمنطقة حرة، وتطوير مطار شرم الشيخ وإنشاء مأخذ مياه جديد ، على ترعة الإسماعيلية حتى موقع محطة تنقية شرق القناة لدعم مناطق التنمية الجديدة.

1- أسس المشروع (([3]

تقوم الأسس التى بنى عليها مشروع تنمية قناة السويس على احتياج مصر الشديد إلى مشروعات عملاقة لدعم الاقتصاد القومى لتستفيد من عائداتها الأجيال الحالية والمستقبلية ، واستغلال الإمكانيات الحالية فى موانئ المشروع والمناطق الصناعية فى تنميتها واستغلال الظهير الجغرافى لها فى إنشاء مناطق صناعية ولوجستية تعتمد على استغلال البضاعة المارة فى قناة السويس فى إنشاء هذه الكيانات.

2-  المشروعات المقترحة :

يهدف المشروع إلى ربط سيناء بالوطن الأم من خلال 7 أنفاق أسفل قناة السويس تتضمن 3 أنفاق ببورسعيد منهم نفقان للسيارات ونفق سكة حديد و4 أنفاق بالإسماعيلية منهم نفقان للسيارات ونفق سكة حديد ونفق مرافق . بتكلفة تصل إلى 4.2 مليارات دولار.

ومن بين المشروعات المقترحة صناعات تجميع السيارات، والصناعات الزجاجية، والصناعات الدوائية وصناعة الالكترونيات وصناعة المنسوجات والصناعات الخشبية وصناعات الأثاث وصناعة الورق وصناعة السكر، وتعبئة المواد الغذائية، وصناعة البتروكيماويات و والصناعات التعدينية ومراكز توزيع وإعادة توزيع لوجيستية، وتموين وخدمات السفن، وصناعة بناء وإصلاح السفن وتصنيع وصيانة الحاويات.

3-  الحيز الجغرافى الخاص للمشروع :

يضم الحيز الجغرافى الخاص للمشروع ميناء العريش ، وميناء شرق بورسعيد والظهير الجغرافى لميناء شرق بورسعيد ، وميناء غرب بورسعيد ، ووادى التكنولوجيا بشرق الاسماعيلية ، وميناء الأدبية، والمنطقة الصناعية بشمال غرب خليج السويس، وميناء السخنة ([4]) .

ثانيا : المشروع القومي للاستزراع السمكي ([5]) :

تشكل منطقة قناة السويس بيئة مواتية لإقامة مشروع الاستزراع السمكي الذى يهدف إخراج منتج بحري آمن مائة في المائة. ومن أهم أنواع الأسماك المستهدف استزراعها (الدنيس والقاروص، واللوت) كما يمكن تربية القشريات (مثل الجمبري)..

ويعطي المشروع إنتاجية عالية تغطي الطلب على البروتين في مصر لاسيما أن اللحوم والدواجن أصبحت أسعارها عالية ولو تم إنتاج الأسماك بشكل وافر ، فإن يؤدي ذلك إلى الاكتفاء الذاتي والحد  من الاستيراد" .

1- اهداف ومزايا المشروع

يحقق مشروع الاستزراع السمكي المتكامل ، حزمة من المزايا فى مقدمتها تقليل تكاليف النقل والهالك الذي يحدث في الأسماك..كما أن مشروع الاستزراع في هذه المنطقة يتميز بقربه من الموانىء الرئيسية (السويس وبورسعيد ودمياط وإلى حد ما من ميناء العريش ) حيث يمكن الاستيراد والتصدير ، فالموقع عبقري ويوفر تكاليف باهظة ، بالإضافة إلى القرب من السوق المحلي حيث يمكن توزيع الأسماك في القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية) والدقهلية والشرقية ، أسواق القناة كلها وشمال وجنوب سيناء.

2- إنشاء احواض للاستزراع السمكى :

فى 25 يونيو 2015  تم الانتهاء من حفر 500 حوض للأسماك من إجمالى 1380 حوضا مستهدفاً حفرها خلال المرحلة الأولى من مشروع الاستزراع السمكى  ويعمل المشروع على توفير الأسماك والمساهمة فى سد الفجوة الغذائية فى مصر ، حيث سيتراوح الإنتاج المبدئى بين 10 آلاف و15 ألف طن ،  على أن يصل إنتاج المشروع الى 50 ألف طن بصورة مبدئية خلال دورة الانتاج .

سيتم تنفيذ المشروع على عدة مراحل ليصل الإنتاج الى 80 مليون زريعة سنويا، ويضم مصانع للأعلاف ومفرخاً للزريعة ، ومجمعا متكاملا للإنتاج والتعليب والتغليف ، وذلك من خلال مراحل متعددة ليصل عدد الأحواض عند اكتمال المشروع إلى نحو 3800 حوض. 

3-التعاون الدولى فى مجال الاستزراع السمكى :

فى 29 أبريل 2015 تم توقيع بروتوكول فى مجال الاستزراع السمكى مع إحدى الشركات الاسبانية ، ويهدف الى توفير منتجات غذائية آمنة تسد حاجة المجتمع وتمثل قواما لصناعات متطورة . 

وهناك دراسات مع العديد من الأطراف الدولية اسبانية وكورية لتنفيذ هذا المشروع الذى يعد الأكبر في الشرق الاوسط والذى يقام على ضفتي القناة بطول 120 كيلومتراً .

ثالثاً : مدينة الإسماعيلية الجديدة :

صدق الرئيس عبدالفتاح السيسى على إقامة مدينة الإسماعيلية الجديدة ([6]) ( 6 نوفمبر 2014 ) ، التى تعتبر الامتداد الأفضل لمدينة الإسماعيلية الحالية ، من حيث الموقع والقرب من محور تنمية قناة السويس ، كما أنها تحقق أحد أهداف الأمن القومى بتعمير سيناء ([7]) .  وتمثل المدينة ظهيراً عمرانياً يستوعب النمو السكاني الطبيعي والتوسع العمراني لمحافظة الإسماعيلية والمحافظات المجاورة ، وتخدم المدينة العمالة المتوقعة في مشروعات تنمية قناة السويس ، ويوفر المشروع أكثر من مائة ألف فرصة عمل على الأقل فى فترة البناء .

وتقام المدينة على الشاطئ الشرقى لقناة السويس فى المنطقة المواجهة لمدينة الإسماعيلية بداية من الكيلو 76 من ترقيم قناة السويس جنوب الطريق الأوسط حتى المنطقة المواجهة لجبل مريم. وهى مدينة سكنية متكاملة الخدمات .

كما ستكون أول مدينة على مستوى المحافظات فى الاهتمام بذوى الاحتياجات الخاصة من حيث الخدمات والمصاعد والمداخل حتى داخل مسكنه لممارسة حياتهم اليومية دون مساعدة من أحد  ([8]) . 

وتقام مدينة الإسماعيلية الجديدة على مساحة 2157 فداناً بطول 11.3 كيلومتراً بين مسارى المجرى الملاحى لقناة السويس ، ويتضمن مشروع المدينة إقامة 57 ألفاً و54 وحدة سكنية و620 فيلا شبه منفصلة و373 فيلا منفصلة ، مرفقة بمنشآت خدمية صحية واجتماعية ونادٍ رياضى للقوات المسلحة .

وتضم المدينة 7 أحياء سكنية يتم تشييدها على سبع مراحل ، ويتكون كل حى من 700 عمارة سكنية ، وعدد من الفيلات كاملة المرافق والخدمات من مبانٍ خدمية كالمدارس والأسواق والوحدات الصحية والمستشفيات.

وتنقسم الوحدات السكنية إلى أربعة مستويات تلائم كل الشرائح الاجتماعية ، حيث يتوافر نموذج 90 متراً مربعاً (إسكان اقتصادى)، ونموذج 120 متراً مربعاً (إسكان متوسط)، ونموذج 145 متراً مربعاً ( إسكان متوسط ) ، ونموذج 160 متراً مربعاً ( إسكان فاخر ) .

وتقع المدينة على بعد حوالى 500 متر من شاطئ القناة الجديدة ، وتحديداً من معدية نمرة 6 بطول 1.5 كيلومتر فى اتجاه الشمال إلى بورسعيد ، و9.5 كيلومتر فى اتجاه الجنوب إلى السويس ، وبعمق واحد كيلومتر تقريباً داخل شبه جزيرة سيناء.

رابعاً : مشروعات مستقبلية أخرى

1- إنشاء مدينة تكنولوجية وأخرى للصناعات الصغيرة :

قال الفريق مهاب مميش ، خلال كلمته فى فعاليات مؤتمر "دعم وتنمية الاقتصاد المصرى"( 14 مارس 2015 )  إن التخطيط لمشروع القناة تضمن بناء المشروعات القومية العملاقة عن طريق ، تحديد أنواع الصناعات فى جميع المجالات وتحديد المناطق اللوجستية ، علاوة على إنشاء مصادر للبنية التحتية ومدينة تكنولوجية متكاملة ، ومدينة للصناعات الصغيرة والمتوسطة الصغر ، لتوفير أكثر من مليون فرصة عمل ، بجانب توفير أراضى المشروع بنظام حق الانتفاع للمستثمرين الأجانب والوطنيين لفترة طويلة .

إنشاء مناطق صناعية فى محافظات القناة :

 اكد أشرف سالمان وزير الاستثمار ( 5 مارس 2015 )  أن مشروع تنمية إقليم قناة السويس ، سيمثل مابين 30 و 35 بالمئة من الاقتصاد المصري الجديد ، كما سيضم مناطق صناعية على مساحة 72 كم2 من محافظات القناة (الإسماعيلية والسويس وبورسعيد)، بالإضافة إلى إقامة 6 موانئ بإقليم قناة السويس ، بالشراكة بين القطاع العام والخاص .

وهناك خطة يتم البدء فى تنفيذها بعد افتتاح القناة الجديدة مباشرة تتضمن توسعة ميناء شرق بورسعيد وتطوير الظهير الصناعي واللوجيستي من خلال إنشاء منطقة صناعية على مساحة 40 مليون متر مربع تهدف إلى توفير حوالي 400 ألف فرصة عمل ، وتشمل الصناعات الهندسية والسيارات ومكوناتها والأجهزة المنزلية والإلكترونية والتعبئة والتغليف ، بالإضافة إلى تطوير البنية الأساسية للمنطقة وربطها مع المشروعات الأخرى الجاري تنفيذها ومن بينها الأنفاق التي يتم حفرها أسفل قناة السويس.[9]

ويجرى العمل لإقامة منطقة صناعية لصناعة التعبئة والتغليف بمحور تنمية قناة السويس، باستثمارات تقدر بـ2 مليار جنيه .

كما أعلنت جمعية مستثمرى السادس من أكتوبر عن تقدمها بطلب لإنشاء منطقة صناعية كبرى وفقا للمعايير الدولية ، بجوار مشروع تنمية محور قناة السويس ، لجذب ما لا يقل عن ٥٠٠ مستثمر عالمى للعمل بالسوق المصرية .

3- تنشيط الرحلات السياحية العابرة للموانئ :

يمكن القول بأن القناة الجديدة تزيد من جاذبية قناة السويس للرحلات السياحية العابرة للموانيء والتى لم تكن تناسبها فترات الانتظار الطويلة قبل حفر القناة الجديدة وتمكين قوافل الشمال والجنوب من المرور بدون توقف ([10]) .  خاصة وان مدن القناة وسيناء بشمالها وجنوبها زاخرة بالمقاصد السياحية التاريخية والثقافية والبيئية والترفيهية وعلى وجه أخص سياحة الشواطئ والسفارى والغطس .

4-تعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية والمواد الخام فى منطقة القناة

إن تحويل قناة السويس من مجرد معبر تجاري الى منطقة بحرية عالمية ولوجستية وصناعية وعمرانية متميزة ، يعنى أن القناة الجديدة  تشكل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني تتمثل فى زيادة الدخل القومى الناجم عن مضاعفة إيرادات قناة السويس ، وقيام صروح صناعية واقتصادية  ترتكز على ما تتميز به منطقة القناه من وفرة المواد الخام بكافة اشكالها  مثل البترول والغاز الطبيعى ، وخامات المنجنيز ورمل الزجاج والجبس والكولين والصخور الجرانيتية.

كما أن إنشاء وتطوير سلسلة من الموانئ ، وتنشيط كافة عوامل الإنتاج الأخرى ، من شأنه أن يغير وجه الحياة ليس فى تلك المنطقة  وحدها وإنما على امتداد الوطن بأكمله .

لقد كان افتتاح قناة السويس عام 1869 نقطة تحول فارقة في تلك البقعة الغالية من مصرنا العزيزة التي شهدت تطوراً عمرانياً متنامياً على مر السنين ، وكان هذا التحول ايذاناً بميلاد وتنمية وتطوير مدن كبرى على ضفاف القناة (السويس والإسماعيلية وبورسعيد) ومحيطها ( شمال وجنوب سيناء )  ....واليوم فإن مصر على موعد جديد مع التاريخ أنجزت بسواعد مصرية ، وأموال مصرية ليس شريانا حيوياً فقط ، بل شيدت  قناة جديدة تفتح الباب واسعاً أمام حزمة من المشروعات العملاقة التى تنتقل بمصر الى آفاق أرحب من التنمية الشاملة في مختلف المجالات الزراعية والصناعية والعمرانية وغيرها .

 


(1) تصريح رئيس هيئة قناة السويس الفريق مهاب مميش ، 13/6/2015 .

(2) تصريح طارق حسنين المتحدث الرسمي لهيئة قناة السويس ، 1/7/2015 .

(3) الأهرام الرقمى (17 أغسطس 2014) .

(4) كلمة الفريق مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس (5 أغسطس 2014).

(5) تقرير وكالة انباء الشرق الأوسط ، 26/7/2015

(6) الأهرام ، 8 نوفمبر 2014 .

(7) محمد محمود رضوان ، الإسماعيلية الجديدة ... معركة التنمية شرق القناة ،  المصرى اليوم ، 22/3/2015 .

(8) تقرير وكالة انباء الشرق الأوسط ، 14/6/2015 .

(9)  الوطن ، 1/8/2015 .

(10) أحمد السيد النجار ، القناة الجديدة.. محرك عملاق للتنمية والآليات الممكنة للتمويل ، الأهرام ، 15  يونيو 2015 .

 

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى