أخر الأخبار

×

أخر الأخبار

17 نوفمبر 2018 02:40 ص

تأميم قناة السويس ..انتصار الإرادة المصرية

الأحد، 24 يوليو 2016 - 02:55 م

اعداد / نانسى البنا

فى 26 يوليو 1956 أعلن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية . وهى الشركة  الأجنبية التى ظلت تحتكر امتياز القناة والسيطرة على مواردها منذ اتمام حفر القناة عام 1869 ، بينما مصر صاحبة القناة الفعلية والشرعية لم يكن لها دور يذكر فى الادارة ولم تحصل الا على مبالغ ضئيلة من ايرادات القناة التى بلغت 34 مليوناً من الجنيهات الاسترلينية عام   1955 ، وكانت حصة مصر مليوناً واحداً .

ويعد قرار التأميم من أخطر القرارات السياسية التى اتخذت وكانت بمثابة نقطة تحول فى تاريخ العالم وعلى مستوى الوطن العربى ، فالقرار كان بمثابة الشرارة الأولى فى تحدى ثورة 23 يوليو للإمبراطوريات الاستعمارية ، خاصة البريطانية والفرنسية فى وقت كانت تسيطر فيه هذه الامبراطوريات على معظم الدول الإفريقية والآسيوية ، ولم تنبع خطورة القرار من توقيت اتخاذه فقط وإنما من الصمود فى تحمل ومواجهة ردود أفعاله .

وقد جاء قرار التأميم مصرياً من أجل استعادة حق مصر فى ادارة القناة  وايراداتها ، وحرصت مصر وهى تسترد هذا الحق على المحافظة على المواثيق الدولية وعلى كل الاتفاقيات الخاصة بحرية الملاحة فى القناة.

مرحلة ما قبل تأميم قناة السويس :      

فى أواخر عام 1955 وأوائل عام 1956 جرت مباحثات بين مصر والبنك الدولى للإنشاء والتعمير ، وتم الإتفاق المبدئى على عقد قرض لمصر بمبلغ 200 مليون دولار تسحب منه عند الحاجة لإنشاء السد العالى ، كما أبدت حكومتا الولايات المتحدة وبريطانيا استعدادهما لتقديم عون مقداره 70 مليون دولار للمساهمة فى تنفيذ المرحلة الأولى للمشروع ، ولكن حدث أن أعلنت حكومة الولايات المتحدة فى 19 يوليو عام 1956 سحب عرضها السابق فى تمويل السد العالى ، وأصدرت فى هذا الصدد بيانا بالأسباب التى دفعتها إلى هذا القرار.

وبناءاً على ذلك اتخذ جمال عبدالناصر قرار تأميم قناة السويس رداً على قرار البنك الدولي والولايات المتحدة وبريطانيا بسحب تمويلهم لبناء السد العالي، والذي علم به جمال عبد الناصر يوم الخميس 19 يوليو 1956م .

خطة تنفيذ قرار تأميم القناة والاستيلاء علي مرافقها :

كان عبد الناصر يحرص على أن يحقق السرية التامة والمفاجأة ، لذا لم يصرح بقرار التأميم إلا عندما استدعى المهندس محمود يونس ، رئيس الهيئة العامة للبترول ، فى ذلك الوقت ، فى يوم 24 يوليو 1956، إلى مقر مجلس الوزراء وأبلغه بعزمه على تأميم قناة  السويس ، وأنه سيصدر قرارا بذلك مساء يوم 26 يوليو 1956 أثناء خطبته فى الإسكندرية ، وكلفه بتنفيذ هذه المهمة ، وفى اللقاء نفسه استدعى الرئيس جمال عبد الناصر المهندس عبد الحميد أبو بكر سكرتير عام الهيئة العامة للبترول فى ذلك الوقت ، وأبلغه  بأنه قرر تأميم قناة السويس ، وأنه مكلف مع المهندس محمود يونس بالتنفيذ ، وأن كلمة السر هى (ديلسيبس) التى سيذكرها فى خطبته فى المنشية ، وقد طلب المهندس محمود يونس من الرئيس جمال عبد الناصر أن ينضم إليهما المهندس محمد عزت عادل ، السكرتير المساعد للهيئة المصرية العامة للبترول فى ذلك الوقت ، فوافق الرئيس على هذا الطلب ، وعهد إلى محمود يونس بالبدء فوراً فى مهمة اختيار المجموعة التى ستتولى تنفيذ المهمة تحت قيادته ، على أن يكون الإختيار من بين الأفراد الموثوق فيهم ، ومن ذوى الخبرة والكفاءة ، وكلفه أيضاً بإعداد خطة عملية لتنفيذ التأميم والمحافظة على السرية التامة .

تم تجميع أعضاء مجموعة التأميم ، وهم ثمانية من القوات المسلحة ، وأحد عشر من قطاع البترول ، وواحد من الشرطة ، واثنان من الفنيين، وأربعة من وزراء التجارة الذين كانوا ضباطاً جامعيين ، فى الثانية عشر ظهر يوم 26 يوليو 1956، فى مقر القيادة العامة للقوات المسلحة ، بكوبرى القبة ، ولم يفصح لهم عن المهمة الحقيقية المكلفين بها ، وكانت التعليمات الأولية لهم أن المجموعة مكلفة بمأمورية سرية جداً فى الصحراء الغربية .

التقى فريق التأميم فى الساعة الثانية والنصف ظهراً يوم 26 يوليو ، ومعهم كل من المهندسين محمود يونس ، وعبد الحميد أبو بكر و محمد عزت عادل ، وأقلت المجموعة ست سيارات ،  وبدأت السيارات مغادرة مقر القيادة اعتباراً من الساعة الثالثة بعد الظهر على فترات متفاوتة ، وعند وصولهم إلى معسكر الجلاء بالإسماعيلية انضم إليهم بعض كبار المسئولين بمحافظات القناة وسيناء ، وأبلغهم المهندس محمود يونس أن المهمة المكلفين بها هى تأميم قناة السويس .

قُسم فريق التأميم إلى ثلاث مجموعات تنفيذية . تتولى المجموعة الأولى  السيطرة على الإدارة الرئيسية للقناة بالإسماعيلية ، والمجموعة الثانية إدارة فرع بورسعيد ، والمجموعة الثالثة إدارة فرع السويس ، أما مكتب القاهرة فقد كلفت به مجموعة تُركت فى القاهرة ، وكُلف سلاح الإشارة بالإشراف على محطات الإرشاد على طول القناة ، وكان عددها إحدى عشرة محطة وإداراتها ، وعندما سُمعت كلمة السر (ديلسيبس) فى خطاب الرئيس عبدالناصر بدأ تحرك المجموعات ، ونفذت كل مجموعة ما عهد إليها من تعليمات ، بمعاونة المحافظين ورجال الأمن والقوات المسلحة . فعلى سبيل المثال تم الاستيلاء على مبنى القناة بالإسماعيلية خلال ربع ساعة فقط .    

تأميم قناة السويس :

صورة لعبد الناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية


وفى 26 يوليو عام 1956 بمدينة الإسكندرية فى الاحتفال السنوى بذكرى خروج الملك فاروق من مصر ، رد الرئيس جمال عبد الناصر على قرار تراجع أمريكا وبريطانيا عن تمويل السد بإعلانه عن تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية ـ شركة مساهمة مصرية ـ وبنقل جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات إلى الدولة
   المصرية ، وأن تحل محل جميع الهيئات واللجان القائمة حالياً على إداراتها .

ويعوض المساهمون وحملة حصص التأسيس مما يملكونه من أسهم وحصص بقيمتها مقدره بحسب سعر الاقفال السابق على تاريخ العمل بهذا القانون فى بورصة الأوراق المالية فى باريس ، ويتم دفع هذه التعويضات بعد استلام الدولة لجميع أملاك وممتلكات الشركة المؤممة ، كذلك نص القرار على أن تحتفظ الهيئة المصرية الجديدة التى ستتولى إدارة القناة بجميع موظفى الشركة المؤممة وحقوقها فى جمهورية مصر العربية وفى الخارج.

نص قرار التأميم :

باسم الأمة‏..‏ باسم الأمة

رئيس الجمهورية‏..‏

  • مادة‏ 1 : ‏ تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية‏،‏ وينتقل الي الدولة جميع ما لها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات‏,‏ وتحل جميع الهيئات واللجان القائمة حاليا علي ادارتها‏،‏ ويعوض المساهمون وحملة حصص التأسيس عما يملكونه من أسهم وحصص بقيمتها‏، مقدرة بحسب سعر الاقفال السابق علي تاريخ العمل بهذا القانون في بورصة الأوراق المالية بباريس‏، ويتم دفع هذا التعويض بعد اتمام استلام الدولة لجميع أموال وممتلكات الشركة المؤممة‏.‏
  • مادة‏ 2 : ‏ يتولي إدارة مرفق المرور بقناة السويس مرفق عام ملك للدولة‏..‏ يتولي إدارة مرفق المرور بقناة السويس هيئة مستقلة تكون لها الشخصية الاعتبارية ، وتلحق بوزارة التجارة‏ ، ويصدر بتشكيل هذه الهيئة قرار من رئيس الجمهورية‏ ،‏ ويكون لها ـ في سبيل إدارة المرفق ـ جميع السلطات اللازمة لهذا الغرض ـ دون التقيد بالنظم والأوضاع الحكومية‏.‏

ومع عدم الإخلال برقابة ديوان المحاسبة علي الحساب الختامي‏ ، يكون للهيئة ميزانية مستقلة، يتبع في وضعها القواعد المعمول بها في المشروعات التجارية‏، وتبدأ السنة المالية في أول يوليو وتنتهي في آخر يونيو من كل عام‏,‏ وتعتمد الميزانية والحساب الختامي بقرار من رئيس الجمهورية‏،‏ وتبدأ السنة المالية الأولي من تاريخ العمل بهذا القانون وتنتهي في آخر يونيو سنة‏1957، ويجوز للهيئة ان تندب من بين أعضائها واحدا أو أكثر لتنفيذ قراراتها أو للقيام بما تعهد اليه من أعمال،‏ كما يجوز لها ان تؤلف من بين أعضائها أو من غيرهم لجانا فنية،‏ للاستعانة بها في البحوث والدراسات‏..‏ يمثل الهيئة رئيسها أمام الهيئات القضائية والحكومية وغيرها‏، وينوب عنها في معاملتها مع الغير‏.‏

  • مادة‏ 3 : ‏ تجمد أموال الشركة المؤممة وحقوقها في جمهورية مصر وفي الخارج‏، ويحظر علي البنوك والهيئات والأفراد التصرف في تلك الأموال بأي وجه من الوجوه‏,‏ أو صرف أي مبالغ أو أداء أية متطلبات أو مستحقات عليها إلا بقرار من الهيئة المنصوص عليها في المادة الثانية‏.‏
  • مادة ‏4 : ‏ تحتفظ الهيئة بجميع موظفي الشركة المؤممة ومستخدميها وعمالها الحاليين‏,‏ وعليهم الاستمرار في أداء أعمالهم‏,‏ ولايجوز لأي منهم ترك عمله أو التخلي عنه بأي وجه من الوجوه،‏ أو لأي سبب من الأسباب‏,‏ إلا بإذن من الهيئة المنصوص عليها في المادة الثانية‏.‏
  • مادة‏ 5 : ‏ كل مخالفة لأحكام المادة الثالثة يعاقب مرتكبها بالسجن والغرامة توازي ثلاثة أمثال قيمة المال موضوع المخالفة‏، وكل مخالفة لأحكام المادة الرابعة يعاقب مرتكبها بالسجن‏،‏ فضلا عن حرمانه من أي حق في المكافأة أو المعاش أو التعويض‏.‏

  • مادة ‏6 : ‏ ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية،‏ ويكون له قوة القانون‏,‏ ويعمل به من تاريخ نشره‏،‏ ولوزير التجارة اصدار القرارات اللازمة لتنفيذه‏ .

صفحة من جريدة الأخبار توضح خبر التأميم وبها صورة لجمال عبد الناصر أثناء إلقاءه الخطاب


صدى إعلان مصر قرار التأميم :

بقدر ما قوبل قرار التأميم بالفرحة من أهل مصر والعالم العربى الذين رأوا فيه حدثاً قومياً ضخماً ونصراً وطنياً مبيناً ، بقدر ما ثارت ثائرة الدول الاستعمارية بعد أن فوجئت بهذا القرار الذى لم تتوقعه من مصر ، وخشيت أن يكون لقرار التأميم صداه فى الشعوب العربية التى تخضع للاحتكارات الاستعمارية ، وأن هذه الشعوب ستتخذ مصر قدوة لها فى مقاومة هذه الاحتكارات والتحرر منها .

وفى 27 يوليو أعلنت بريطانيا وفرنسا أنهما ترفضان الاعتراف بقرار التأميم ، وأنهما سيتخذان التدابير اللازمة لسلامة رعاياهما واحترام مصالحهما ، كما قامت إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة أيضاً بتجميد كل ما لمصر لديهم من أرصدة .

معركة المرشدين :

افتعلت كل من بريطانيا وفرنسا مشكلة المرشدين فور إعلان تأميم شركة القناة بغرض إظهار عجز القيادة المصرية عن إدارة القناة بعد تأميمها ، وتنفيذاً لذلك صدرت الأوامر من باريس إلى الموظفين الأجانب من مرشدين وفنيين وكتبة بالانسحاب دفعة واحدة ليلة 14 /15 سبتمبر 1956.

وفى ساعة الصفر حسب المخطط الاستعمارى غادر العمل 155 مرشداً من 207 فلم يبق من جهاز الارشاد سوى 52 مرشدا ، ومع هؤلاء انسحب أيضاً 326 من العاملين من بين 805 ، وهذه الانسحابات كانت كافية لشل الملاحة وغيرها من أعمال القناة ، لو لم تتخذ مصر منذ البداية الاحتياطات اللازمة.

وتم احلال المرشدين للقناة فى الحال ، اما عن طريق تعيين غيرهم من الخارج أو من البحرية المصرية ، وكانت البداية بحشد متحمس من 53 مصرياًو 6 يونايين و3 ألمان وايطالى واحد وأسبانى واحد وسويدى واحد ، وفى الوقت ذاته جند عبد الناصر 70 مرشداً فور قرار التأميم وتدربوا نظرياً وعملياً فى دورة مكثفة لم تتجاوز شهراً واحداً .

وجاءت ساعة الصفر وترك المرشدون الأجانب العمل بالقناة ، وأخذت أول قافلة بقيادة المرشدين الجدد تشق طريقها عبر القناة يوم 15 سبتمبر وعبرت 42 سفينة لم يعق سيرها عائق وتوالت الأيام والعمل فى القناة على ما يرام حيث لم يقع أى حادث ، ولم تتوقف الملاحة ولم يتعطل المرور .

ومع هذا النجاح تحول حذر الأوساط الملاحية إلى ثقة ويقين وتحولت مخاوف السفن وقلق مديرى شركات النقل البحرى والتأمين إلى الاطمئنان والإعجاب .

وكتب ايزنهاور فى مذكراته " وكما اتضح فيما بعد فإن المسئولين والعمال المصريين لم يكونوا على كفاءة فى إدارة القناة فحسب بل انهم سرعان ما أثبتوا أنهم يمكنهم أن يفعلوا ذلك فى ظل ظروف زيادة الدور وبمقدرة متزايدة" .

مخطط تدويل القناة :

بعد فشل مهمة لجنة منزيس أو (اللجنة الخماسية) التى حملت إلى مصر مشروع دالاس الذى يقضى بإدارة القناة طبقاً لاتفاق 1888 تحت اشراف هيئة دولية تنظمها معاهدة وتخضع للأمم المتحدة.

قامت إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة بإصدار بيان فى 2 أغسطس عام 1956 يدعون فيه أن القناة ذات صبغة دولية مطالبين بإنشاء إدارة لها تحت إشراف دولى واقترحوا عقد مؤتمردولى من الدول التى لها مصلحة فى القناة فى لندن يوم 16 أغسطس عام 1956 .

رفضت مصر حضور مؤتمر لندن ، كما أنها استنكرت صيحات التهديد والوعيد التى أخذت تنبعث من لندن وباريس ، وعقد المؤتمر فى 16 أغسطس بلندن وتقدم وزير خارجية أمريكا بمشروع يستهدف تدويل القناة وإداراتها بواسطة مجلس إدارة دولى لا شأن له بالسياسة القومية لمصر ، وأخفقت اللجنة التى قررها المؤتمر للحضور إلى مصر وعرض مباحثات المؤتمر على الرئيس جمال عبد الناصر الذى رفض أى إدارة دولية للقناة وأى إشراف دولى على إداراتها .

وعقد مؤتمر لندن الثانى فى 19 سبتمبر 1956 وابتكر مشروع تأليف جمعية أسماها (هيئة المنتفعين بالقناة ) تتألف من انجلترا وفرنسا وأمريكا وتضم ممثلين عن الدول  التى تستخدم القناة ، تقوم هذه الجمعية بإدارة القناة وجمع رسوم المرور ، وتزود السفن بالمرشدين ، وتدفع لمصر إيراداً معقولاً فى مقابل التسهيلات التى تقدمها مصر، وكان هذا  المشروع بمثابة مخطط جديد لتدويل القناة ، ولكن ظهر خلاف بين أعضاء المؤتمر حول ذلك المشروع .

وفى مؤتمر لندن الثالث الذى عقد فى أول أكتوبر 1956 تشكلت هيئة تنفيذية لهيئة المنتفعين من سبعة أعضاء (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والنرويج وايطاليا وايران وممثل سابع يختار فى المستقبل) ، ورفضت مصر فكرة الهيئة من أساسها وقال عبد الناصر " أنها ليست جمعية المنتفعين بالقناة أنها جمعية لاغتصاب الحقوق واغتصاب السيادة وإعلان الحرب"

ولم يخف على مصر أن بريطانيا وفرنسا كانتا تدبران أمراً طوال تلك الأثناء وأن ثمة نية للعدوان كانت مبيتة وتم الاتفاق عليها بين هاتين الدولتين ، وتقدمت فرنسا وبريطانيا بشكوى إلى مجلس الأمن فى سبتمبر 1956 للتستر على استعداداتهما الحربية للعدوان على مصر .

واجتمع مجلس الأمن يوم 5 أكتوبر لمناقشة مشكلة القناة وظل يناقش الموضوع حتى أصدلر قراراته فى 13 أكتوبر بأن تحل مشكلة القناة حلاً سلمياً عن طريق المفاوضات بين مصر من ناحية وفرنسا وانجلترا من ناحية آخرى ، ووضع مجلس الأمن مبادىء ستة لتكون أساساً لتلك التسوية السلمية هى :-

1- أن يكون عبور القناة حراً مباحاً لجميع الدول دون تمييز صريح أو ضمنى ، وهذا يتناول النواحى السياسية والفنية .
2- احترام سيادة مصر .
3- عزل إدارة القناة عن سياسة أى دولة .
4- تقرير طريقة تحديد الرسوم والمصاريف بالاتفاق بين مصر والدول التى تستخدم القناة .
5- تحديد نسبة عادلة من الرسوم المحصلة لتحسين القناة .
6فى حالة النزاع يجب حل الشئون المتعلقة بين شركة القناة السابقة ، وبين الحكومة المصرية عن طريق هيئة للتحكيم تحدد مهمتها واختصاصها تحديداً واضحاً .

ولم يسع مصر ـ وهى الدولة الحريصة على احترام قرارات هيئة الأمم ـ سوى الاستجابة لقرارات مجلس الأمن ، فاستعدت للمفاوضات التى قررها المجلس ، وفى اليوم المحدد لإجراء هذه المفاوضات وهو يوم 29 أكتوبر عام 1956 فوجىء العالم بالعدوان الذى دبره الاستعمار على مصر .

بدء العدوان وخطة المؤامرة الثلاثية :

قامت كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بتدبير مؤامرة ثلاثية على مصر أطلق عليها المصريون العدوان الثلاثي وأطلق عليها الغرب حرب السويس، على إثرها بدأ هجوم إسرائيلي مفاجئ يوم 29 أكتوبر 1956، تلاه تقديم كل من بريطانيا وفرنسا إنذارا لمصر يوم 30 أكتوبر يتضمن ما يلى : 
1- إيقاف جميع الأعمال الحربية فى البر والجو والبحر .
2- سحب جميع القوات العسكرية إلى مسافة عشرة أميال من قناة السويس .
3- أن تقبل مصر احتلال القوات البريطانية والفرنسية للمواقع الرئيسية فى بورسعيد والاسماعيلية والسويس .

وبهذا الإنذار انكشفت المؤامرة بين الحكومات الثلاث بريطانيا وفرنسا واسرائيل واتفاقها على العدوان على مصر ، ولم يكن توجيه بريطانيا وفرنسا الانذار إلى اسرائيل إلا كنوع من التعمية والتضليل عن حقيقة هذا العدوان على مصر .

 صورة لصفحة من الأخبار توضح الإنذار الذى وجهته بريطانيا وفرنسا إلى مصر



رفض الانذار :

رفضت مصر هذا الانذار بكل إباء ، فاستدعى الرئيس جمال عبد الناصر سفير انجلترا والقائم بأعمال السفارة الفرنسية ، وأبلغهما أن مصر تعتبر هذا الإنذار اعتداء على حقوقها وكرامتها وامتهاناً لميثاق الأمم المتحدة ، وهى لذلك ترفضه ، وتعلن أنها ستدافع عن أراضيها ضد أى عدوان يقع عليها .

ولم تكتف مصر بطلب عقد مجلس الأمن للنظر فى أمر العدوان ، وإنما هبت البلاد حكومة وشعباً لصد هذا العدوان ، وأعلنها الرئيس جمال عبد الناصر فى عزم وثبات فى أول نوفمبر فى حديث له عن طريق الإذاعة إلى الشعب بأن مصر ستقاتل ولن تستسلم دفاعاً عن سيادتها وكرامتها .

وكان قد تبين من مجرى الأحداث أن ثمة مؤامرة اتفق عليها المعتدون الثلاثة ، وهى أن تهاجم إسرائيل مصر من حدودها الشرقية ، فتضطر مصر إلى حشد قواتها المسلحة لصد هذا الهجوم ، وبذلك تخلو البلاد من معظم قوات الجيش الذى يكون منشغلاً بصد القوات الإسرائيلية ، فتنتهز بريطانيا وفرنسا الفرصة فتحتل قناة السويس .

ولكن القيادة المصرية أفسدت هذه المؤامرة من خلال خطة محكمة وضعتها تقتضى بضرورة الانسحاب السريع لقوات الجيش المصرى من سيناء إلى منطقة القناة للدفاع عن القناة وعن مصر ، وتم الانسحاب فى ليلتين : ليلة 31 أكتوبر ، وليلية أول نوفمبر ، وكانت خطة سديدة أنقذت الجيش المصرى من خطر التطويق ، وأنقذت مصر من خطر الاحتلال.

صمود مصر أمام العدوان الثلاثى :

أخذت بريطانيا وفرنسا تشنان الغارات الجوية على مصر منذ مساء الأربعاء 31 أكتوبر عام 1956 ، فأغارت الطائرات على القاهرة والإسكندرية ومدن القناة وقتل كثير من الأبرياء ، وأصيبت الكنائس ودور العبادة كما تم إصابة محطة إرسال الإذاعة المصرية فى أبى زعبل .

وقابل الشعب العدوان فى ثبات وصمد أمامه فى شجاعة نادرة ، فأخذت المدفعية المصرية تتصيد طائرات العدو وأسقطت عدداً كبيراً منها ، وسد المصريون مدخل القناة من جهة بورسعيد ، وبذلك حالوا دون دخول البوارج الاستعمارية واقتحام قناة السويس وعبورها من الشمال إلى الجنوب ، وأقبل الشباب والمتطوعون فى صفوف جيش التحرير كما تطوع فى جيش التحرير عدد كبير من الفتيات ، وقام الجميع بواجبهم فى حماية الوطن فى حماسة نادرة ، وصارت مصر جيشاً وحكومة ً وشعباً معسكراً حربياً لافتداء الوطن .

بورسعيد .. المدينة الباسلة فى مواجهة العدوان :

أما بورسعيد ـ وهى الهدف الأول للعدوان ـ تمهيداً للاستيلاء عليها لتكون قاعدة الزحف على ما وراءها من البلاد ،وقد بدأت الغارات عليها  يوم الإثنين 5 نوفمبر عام 1956 ، قاست فيها المدينة الكثير من ضرب الطائرات والغارات عليها فى كثير من الأحياء والمناطق ، أحرقت القوات البريطانية حي المناخ بأكمله بالنابالم وكان يمثل ثلث بورسعيد كلها. وفى حي العرب دمروا بالطائرات منطقة الجمرك القديمة وبعض العمارات السكنية ، ونجحت قوات الأعداء فى النزول بها بعد أن تكبدت خسائر بالغة فى الرجال  ، والأرواح ، ولكن سرعان ما خاب ظن المعتدين فى السيطرة على بورسعيد ، لأن المدينة الباسلة أبت أن تستسلم للغزاة ، واستبسلت فى صد العدوان ، وبذلك حق قول عبد الناصر فيها " إن بورسعيد فدت مصر والعروبة وأحبطت خطة الإستعمار الذى قال أنه سيأخذ مصر فى 24 ساعة ! ".
صورة توضح آثار العدوان على بورسعيد

وقامت القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية بدورها فى انزال الخسائر بالأعداء ، وقامت بأعمال فدائية استرعت نظر العالم أجمع أشهرها قصة المدمرة ابراهيم التى ضربت ميناء حيفا بالقنابل ، وقصة سفينة التدريب دمياط التى قاومت ثلاث قطع من الأسطول البريطانى فى البحر الأحمر ، كما نظم الفدائيون أنفسهم فى تشكيلات سرية لقتل الأعداء وإثارة الرعب فى صفوفهم وتوزيع المنشورات على الأهالى لحثهم على الاستمرار فى المقاومة .

 
صدى العدوان على مصر عربياً وعالميا:

كسبت مصر خلال العدوان وبعده تأييد وتعاطف معظم الشعوب والدول فى مشارق الأرض ومغاربها ، وانبعثت أصوات الاستنكار من مختلف أركان العالم تندد بذلك العدوان الغاشم .

كان لهذا العدوان صداه البعيد فى الأوساط العربية ، فقد تجلى فيها روح التضامن العربى والشعور بالقومية العربية ،عندما أضربت الشعوب العربية تضامناً مع مصر يوم 16 أغسطس عام 1956 وهو اليوم الذى افتتح فيه مؤتمر لندن ، ونسف الأحرار أنابيب البترول فى سوريا والأردن والسعودية ، وبذلك امتنع ورود البترول إلى موانئ البحر المتوسط فى الوقت الذى انسد طريق قناة السويس فى وجه ناقلات البترول الغربية ، مما أوقع الغرب فى أزمة قاسية بسبب نقص موارد البترول ، هذا فضلاً عن المظاهرات العارمة التى قامت فى مختلف مدن الوطن العربى كدليل على قوة الروح الجديدة روح القومية العربية .

 كما اجتمعت هيئة الأمم المتحدة فى 2 نوفمبر فى دورة استثنائية ، وقررت وقف اطلاق النار فوراً ، وانسحاب القوات الأجنبية من الأراضى المصرية ، وانسحاب القوات المصرية الاسرائيلية إلى ما وراء خطوط الهدنة ، وقد صدر هذا القرار بأغلبية ساحقة 64 دولة من 76 دولة ، وقد عكس ذلك مدى تعاطف الرأى العام العالمى مع القضية المصرية .

ومع ذلك أصرت دول العدوان على تحدى الرأى العام العالمى وقرارات الأمم المتحدة ، واشتدت غاراتها الجوية المدمرة على المدن المصرية ، الأمر الذى جعل روسيا توجه إنذارها الشهير فى 5 نوفمبر إلى كل من بريطانيا وفرنسا بعزمها على استخدام القوة لوقف العدوان.

ولم تلبث الحكومتان الانجليزية والفرنسية أن لقيتا معارضة شديدة داخلية فى كل من انجلترا وفرنسا ومضت الأيام دون أن تفلح الجيوش المعتدية فى إحراز نصر أو تقدم أمام مقاومة المصريين لهذا العدوان ، وهكذا باءت الدول المعتدية بالفشل ، فاضطرت إلى وقف إطلاق النار فى 7 نوفمبر عام 1956.

وتلكأت القوات البريطانية والفرنسية فى تنفيذ الجلاء ولكن المقاومة الشعبية لم تهدأ حتى بدأ الانسحاب فى شهر ديسمبر ورحل آخر فوج من المعتدين يوم 23 ديسمبر عام 1956 ، كما بدأت القوات الاسرائيلية فى الانسحاب بعد الاتفاق على وجود قوات طوارىء دولية فى شرم الشيخ لتكون حاجزاً بينها وبين القوات المصرية ، حتى غادرت القوات الاسرائيلية العريش فى 14 يناير 1957 ثم رفح وخان يونس وأخيراً انسحبت من غزة فى 6 مارس عام 1957.

وأمام تمزق الموقف الشعبى فى بريطانيا وفرنسا ووجود مظاهرات معادية متزايدة اعتزل انطونى ايدن رئيس وزراء بريطانيا منصبه بالاستقالة فى 9 يناير 1957 ، كما سقطت وزارة جوموليه رئيس وزراء فرنسا فى 21 مايو 1957.

 

العدوان على مصر اقتصادياً :

ومع فشل العدوان سياسياً وعسكرياً واصلت الدول الثلاث عدوانها بشن حرب اقتصادية شاملة على  مصر ، خاصة مع توجهات مصر لتمصير المراكز الحساسة فى الاقتصاد المصرى .

واقترن انسحاب القوات المعتدية عبر السويس بنوع من الحصار الاقتصادى منذ عام  1957 بهدف التأثير على تجارة مصر الخارجية وعرقلة الاقتصاد القومى وتمثل ذلك فى التضييق على الصادرات المصرية إلى بريطانيا وفرنسا بصفة عامة والامتناع عن بيع القمح والأدوية لمصر إلا نقداً وبالعملة الصعبة .

كذلك أعقب فشل العدوان الثلاثى وإتباع دول غرب أوروبا والولايات المتحدة سياسة تهدف إلى حصار مصر والضغط عليها اقتصادياً ، وتركزت هذه السياسة حول القطن المصرى واتخذت مظاهر عديدة منها امتناع دول غرب أوروبا والولايات المتحدة عن شراء القطن المصرى ، وامتناع البنوك المحلية التى كانت تعتبر آنذاك فروعاً لمراكزها فى الخارج عن تمويل محصوله ، وسياسة الاغراق التى اتبعتها الولايات المتحدة والتى تقوم على بيعها لأقطانها طويلة التيلة فى الأسواق العالمية بأسعار منخفضة.

وتعتبر الفترة التى أعقبت العدوان مباشرة وامتناع الكتلة الغربية عن شراء القطن المصرى هى الفترة التى قام فيها الغرب فعلياً بضغطه الاقتصادى على مصر ، وقد تلا ذلك انخفاض فى نسبة  واردات  الكتلة الغربية من القطن المصرى بسبب تحول تجارة القطن إلى أسواق جديدة نتيجة هذا الضغط .

كما أوقفت بريطانيا مد مصر بالبنكنوت المصرى المطبوع فى بريطانيا ، وحصلت مصر على كميات منه عن طريق السودان .

 
الآثار الناجمة عن فشل العدوان :

ومع فشل العدوان عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وعلى الرغم مما تحملته مصر من خسائر فى الأرواح والأموال إلا أن مكاسبها فى تلك المعركة قد فاقت خسائرها بكثير على النحو التالى :

عودة القناة إلى مصر وتطهيرها وإعادة فتحها للملاحة فى 29 مارس 1957 ، ونجاح مصر فى إدارتها من جديد وتطويرها لصالح الملاحة الدولية .
جاء هذا العدوان ليدعم استقلال مصر ويقويه ويحول دون عودة القوات البريطانية إلى قاعدة القناة ، عندما انتهزت مصر فرصة العدوان وصدر قرار جمهورى فى أول يناير عام 1957 بإلغاء اتفاق 19 أكتوبر عام 1954 بشأن قاعدة قناة السويس ، وكان هذا القرار نصراً مبيناً لمصر من جميع النواحى .
مع نجاح تأميم قناة السويس وتحول القناة إلى مرفق وطنى تشجعت الكثير من دول العالم الثالث على الإقدام على إجراءات مماثلة حيث جرت سلسلة من تأميمات المصالح الأجنبية فى هذه الدول وتحويلها إلى مرافق وطنية ، فأصبح تأميم شركة القناة سابقة هامة وقدوة لعشرات الدول فى أفريقيا وآسيا و أمريكا اللاتينية.
 صارت المعركة رمزاً لكل حركات التحرير فى أفريقيا و آسيا ، وقال عبد الناصر "ان هذه القضية ليست قضية مصر فحسب ، بل هى قضية جميع الدول التى تناضل فى سبيل الحرية والاستقلال ، كما أدت إلى ازدياد شعبية جمال عبدالناصر والخط السياسي الذي كان ينتهجه وازدادت هذه الشعبية أكثر بعد إعلان قيام الإتحاد العربي بين سوريا ومصر كنواة لدولة عربية شاملة ذات نظام لا مركزي والتي أعلنت عام 1958، مما أدى إلى تسريع قيام الحركات المناهضة للأنظمة الموالية للدول العظمى الاستعمارية ، ذات التطلعات المهيمنة على مقدرات العالم الثالث كحركة 14 يوليو 1958 في العراق وحركة 26 سبتمبر  1962 في اليمن.


المصادر :

1-      عبد الرحمن الرافعى : ثورة 23 يوليو سنة 1952، دار المعارف ، الطبعة
الثانية ، 1989.

2-      من أقوال الزعيم الخالد : عبد الناصر والثورة ، دار الكتب ، 1970.

3-      مجلة النيل : الهيئة العامة للاستعلامات ،أكتوبر1987.

4-      صحيفة الأهرام : ثورة يوليو .. خمسون عاماُ ، الأعداد الصادرة على
امتداد شهر يوليو 2002.

5-      قصة ثورة 23 يوليو خريف عبد الناصر ، أحمد حمروش ، الرابط التالى :

IslamKotob https://books.google.com.eg/books?id=cLZFCwAAQBAJ

6-      موقع مقاتل من الصحراء ، الفصل الخامس : تأميم قناة السويس والآثار
المترتبة عليها ، الرابط التالى :

http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/Gography11/akaleem/kanat/sec06.doc_cvt.ht

7-   محمد على حسن ، موقع الوطن ، 5 أغسطس 2015 ، "الوطن" تنشر
خطة "تأميم القناة".. من "الفكرة" حتى "ساعة الصفر"
الرابط التالى :http://www.elwatannews.com/news/details/781586

8- ويكيبيديا ،الموسوعة الحرة ، تأميم قناة السويس ، الرابط
التالى:  https://ar.wikipedia.org/wiki/

9-موقع المعرفة، العدوان الثلاثى على مصر ، الرابط التالى :http://www.marefa.org/index.php/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D9%88%

10-   هادير أشرف ، موقع مصر العربية ، تأميم قناة السويس.. حكاية شعب ،
الرابط التالى :

http://www.masralarabia.com/%D8%AA%D9%88%D9%83-%D8%B4%D9%88

11-  موقع الأسماعيلية ، فى 15 دقيقة تمت عملية تأميم قناة السويس،
الرابط التالى :http://alismailia.com/m/Articles/view/65586#.V49qGfqno-o

12-   أميرة محمد ، موقع جريدة الشرق الأوسط ، عادل عزت بعد 45 عاماً من تأميم
قناة السويس ، الرابط التالى :

http://archive.aawsat.com/details.asp?article=49739&issueno=8279#.V49qlvqno-o

 

13-   هدى عبد الناصر ، السهم نيوز ، تأميم قناة السويس وإخفاق العدوان
الثلاثى على مصر ، الرابط التالى : 

http://www.alsahmnews.com/12943/%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%85-%D8%A






اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى