19 يوليو 2019 11:13 م

الحصاران

السبت، 10 ديسمبر 2016 - 11:32 ص

صحيفة لو فيجارو الفرنسية    6/12/2016

بقلم: رينو جيرار

ترجمة: ريهام حسن

تسيطر أخبار الحصارين المفروضين على مدينتي حلب والموصل في دولتي العراق وسوريا على الأخبار العسكرية لمنطقة الشرق الأوسط. وتتحالف الدولتان منذ بضعة سنوات في إطار ما يعرف "بالمحور الشيعي" الممتد من طهران إلى بيروت، وتسعيان لاستعادة المدينتين بالقوة بعد سقوطهما في أيدي الميليشيات السنية المتمردة، حيث تفرضان حالياً حصاراً على النصف الشرقي من المدينتين. فما هي إذن أوجه التشابه والاختلاف بين الحصارين؟ وكيف تسعى الأطراف الإقليمية والدولية الكبرى لتحقيق مصالحها الاستراتيجية من خلالهما؟

ويحظى الجيش البعثي السوري، في حربه لاستعاده الأحياء الشرقية لمدينة حلب، التي سقطت في أيدي المعارضة منذ شهر يوليو 2012، بدعم العديد من الحلفاء، المتمثلين في الطيران الروسي وحزب الله اللبناني، علاوة على ما يعرف "بالكتائب الدولية" الشيعية (التي تضم بين أفرادها عناصر من الهزارة الأفغانية) والتي تعمل تحت رئاسة "كتائب القدس" الإيرانية ، وقوات البشمركة الكردية التابعة لحزب "الاتحاد الديمقراطي الكردي" العلماني الشيوعي (وهي نفس القوات التي قاومت داعش وانتصرت عليها في معركة تحرير كوباني خلال الفترة من سبتمبر 2014 إلى يناير 2015).

أما القوات الخاصة التابعة للحكومة العراقية، فتدعمها الضربات الجوية التي تقوم بها قوات التحالف الغربي، علاوة على الميليشيات الشيعية الوطنية والبشمركة الكردية التابعة للحكومة الكردية المستقلة (التي تسيطر على الجبهة الشمالية ). وتعد جبهة النصرة، أحد أفرع تنظيم القاعدة، رأس الحربة بالنسبة للميليشيات المعارضة في حلب التي تضم خليط من الانتماءات، إلا أن معظم أفرادها ينتمون للتيار الإسلامي. أما في الموصل، فإن جميع المتمردين يتبعون داعش. ولكن، ما الذي يحدث داخل المدن المحاصرة؟ الواقع أننا ليس لدينا أية معلومات مباشرة عن ذلك لأن المراسلين الغربيين يجدون خطورة شديدة في الذهاب لهذه المناطق. ففي الموصل قد يتعرضون لقطع رؤوسهم وفي حلب قد يخطفون نظير فدية.

غير أن هناك ظاهرة غريبة متعلقة بمعركة حلب، فمنذ عام 2013، لا تثق وسائل الإعلام الغربية في المعارضة إلى درجة إرسال مراسليها إلى هناك، ولكنها مع ذلك مستمرة في تصديق ونقل الأخبار التي ترسلها إليها دون أي تنقيح، وتحرص المعارضة بالطبع على الظهور بمظهر الحمل البريء وتشويه صورة الخصم. ولم تتغير الحبكة الإعلامية منذ خمس سنوات، ففي حلب نجدنا بصدد حاكم طاغية (بشار الأسد) يقتل شعبه بلا سبب تقريباً. والحقيقة أن حصار حلب بالفعل شديد القسوة، فقد قتل 300 مدنياً خلال الأسبوعين الماضيين فقط. إلا أن هذه الحبكة الإعلامية لا تطبق على الحكومة العراقية التي تسعى لاستعادة سيطرتها على الموصل، فهنا، "المهاجمون هم اللطفاء والمعارضة هي الشريرة"، وبالنسبة للخسائر بين المدنيين، فنجد أن الكفتبن متعادلتين. وقد قُدر عدد القتلى من المدنيين منذ بداية معركة الموصل بنحو 600 شخص، وما من شك  أن مقاتلي داعش المتعصبون هم بالطبع الذين يوصفون بأنهم الأشرس، فقد قتلوا المئات من المراهقين المنتمين للتنظيم من خلال استخدام تكتيك العربات المفخخة الانتحارية التي تستخدم كصواريخ أرض-أرض، وذلك بعد أن أجروا لهم عمليات غسيل مخ.

وهكذا، تأخد الصحف الغربية جانب المقاومة في معركة حلب، بينما تأخذ جانب المهاجم في معركة الموصل. إلا أن كل ذلك لم يعد له أهمية في الواقع، فتأثير وسائل الإعلام العالمية على الواقع الجيوسياسي بات ضعيفاً للغاية. إذ لم يعد باستطاعتها إحداث تغيير على صعيد التوازنات الاستراتيجية الكبرى، كما فعلت من قبل إبان معارك كوسوفو والعراق وليبيا.

 فمن إذن سيكون الرابح الأكبر من الناحية الاستراتيجية إذا سقطت المدينتان؟ سيكون الرابح هو إيران في المقام الأول ثم تأتي روسيا في المقام الثاني. فالواضح أن الخبراء الاستراتيجيين الغربيين أساءوا تقدير مدى إصرار هاتين القوتين. فقد دعمت إيران المحور الشيعي، في حين عززت موسكو قدراتها على الوصول المباشر للبحر المتوسط. ويأتي الأكراد في المقام الثالث، فقد انتصروا في نهاية الأمر على جميع الجبهات بعد أن منيوا ببضعة هزائم. أما الولايات المتحدة، فلا يمكننا اعتبارها خاسرة بالكامل، فقد جعلت من داعش عدوها الرئيس . بينما الخاسر الأكبر هو الأتراك الذين فشلت سياستهم لاستعادة الامبراطورية العثمانية، ثم  الأوروبيون الذين تحملوا نصيبهم من عبء استضافة اللاجئين على أراضيهم.

والحقيقة أن الرئيس جاك شيراك كان قد حاول في مؤتمر الناتو، الذي انعقد في براغ عام 2002، إثناء جورج بوش عن غزو العراق، قائلاً له: "جورج، سوف توجِد محوراً شيعياً في الشرق الأوسط، ما هي مصلحتك الاستراتيجية في ذلك؟" إلا أن جورج بوش لم يجبه.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى