19 أغسطس 2019 01:54 ص

الهجرة إلى إيطاليا فى ظل الموت الصامت والصخب السياسى

الأربعاء، 18 يوليو 2018 - 08:54 ص

مجلة" دير شبيجل" الألمانية 12 /07/2018

بقلم: هانس يورجن شلامب

ترجمة : عبير محمد

على الرغم من هروب أعدادٍ قليلةٍ من الناس إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط، إلا أن أعداد الأشخاص الغارقين جراء الهجرة غير الشرعية وغير المسئولة فى تزايدٍ مستمرٍ. ويمكن القول إن خطأ الحكومة الإيطالية يتمثل فى منعها دخول سفن الإنقاذ إلى الموانئ الإيطالية بشكلٍ منظم.

يذكر أنه فى الثانى من سبتمبر من عام 201، استقل 16 شخصًا قاربًا مطاطيا فى ميناء "بردم" التركى، جاء معظمهم من سوريا، وقد خرجوا فرارًا من الحرب والإرهاب، وأرادوا التوجه لليونان ومنها إلى أوروبا .

وبعد دقائق من غرقه فى عرض البحر، مات 12 شخصًا.

دفعت الأمواج جسد "ألان كردى" إلى الشاطئ. والتقط أحد الصحفيين الأتراك صورة  ذلك الطفل، البالغ من العمر 3 سنواتٍ، والذى هزت صورته العالم بأسره وأصابته بالصدمة... طفل صغير فى قميص أحمر بلا حياة، وقد ألقت الأمواج بجسده النحيل على الرمال... نعم لقد غيرت تلك الصورة العالم حتى ولو قليلًا.

وقد تأثر رئيس الوزراء البريطانى السابق "ديفيد كاميرون" بهذه الصورة "تأثرًا بالغًا". فبعد وقتٍ قصيرٍ، وعد بقبول 4000 لاجئ . واستقبلت ألمانيا آلاف اللاجئين الذين كانوا محاصرين فى المجر. وسهلت كندا إجراءات الهجرة إليها. وكذلك تحركت إيطاليا أيضًا.

 وقدمت تلك الدول مساعدات كثيرة للاجئين، حيث قدمت لهم: لعبًا، وملابس، ومالًا. كما تم تقديم عرض مسرحى تحت عنوان "ألان والبحر" تضامنًا مع الطفل الغريق .

تدفق اللاجئين فى عام 2018

بيد أن التعاطف العالمى لم يدم طويلًا، حيث تلاشت معالم ذلك التعاطف بعد التزايد المستمر فى أعداد اللاجئين على مدى عامين منذ عام 2015، والتى باتت تؤرِّق وتلقى بظلالها على أوروبا اليوم، ومن ثم فإن أوروبا ترغب فى إبقاء هؤلاء المهاجرين بعيدًا عنها بصرف النظر عن مكان وكيفية ذلك. وهنا يستطيع البابا وغيره من الناس المتسامحين أن يُصلوا ويطالبوا كما يشاءون بحلولٍ لمشكلة اللاجئين واستيعابهم داخل أوروبا. وفى العديد من الأماكن فى أوروبا، يُجرى التصويت على اختيار سياسيين ، مثل الحكام الجُدد فى روما، ممن كان شعارهم خلال حملاتهم الانتخابية هو وقف تدفق المهاجرين. الأمر الذى استند إليه وزير الداخلية الإيطالى الحالى "ماتيو سالفينى" فى جميع أنحاء البلاد، حيث فازوا بأكبر عددٍ من أصوات الناخبين، على الرغم من عدم وجود أى حديثٍ فعلى عن مسألة "تدفق المهاجرين" .

جدير بالذكر أن هناك 16,748 مهاجرًا نُقلوا من ليبيا فى الفترة ما بين الأول من يناير وحتى 6 يوليو من هذا العام. وفى الفترة نفسها من العام الماضى، كان هناك أكثر من 85000 مهاجر. وهكذا اختفى "التدفق"- وهى الكلمة المشوَّهة للاجئين- بنسبة 85%.

سياسة "إيقاف التدفق" تنطبق على جميع دول الاتحاد الأوروبى من اليونان إلى إسبانيا . وقد كان هناك حوالى 46,500 لاجئ قَدِموا عبر البحر المتوسط، كان عددهم فى الفترة نفسها قبل عامٍ أكثر من 101,000،  وفى عام 2016 كان عددهم أكثر من 231,000، وهو ما يُمثل انخفاضًا حادًا.

تضاعف غرق اللاجئين بمعدل أربع مرات

ومن ناحيةٍ أخرى، فإن أعداد هؤلاء الذين يفقدون أرواحهم فى رحلةٍ محفوفةٍ بالمخاطر فى قوارب مطاطية هشة يزداد بشكلٍ كبيرٍ. ووفقًا لمفوض الأمم المتحدة السامى لشئون اللاجئين فقد غرق أكثر من 1400 شخصٍ على طرق اللاجئين فى البحر المتوسط منذ الأول يناير الماضى، كان 1074 منهم على الأقل  فى طريقهم من ليبيا إلى إيطاليا، أى ما يقرب من ثلث الضحايا، وتوفى ما لا يقل عن 557 فى شهر يونيو الماضى. وهذا له علاقة شديدة بالسياسة الجديدة؛ لأنه فى شهر يونيو بدأ منع دخول سفن الإنقاذ الخاصة إلى الموانئ الأوروبية.

أثارت السفن المُتبرَع بها، والتى تطوع بها عدد من الدول الأوروبية، غضب "سالفينى"وأنصاره، الذى اعتبر موقفهم  "عملًا مع المُهربين"، وأنه يُشجِّع على "أعمال الهجرة  غير الشرعية". وفى يونيو الماضى، برَّأ قاضى التحقيق فى "باليرمو" منظمتين للإغاثة إحداهما أسبانية، والأخرى ألمانية. وكان ذلك بمثابة صفعةٍ سياسيةٍ كبيرةٍ  لـ"سالفينى"، مرَّت على الإيطاليين دون أن يلاحظها أحدُ إلى حدٍ كبيرٍ.

سفن الإنقاذ الخاصة لا تدخل المرفأ

وبدأ اعتراض "سالفينى" فى العاشر من يونيو على "أكواريوس"، وهى سفينة تديرها منظمة "أطباء بلا حدود". وعندما اقترب 629 لاجئًا- منهم 123 دون السن القانونية؛ (أى قُصر)، والذين سافروا دون ذويهم، و11 طفلًا- عندما اقتربوا من شواطئ إيطاليا، منع وزير الداخلية "سالفينى"، ونائب رئيس الوزراء سفينة "أكواريوس " من دخول الميناء. وقال "سالفينى": "لنفترض الآن أن المنظمات التى لا نعرف حتى مَن يمولها هى التى تقرر مَن يمكنه دخول إيطاليا!".

وبينما ظلت السفينة" أكواريوس" تطوف فى البحر لأيامٍ، حتى أن جزيرة مالطة المجاورة لم تمنحها أيضًا إذنًا بالدخول؛ منع سالفينى سفينتى إنقاذ أخريين من دخول إيطاليا. ولأن سياسته تروق لأنصاره؛ فقد وضع أخيرًا جميع السفن التابعة للمنظمات غير الحكومية على القائمة الحمراء، وقال:" لن تجد سفن المنظمات غير الحكومية موطئ قدمٍ لها فى الموانئ الإيطالية ".

 ونجحت حرب سالفينى ضد المنظمات غير الحكومية نجاحًا كبيرًا. فمن بين عشرات السفن التى كانت مُحملة بالمهاجرين الغرقى، الذين فُقِد معظمهم، ولم يبقَ سوى أربع سفنٍ فقط، نصفها عالق فى مالطة، ولا يسمح لها بمغادرة البلاد، والبعض الآخر  ينتظر قوارب الإنقاذ، التى لم يعد لها وجود على الإطلاق .

يونيو الشهر الأكثر دمويةً

وذكر "لويجى دى ماتيو"،  نائب رئيس الوزراء: "أن سفن حرس السواحل الإيطالى والبحرية الإيطالية تواصل إنقاذ المحتاجين للمساعدة. وحذَّر من استغلال موضوع الموت من الناحية السياسية"على هذا النحو.

وبطبيعة الحال، فإن حوالى ثلث الأشخاص الذين تم إنقاذهم فى البحر المتوسط مدينون بالفعل ببقائهم على قيد الحياة لتلك المساعدات الخاصة، التى اختفت ولم يعد لها وجود الآن.

وعلاوةً على ذلك، فإن على حرس السواحل، الذين يقومون بدورٍ فعالٍ ومشاركةٍ حقيقيةٍ فى عمليات الإنقاذ، أن يسهموا بمساعداتٍ أقل بناءً على طلب وزير الداخلية الإيطالى من أجل إفساح المجال للجانب الليبى، الذى يُعد غير مؤهلٍ وغير قادرٍ- لا من الناحية الفنية ولا من حيث الأفراد- على القيام بهذه المهمة. كما أن قوارب الدورية الـ12 الإضافية، التى تريد روما التبرع بها إلى الليبيين، بعيدة عن أن  تكون موجودةً هناك.   

وبالتالى، قد يرتفع معدل الوفيات بشكلٍ أكبر . وقبل عامين، كان  لاجئ  واحد فقط ينجو من بين 47 آخرين خلال الرحلة إلى أوروبا مقابل 38 فى العام الماضى . ففى النصف الأول من هذا العام، أصبح العدد "راكب من بين كل 15 راكبًا". وفى يونيو، وهو أكثر الشهور دمويةً منذ أن بدأت التسجيلات قبل 5 سنوات ووفقًا لبيانات مكتب الهجرة التابع للأمم المتحدة؛ دفع "شخص من بين كل 7 أشخاصٍ حياته ثمنًا لرحلته إلى إيطاليا. غير أن هناك تقديرات أخرى تؤكِّد أن شخصًا واحدًا من بين كل 10 أشخاص دفع حياته ثمنًا لرحلته إلى إيطاليا، ومن ثم فهناك تباين فى الأرقام، غير أن النتيجة واحدة فى كل الأحوال.

وأوضح الكاهن الكاثوليكى "لويجى سيوتى"، وهو أحد أشهر النشطاء المناهضين للمافيا، أن " إيطاليا تتغير". فعلى الرغم من أنها متحررة ثقافيًا، إلا أن الجهل يتزايد والكراهية تتزايد ضد الغرباء أيضًا. وطالب الكاهن الإيطاليين، الذين ليسوا فى معسكر "سالفينى"، بأن يخرجوا إلى الشوارع فى عطلة نهاية الأسبوع: فى قميص أحمراللون تضامنًا مع الطفل الكردى " آلان".

وبالفعل، شارك العديد منهم: فنانون، ورياضيون ، وصحفيون، وأعضاء نوادٍ، ونقابات، وكان من بينهم أيضًا الكاتب المُنتقد للمافيا "روبرتو سافيانو". وقد كانت هناك فعاليات وتحركات، والكثير من الإبداع. لكن وزير الداخلية "ماتيو سالفينى" يعرف جيداً أنهم لا يمثلون سوى أقليةٍ صغيرة. وعلق "سالفينى" من خلال الفيسبوك على ذلك، بأنه متأكد من مطالب الشعب الإيطالى، وأضاف أنه لسوء الحظ لم يتمكن من العثور على قميصٍ أحمر فى خزانة منزله!.  

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى