10 ديسمبر 2018 04:22 ص

النصر .. العبور ومكانة الشهيد بعيون الفنانين

الإثنين، 08 أكتوبر 2018 - 03:46 م

أعتلت شجاعة المحاربين سماء الكون، وخلدت الحماسة فخر العزة والكرامة بشرف النصر،مما كان لها آثارها الاجتماعية والفكرية والمعنوية وانعكاس نتائجها على وعي المواطن العربي ساهم في حدوث تحولات كبرى في شخصية الفرد المصري خصوصاً والعربي عموماً، بحيث يمكن القول أنه ثمة تحول من النقيض للنقيض، من الهزيمة فى النكسة 1967 م الى الإيمان بالنصر فى حرب اكتوبر المجيدة 1973 م، وتحقيق الحلم باسترجاع الأرض والعرض.

واليوم نحتفى بمرور 45 عاماً على النصر ، ولم يكن الاحتفاء به عابراً فعادة تقام الفعاليات بشتى المجالات الثقافية ،وتعتبر الفنون التشكيلية بمختلف فروعها هى الروح المحلقة فى سماء الابداع .

ورغم تعدد الأعمال الفنية ما بين التصويرية والنحتية الخالدة فى المتاحف ،القاعات الدائمة وتماثيل الميادين، ففى مقاربة تاريخية قالت الفنانة والناقدة د.فينوس فؤاد فى حوار سابق لها : "أعتقد أن الفترة التى تلت حرب أكتوبر لمدة عشر سنوات عبرت عن الحدث بعزة وفخر فهى فترة الحماسة الأولى، من خلال العديد من التماثيل الواقعية والتذكارية التى ملأت الميادين وكذلك اللوحات التى عبرت عن الحدث والانتصار بشكل مباشر مثل أعمال الفنان أحمد نوار وأخرى عبرت بشكل غير مباشر مثل أعمال الفنان صبرى منصور، لكن مما أطاح بهذه الحماسة هو استحضار مجموعة من الخبراء والفنانين الكوريين الذين نفذوا بانوراما حرب أكتوبر بمدينة نصر، بالتالى جنسية غريبة قامت بتسجيل نجاحنا التاريخى وهو ما أثار دهشة الفنانين وصدمهم أيضا مما عزلهم وخفت حماسهم لفترة، إلا أن هذا الحماس استيقظ مرة أخرى عام 1982 فى أحداث الأمن المركزى الذى قامت ضده مظاهرة كبرى، مما استدعى ذكرى نصر أكتوبر لبعث الحماس والإحساس بالعزة من جديد." 

وفى رؤية مغايرة توضح الناقدة د.هبة عزت الهوارى قائلة: "على العكس من العدوان الثلاثى الذى كان له أصداء تشكيلية واسعة المدى، لم تكن التجليات التشكيلية لنصر أكتوبر مواكبة لقوة الحدث التاريخى الفارق فى مصير مصر، على الأقل كماً ، حيث ظلت فكرة النصر تتردد من حين لآخر فى أعمال العديد من الفنانين تعبيرا عن هذا النصر، ومن هذه الإبداعات تمثال "العبور" للفنان حسن حشمت ورمزى مصطفى (حوار تشكيلى مع بطل 6 أكتوبر) كما أنجز الفنان جمال السجينى تمثال «العبور» وهو يمثل مصر تحمل أبناءها من الجنود فوق ظهرها وهى على هيئة قارب وتعبر بهم إلى النصر وقد قام الفنان محمد العلاوى أستاذ النحت الميدانى بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة بتنفيذ هذا التمثال مع الفنان جمال عبد الحليم فى حجم كبير من الحجر الصناعى عام 1974 وهو موجود حاليا بمحافظة بنى سويف .وقد قام كذلك الفنان محمد العلاوى بعمل تمثال من المصيص اسمه «الخطوة الساحقة» تعبيراً عن العبور وكذلك تمثال "الشهيد" عام 1993 وهو يمثل الجنود المنتصرين يحملون الخوذة تحية للشهيد.".













ولا ننسى سنوات الاستنزاف والردع. فقد كان الفنان الأستاذ الدكتور رضا عبد السلام واحد من أفراد الصاعقة ك 43 التى عبرت بجسارة من بورتوفيق إلى الضفة المقابلة فى مهمة قتالية عام 1969 هى الأجرأ فى تاريخ العسكرية المصرية، والتى مهدت للعبور الكبير. مما يشعره بفخر الواجب الوطنى .


وعن أهمية حرب الاستنزاف ومعايشة الفنانين أرض الواقع ، أكدت الفنانة الأستاذة الدكتورة سرية صدقى أنها كانت حجر الأساس لبناء خطه العبور و كسر حاجز الخوف،وأكد تفوق الجندي المصري كما ان تجنيد المؤهلات كان له عامل قوى فى حرب الاستنزاف ، حيث كان زوجها الفنان الأستاذ الدكتور مصطفى الرزاز القائم على عمل تصميم وتنفيذ ورسم الرموز البصرية للخرطية والتى تم نشرها علي الجنود والعساكر لمساعدتهم فى فهم ،قراءة ومعرفة المكان من وجود شجره أو نخله أو تبه .

أما عن الجندى القناص والمحارب الفنان د. أحمد نوار فى حديثه لجريدة الأهرام: «أن الإبداع الفنى افتقر على وجه العموم إلى إحداث حالة تفاعل وإبداع ترقى لمستوى الحدث على كافة المستويات الإبداعية (السينما – المسرح – الأدب والشعر – الموسيقى والفن التشكيلي) ويرجع السبب لتعاظم الإنجاز العسكرى لأقصى درجات التفوق والإبداع القتالى مما على آليات وأدوات الإبداع المختلفة والمتواضعة» أو قد يرى البعض أنه لم يلتئم بعد جرح النكسة ولم تتكون بعد القوى الدافعة للفنانين التى تكفى لكى تولد هذه الأعمال، فقد بنى الفنانون من قبل صرحا ضخما من الآمال والأمنيات والمثل والشعارات التى انهارت مع النكسة فكان من الصعب إعادة بناء الثقة والأمان والطاقة الإبداعية من جديد ولذلك اتسمت أغلب الأعمال التى أنتجت فى هذه الفترة بالطابع التسجيلى المباشر . وبالرغم من ذلك فهناك فنانون تشكيليون أنجزوا أعمالا فنية تتميز بالأصالة والنضج بعيداً عن الدعاية والتسجيل المباشر، يذكر منهم حامد ندا، والسجينى ويوسف سيده وعبد المجيد الفقى وفاروق إبراهيم وصلاح عبد الكريم وحامد الشيخ وحسن عبد الفتاح وآخرون . ويبدو أنها سمةٌ غالبة فى أعقاب الأحداث التاريخية عميقة التأثير فى حياة الأمم ، حين يتخذ التعبير عنها تشكلات إبداعية تتحقق لاحقاً. ".




والجدير بالذكر إصرار وأستمرارية  نوار فى رحلة الابداع والتعبير عن تلك المشاهد الذى عايشها وهذا ما قدمه فى معرضه (عرس الشهيد فى عام 2014) وفى كلمة التقديم للناقد الكبير والفنان عز الدين نجيب بالكتاب الصادر عن توثيق المعرض " لقد وظف نوار موهبته الفطرية بخلاف الرسم فى التخطيط والتصميم ، لانجاز أول مشروع له خارج الفن كجزء من مشروع أكبر لتحرير الوطن فسلاح القناص ليس بندقيته ذات التليسكوب إنما هو قبل ذلك قدرته الفائقة على وضع خطة لتحديد الصيد الثمين وتصميم برنامج للمراقبة والمفاضلة بين زوايا مختلفة واختيار اللحظة المناسبة بقياس حركة الشمس ومسار الضوء فى النهار والليل ورصد الثغرات المكشوفة على الجانب الآخر وحساب كافة المخاطر المتوقعة لو رآه الجندى الرابض هناك.وأن الاعمال الفنية ل"نوار" لا تأتيه ك وحى ملهم أو كرد فعل لحالة نفسية أو وجدانية يسقطها على سطح اللوحة بانفعاله العاطفى ، بل هى ناتجة عن حالة ذهنية بالغة التركيز، يستعين بها بخبرات سابقة . إن تجربة الحرب والسلام كانت القاسم المشترك الأعظم فى الرحلة الفنية وبقدر ما احتوت عليه خبرته الذاتية على خط النار من ذكريات مؤلمة ومريرة بين الدم والموت والقلق والرعب والأمل والغضب والحب للرفاق والكره للأعداء ، فانه لم يسقطها على اللوحات الا تجريد ورمز فى اطار تصميمى بعيدا عن استدار العواطف ، كذلك  فإن كل ما اختزنه من مشاهد الاستشهاد وما ولده ذلك من معان روحانية تتفوق على الألم وتبشر بالجنة والخلود.".

وعن الناقد الفنى محمد كمال دعانى د. أحمد نوار لعمل دراسة نقدية لجميع لوحات المعرض لإيجاد رؤية لمعرض "الشهيد"، يتضمن المعرض اعلاء مكانة الشهيد والصمود الذى خاضتة مصر والتصدى لجذور الإرهاب، معتبرا أن المعرض إهداء إلى شهداء الامة.



ويظل الفنان التشكيلى حتى الآن فى تناول الروايه وبطولات النصر ، يقترب منها يعبر عنها برؤي معاصرة ، هذه الروايه عن الرجال الذين ذاقوا الهزيمه فاقسموا ان يذيقوها للعدو، هي عن الرجال الذين صنعوا الانتصار بقوه واصرار، الرجال الذين دفعوا أعمارهم ثمنا ً لذلك.




ففى رحاب الوفاء والحب للشهيد قدم العديد من الفنانين تجاربهم الفنية القائمة على الاحترام للحدث فى قالب فنى معاصر فعلى سبيل المثال وليس الحصر أقيم مؤخراً معرض (عيون حورس) 2018 للخزافة الدكتورة مرفت السويفى الذى كان محوره ونقطة ارتكازه فكراً وفنناً عن الشهيد . تقول السويفى "ما أشبه اليوم بالبارحة ونحن نمر الآن بمنعطف خطير وهو نكون أو لا نكون ... أحست أن الأقدار والأيام التى تمر على مصر تتكرر بصور مختلفة سجلها التاريخ من أيام أسطورة إيزيس وأوزوريس وحورس، أحمس وحتشبسوت وصلاح الدين الأيوبى وعبد الناصر فى الماضى القريب الذى عاصرناه .رأينا صمود وتلاحم الشعب المصري لبناء السد العالى، كما كان ههذا التحدى يمثل للمصريين نقطة وجود وسيادة للوطن .. إلتففنا حول عبد الناصر لنحقق أهداف وطننا العزيز وبالعزيمة نجحنا وبنينا السد.. وأيضاً انتصرنا فى حرب أكتوبر 1973 بإرادة المصريين وروح حب الوطن والدفاع عنه لدى هذا الشعب العظيم الذى خرج للشوارع فى جميع أنحاء جمهورية مصر العربية بعد ثوان من خطاب التنحى الذى ألقاه عبد الناصر فى أعقاب نكسة 1967 ينادون نداء واحد وكأنهم اتفقوا عليه وهو "حنحارب حنحارب .. كل الناس حتحارب .. واحنا معاك يا ناصر يا حبيب الملايين"... وأنا كنت شاهد على ما حدث فقد ضحى الشعب بكل شئ حتى انتصرنا فى حرب الاستنزاف وتوج هذا النصر بانتصار أكتوبر.





لقد عادت الذكرى المئوية لعبد الناصر كل هذه الذكريات وربطت بينها وبين ما نتعرض له الآن، وهذا القدر الذى كتب على بلادنا بالتصدى والصمود فى وجه القوى الغاشمة المتغيرة الأسماء لكنها متشابه الأغراض . فكانت هذه الذكريات التى أثارت بداخلى رؤي ومشاعر طغت على كل الأفكار الفنية التى كنت أحضر من خلالها لها لهذا المعرض، وبدأت أعبر عن رؤياي ومشاعرى الصادقة دون محاولة الافتعال لأن الواقع المعاش له تأثيره على وعلى العمل الفنى وجدانياً وروحياً وجمالياً. لقد رأيت أن الإنسان المصري الذى أعطى لمصر، المضحى بحياته وبكل شئ فداء للوطن يكرر ويعيد أسطورة حورس الحارس لمصر الخزافة.".






فعندما نتحدث عن النصر .. العبور ومكانة الشهيد بعيون الفنانين..أونعرض عمل لفنان عبر فيه عن هذا الحدث التاريخى سواء قديما أو معاصراً  ، فإننا برغم زوايا عديدة سوف نمر عليها فى مجاله الفنى، إلا أننا سوف نكون مدفوعين دفعا إلى التركيز على هذه الزوايا الصعبة ، ونعنى بها ذلك الحائط القوى الذى استطاع أن يمتصه، وأن يعبر من خلاله، ثم يتجاوزه ومعه ذلك الرصيد من الذكريات الانسانية والتاريخية وحب الوطن والانتماء والاصرار على التصدى لاى عدو ، وأيا كان الأمر ، فإن الفنان مقتدر فى الأساس. واقتداره يأتى من كونه قد نبذ أدواته وخاماته فى العملية الابداعية .

تقديم وإعداد
 هبه عريبه

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

مقدمة عن العلاقات المصرية الإريترية
الإثنين، 03 ديسمبر 2018 12:00 ص
مصر والكاميرون
الإثنين، 03 ديسمبر 2018 12:00 ص
مصر وتشاد
الإثنين، 03 ديسمبر 2018 12:00 ص
التحويل من التحويل إلى