15 نوفمبر 2018 12:13 ص

الهوية المصرية فى منتدى شباب العالم

الأحد، 04 نوفمبر 2018 - 01:22 م

 إعداد :أميمة سعودى


الهوية المصرية هى المحور الرئيسي لفعاليات منتدى شباب العالم في دورته الثانية من 3 – 6 نوفمبر 2018 فى مدينة شرم الشيخ، من خلال رؤية مستوحاة من كتاب (الأعمدة السبعة للشخصية المصرية) للكاتب والمفكر دكتور ميلاد حنا، والذي يهدف عبر كتابه المتميز إلى تأكيد وحدة النسيج المجتمعي المصري، رغم تباينه واختلافه، في إطار رؤية مبهرة للمجتمع المصري الذي استطاع على مدى عصور طويلة أن يكون مركزا للتواصل بين مجتمعات عدة، ومصر من خلال المنتدى العالمى للشباب تسعى إلى تواصل الشباب المصرى مع شباب العالم فى تجربة فريدة من أجل السلام والتنمية والأزدهار.  

الحفريات الجيولوجية للمصرى تثبت من وجهة نظر د.ميلاد أن لديه رقائق حضارية طبقة فوق طبقة لا تستطيع فصلها عن بعضها، متداخلة تداخل اللحمة والسداة، وأى محاولة لتأميم المصرى لصالح طبقة جيولوجية وتغليبها على أخرى هى محاولة مستحيلة ومحكوم عليها بالفشل .

وقد ذكر الكاتب والمفكر الراحل أن  " الأعمدة السبعة للشخصية المصرية، هي نبتة أو بذرة ظلت تختمر في عقلي ووجداني ونمت في داخلي منذ سنوات طويلة وعندما تبلورت تحمست لها وتصورت لها صياغة تناسب العصر"، كما أعطى المؤلف توصيفا للكتاب بأنه مزيج من السياسة والتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع وغيرها"، والكتاب رسالة بسيطة، وعميقة، كتبت في لغة شيقة اعتمد فيها ميلاد حنا على نتائج كثير من الدراسات التاريخية والدينية والاجتماعية والنفسية عن مصر والمصريين.

تعتمد الفكرة العامة للكتاب على تعدد انتماءات الإنسان المصري وتداخلها، حيث أن هناك 7 أعمدة، متشابكة ومتنوعة كونت الشخصية المصرية ووجدانها، وذلك التشابك أدى إلى التماسك الوطني الذي يعيشه شعب مصر، بالإضافة إلى أنه لعب دورا كبيرا في مقاومة الأخطار التي هددت الوطن عبر التاريخ .

ويذكر الكاتب " نحن شعب مصر لنا جميعا هذه المكونات السبعة في وجداننا، ومن الطبيعي أن يفضل بعضنا انتماء  عن آخر، ولذلك فإنه رغم وجود هذه التركيبة، في كل منا ولكنها إنتماءات أو أعمدة ليست متساوية في الطول والمتانة، وأن إهتمام وتقدير كل منا لهذه الأعمدة داخل نفسه أو في وجدان الشعب المصري كله يختلف من إنسان لآخر حسب التركيبة والذاتية، بل لعلها تختلف للفرد والإنسان الواحد مع الزمن، ومن حقبة لأخرى .

ويستطرد الكاتب " أن الأمر لا يقتصر على هذه الانتماءات السبعة أو غيرها لشخصية المواطن المصري، لأننا في النهاية لسنا قوالب أو أنماط متكررة رغم هذه القاعدة والأرضية المشتركة لأمزجة من ينتمون إلى وطن واحد، فلكل منا ذاتيته وخصوصيته وتفرده، ولذلك فقد خصصت الفصل الأخير من الكتاب لتوضيح الانتماءات الشخصية التي تتراكم عادة للفرد، والتي تبدأ مع الأسرة ثم الحي أو القرية ثم المدرسة، فالمهنة فالارتباط بالعمل، فضلاً عن الانتماء الديني والأيديولوجي، وكيف أن "لعبة الحياة" هي في حسن إستخدام كل منا لما لديه من انتماءات ".

 يعد الراحل ميلاد حنا أحد أبرز المفكرين السياسيين في مصر، حصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة القاهرة عام 1945، ونال درجة الدكتوراة في هندسة الإنشاءات من جامعة سانت أندرو في اسكتلندا عام 1950، وتدرج في المناصب الجامعية حتى عين أستاذًا متفرغًا بكلية الهندسة جامعة عين شمس عام 1984، شغل أيضا مناصب رفيعة ومميزة أخرى، فكان عضوا في عدد من الهيئات العلمية والثقافية، منها الجمعية الدولية لمهندسي الكباري والإنشاءات بزيوريخ في سويسرا، والجمعية الدولية لمهندسي المنشآت القشرية بمدريد في إسبانيا، ومعهد الخرسانة بنيويورك في أميركا، هذا إلى جانب كونه عضوا في المجلس الأعلى للثقافة في مصر، وكاتبا متفرغا بجريدة «الأهرام»، وخبيرا لقضايا الإسكان في العالم الثالث.

أنتج العديد من المؤلفات الهامة  منها: "أريد مسكنًا" عام 1978، و"نعم أقباط لكن مصريون" عام 1980، و"ذكريات سبتمبرية" عام 1987، و"قبول الآخر عام 1998، و نال الراحل عدد كبير من الجوائز الدولية، من بينها جائزة فخر مصر عام 1998 من جمعية الصحفيين والمراسلين الأجانب بمصر، ووسام "النجم القطبي الذي لا يخبو" بدرجة كوماندوز من ملك السويد، وجائزة "سيمون بوليفار" من منظمة اليونسكو، وجائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 1999.


"الحكمة بنت لها بيتا شيدته على سبعة أعمدة"، توجد هذه المقولة بين صفحات كتاب "الأعمدة السبعة للشخصية المصرية" للمفكر الراحل ميلاد حنا، ويذكر أن الأعمدة السبعة التي ذكرها الكاتب هي "انتماء مصر الفرعوني"، والذي يعد أول الأعمدة التي تعتمد عليها الشخصية المصرية، ويعتز بها المصريون لما تمثله من حضارة ضاربة في القدم، وأول حضارة عرفها التاريخ، فضلًا عما تفردت به وسط الحضارات القديمة، وبكل الأدلة الأثرية التي تركتها حول العالم.

وعن ذلك يقول: يعود اعتزاز المصريين بالانتماء الفرعوني إلى أن مصر قد قدمت للعالم بالفعل أقدم حضارة معروفة ومدونة في العالم، وأشك في أنه توجد دولة أو حضارة تضاهي حضارة مصر في انتشار آثارها في كل متاحف العالم من اللوفر في باريس إلى المتحف البريطاني، ومسلة أخرى على نهر التيمز في لندن، وفي أميركا وليننجراد وغيرها، وكثيرا من الأمور التى تأثر بها المصريون فى العصور الحديثة من الفراعنة، ومنها "الوحدة السياسية" المستمرة من العصر العتيق، والذى امتد بين عامى 3100 ق م إلى نحو 2778 ق م، وكذلك التقدم فى شتى صنوف الأدب والكتابة والفكر فى عصر الانتقال الأول، وكذا تعزيز روح الانتماء والولاء للدولة، والذى نشأ بقوة فى عصر الانتقال الثانى، مع حرب طرد الهكسوس التى قادها أحمس، واستمرت حتى عصر الدولة الحديثة، والتى يرى حنا أنها أكسبت المصريين قدرة غير طبيعية على التنظيم فى الحروب .

والعمود الثاني هو"انتماء مصر اليوناني الروماني"، والمتمثل كعامود ثاني للشخصية المصرية في الانتماء للعصر اليوناني والروماني، وأثر حضارة اليونان وفلسفتها في الفكر المصري، وكيف أصبحت مصر بعد ذلك ولاية تابعة للإمبراطورية الرومانية، وتجلى ذلك التأثير في امتزاج الأبجدية الإغريقية مع اللغة المصرية القديمة، ويذكر:

"عندما دخلت اللغة اليونانية مصر خلال القرنين الثاني والثالث قبل الميلاد، آثر المصريون أن يستفيدوا من تعرفهم على الأبجدية الإغريقية، فقاموا بإعادة كتابة اللغة المصرية القديمة بالحروف الإغريقية، فكان أن ولدت لغة جديدة هي اللغة القبطية، وهي في حقيقتها ذات اللغة المصرية القديمة لكنها مكتوبة بحروف يونانية".


ويعتبر ميلاد حنا،  مكتبة الإسكندرية، الشاهد الأكبر على انتماء المصريين للعامود اليونانى، ولا سيما مع كونها منارة للعلم فى وقتها، ولنحو 8 قرون كاملة، حيث صارت مكانًا للبحث العلمى، ومرصدًا للفلك، ومركزًا لدراسة علوم الحيوان، والنبات، كما اهتمت كذلك بعلوم الرياضيات، والهندسة، والفنون، والآداب، والفلسفة، والطب، والجغرافيا، ويتذكر حنا أساتذة وتلاميذ المكتبة فى العصر اليونانى، ويذكر من بينهم إقليدس صاحب النظريات الرياضية المهمة، وكذلك أرشميدس، ويعتز المصريون المحدثون بهذا العامود الذى نقل العقل الأوروبى إلى مصر، وكذلك العكس، لتنصهر العلوم والفنون والفكر فى بوتقة الإنسانية والحضارة الجديدة

وفي القرن الأول، دخلت المسيحية مصر وانتشرت في حدود القرن الثاني أي في الحقبة اليونانية الرومانية، ومن ثم فإن مصر تكون قد غيرت ديانتها من الديانات الفرعونية القديمة إلى المسيحية في تلك الحقبة .

والعمود الثالث هو "انتماء مصر القبطي"، ويرتبط ببداية العصر القبطي، الذي تميز بوجود المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية، حيث ابتكرت مصر فكرة الرهبنة، ولعبت الكنيسة المصرية أدواراً بالغة الأهمية في نشر المسيحية وصياغة الفكر المسيحي.  

أما العمود الرابع هو "انتماء مصر الإسلامي"، ويعتمد على انتمائها الإسلامي، وقد أدرك أهل مصر أن العلاقة الدينية مباشرة بين الإنسان وربه، والإسلام لا يفرض عليهم قيودًا، ويمكنهم الاحتفاظ بالعادات والطقوس المصرية الأصيلة التي لا تخالف تعاليمه السمحة، وكان دخول الإسلام إلى مصر عبر الفتح العربى مختلفًا فكان عمرو بن العاص سياسيًا محنكًا، قطع عهدًا بأن يترك الأقباط وشأنهم فيما يتعلق بالعقيدة الدينية، فضلًا عن تخفيفه للضرائب، ولا زالت  آثار العصر الفاطمى باقية شامخة باقية فى كل مكان والأزهر الشريف منارة للعالم الاسلامى ودرعا ضد الأفكار المتطرفة.

والعمود الخامس هو "انتماء مصر العربي" ، وكان سكان شبه الجزيرة على اتصال بشعب مصر منذ زمن يسبق عصر قيام الأسر الفرعونية، واللغة المصرية القديمة واللغة العربية تحملان نفس الأصل، وهناك الكثير من القواميس بها آلاف المفردات المصرية التي تشترك مع العربية في نفس المعنى، ويظهر هذا الأمر جليًا في الأمثال الشعبية والتشبيهات المختلفة.


والعمود السادس هو "انتماء مصر للبحر المتوسط"، ينبثق هذا العامود للشخصية المصرية من انتماء مصر الأصيل للبحر المتوسط فيؤكد على أن هناك علاقة جدلية بين التاريخ والجغرافيا
  ؛ فأغلب الحضارات التي مرت على مصر جاءت عبر المتوسط، وهي علاقة جدلية جعلت سكان الإسكندرية وبورسعيد أشبه بأهالي أثينا ولارانكا وجنوة ونابولي من حيث التكوين النفسي والعادات والتقاليد، وساهم هذا التقارب في تعلم سكان اليونان وإيطاليا وفرنسا اللغة العربية.

أما العمود السابع والأخير وهو"انتماء مصر الأفريقي" فيعد المستقبل الواعد، ورغم انتماء مصر لمنطقة الشمال المختلفة ديموجرافيا عن الجنوب إلا أن لمصر تاريخًا متأصلاً في القارة السمراء عبر نهر النيل وتيارات الهجرة الوافدة على مصر عبر التاريخ، ومصر هي التي دعمت حركات التحرر الوطني في معظم دول أفريقيا فى فترة حكم الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، من منطلق إيمان مصر بأن العمق الأفريقي يحتل مرتبة هامة وكبرى لديها، ويختم المؤلف الحديث عن هذا العمود الأفريقي المستقبلي بما ذكره د. حسين مؤنس: "ولدت مصر أفريقية، ومازالت تشعر بأفريقيتها والتزاماتها حيال تلك القارة على مدار التاريخ.

ولفت د"ميلاد حنا" في كتابه إلى أن غرضه الرئيسي ليس فقط عرض الأوجه السياسية لانتماءات مصر التاريخية والجغرافية، بقدر ما هو تحليل للتركيبة الثقافية للمصري في العصور الحديثة، وكيف أنه متأثر بتاريخه وموقعه، ومن ثم فإن الكتاب لا يتعرض لصراع الحضارات على حد وصف حنا، فقد قدم من منظور ثقافي واسع مكونات الشخصية المصرية وتطورها عبر التاريخ، والتحولات التي مرت بها وأدت إلى تغيير المصريين لغتهم ودينهم مرات عدة عبر عصور مختلفة، إلا أن الشخصية المصرية صهرتها في بوتقة من التسامح والتكامل وأحياناً الصراع الذي لم يقوض أركان مصر كوطن واحد ودولة واحدة متماسكة عبر العصور.


 نُشر الكتاب لأول مرة كأحد كتب دار الهلال الشهرية ـ عدد يناير 1989 وعندما نفد في مدة وجيزة أعادت دار الهلال نشره كأحد إصداراتها في طبعة ثانية بعد تنقيحها وزيادتها وتغيير قطعها وغلافها في يناير 1990، ثم طبعة ثالثة في ديسمبر 1992، واستمر الطلب على الكتاب مما دفع الدار لإصدار طبعة رابعة عام 1997 كما قامت الهيئة العامة للكتاب بطبع ونشر طبعتين باللغة الإنجليزية عامي 1994 و1997.

وجاء في مقدمة الطبعة الخامسة أن لجنة التحكيم لجائزة سيمون بوليفار الدولية اعتبرت هذا الكتاب أحد الأعمال الثقافية التي تدعم التعددية في مصر ومن ثم جاء أهمية أن تصدر الطبعة، وأرجع السبب في حماسه لتلك الطبعة أن هيئة التحكيم قد أشارت في حيثياتها إلى هذا الكتاب تحديدًا واعتبرته عملًا فكريًا متميزًا، يدعو إلى الوفاق والوئام في مجتمع متعدد الأديان، ومن هنا رغبت دار "نهضة مصر" في أن تجعل الكتاب متاحًا على نطاق واسع باللغة العربية، إلى أن يعاد نشره مترجمًا باللغة الإنجليزية، وكان هناك اتجاه للتفكير في نشره مترجمًا باللغة الإسبانية، وتوالت طبعاته حتى السابعة.

 كتاب د ميلاد حنا (الأعمدة السبعة للشخصية المصرية)  يعرض شخصية مصر وهى بهذا المعنى تقدم تجربة فريدة في التسامح والعيش المشترك والتفاعل الحضاري المتواصل، وهو ما يحتاج إليه العالم في هذه المرحلة التي تصطدم فيها العولمة مع الهويات الوطنية، وقد توفي ميلاد حنا عام 2012 عن عمر ناهز 88 عاما .

 

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى