فيديو
كلمة الرئيس مبارك أمام الجلسة الافتتاحية للمنتدى الاقتصادي العالمي بشرم الشيخ
السيدات والسادة
يسعدني أن أرحب بكم جميعا في شرم الشيخ ، مدينة السلام، وأن ألتقي معكم على أرض مصر في سيناء بكل ما تحمله من شذى التاريخ والأديان، وما تحكيه عن صراعات البشر وسنوات الحرب والسلام.
أتحدث إليكم وعلى مقربة منا جبل موسى والوادي المقدس ، ودير سانت كاترين، ومسار المسيح، ويوسف والعذراء البتول. وتتردد بين جنبات هذه الأرض أصداء ما تحدثنا به أسفار التوراة وأصاحيح الإنجيل وآيات القرآن.
إن هذا التاريخ جزء من مسيرة الشرق الأوسط والبشرية. نستلهم منه الدروس والعبر. كي نتمعن في أحوال هذه المنطقة والعالم من حولها. ولنستشرف مستقبلا أفضل لشعوبنا، وعالما أكثر سلاما وأمنا وعدلا واستقرارا.
وإننا جميعا ندين بالامتنان للصديق العزيز البروفسور "شواب" نعبر له عن إعجابنا بما أحرزه منتدى "دافوس" من نجاح متواصل ، ونهنئه بالاعتراف الدولي المتزايد بالدور المؤثر لهذا المنتدى الهام.
يواجه العالم أزمة اقتصادية حادة، بدأت بانهيار سوق التمويل العقاري الأمريكي، وتراجعت معها معدلات النمو المتوقع للاقتصاد الدولي.
ينعقد هذا المنتدى وقد صارت هذه القضايا موضوع الساعة للدول المتقدمة والنامية على السواء والشغل الشاغل للمنظمات والمؤسسات الدولية، والمشتغلين بالعمل السياسي، والأكاديميين والمفكرين وعلماء الاقتصاد، والمنشغلين بأحوال العالم.
إن توفير الأمن الغذائي للفقراء يمثل تحديا أساسيا.. وهو مسئولية كبرى تجاه الفقراء والفئات الأقل دخلا بما في ذلك فقراء الدول الغنية المتقدمة. ولا ينبغي أن يصبح هذا الهدف محلا لمضاربات ترفع أسعار الغذاء. أو توجهات تستخدم طعام الإنسان وقودا للمحركات.
إن المجتمع الدولي في حاجة لإعادة تقدير التكلفة الحقيقية لإنتاج الوقود الحيوي. بانعكاساته الاجتماعية والبيئية، وتداعياته على الأمن الغذائي للبشر.
إننا نواجه تحديات صعبة وعلينا أن نتعامل معها باعتبارها مسئولية جماعية ومشتركة. نواجه معا التأثيرات الضارة لتغير المناخ ، وما يرتبط بها من الأنماط السائدة للإنتاج والاستهلاك، وما تسببه من الجفاف والتصحر وظواهر الاحتباس الحراري.
سوف أحمل الدعوة للحوار حول هذا الشأن الدولي الهام، إلى اجتماع منظمة الأغذية والزراعة الشهر المقبل في روما. وإنني أتطلع لان يضع هذا الاجتماع دول العالم المتقدمة والنامية على الطريق الصحيح لاحتواء الأزمة الراهنة.
لقد دعوت في هذه القاعة منذ عامين للتصدي للزيادة المضطردة في أسعار الطاقة .. دعوت لتصحيح تشوهات الاقتصاد العالمي الراهن، والإختلالات الهيكلية في الموازنات العامة لبعض القوى الاقتصادية الكبرى، والإختلالات المماثلة في أسعار الصرف .. دعوت لمراجعة سياسات دعم السلع الزراعية ، و حذرت من التوجهات الحمائية لبعض الدول المتقدمة و النامية ، ومن تداعياتها على التجارة العالمية ومفاوضات جولة الدوحة .. فأين نحن الآن من كل ذلك ؟
لقد شهد الشرق الأوسط و العالم تطورات عديدة منذ لقائنا الماضي .. فهل أصبحنا أكثر قدرة على مواجهة تحدياتنا المشتركة ؟ هل تراجعت مخاطر الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل؟ ماذا عن التعاون الدولي لتحقيق الأهداف الألفية للتنمية ؟ ماذا عن قضايا محاصرة الفقر ، والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان؟ ماذا عن قضايا البيئة والصحة والتعليم والمرأة والأطفال ؟ وماذا عن تحركنا لمكافحة غسيل الأموال و الجريمة المنظمة و الاتجار بالبشر ؟
السيدات والسادة..
تجاوز القرن الحادي والعشرون الاستقطاب الذي شهده القرن الماضي. بين الشرق والغرب وبين الاشتراكية والرأسمالية وصار هناك توافق دولي ينحاز للحرية الاقتصادية وآليات السوق، يؤمن بتحرير التجارة ويسعى للتجاوب مع المعطيات الجديدة لظاهرة العولمة فماذا حدث وماذا يحدث الآن؟.
جاءت هذه الأزمة لتضيف عوامل جديدة لزعزعة الاستقرار ولتعطى ذرائع جديدة لقوى الرجعية والسلفية والتطرف والإرهاب وللمزايدين والمتاجرين بمعاناة الفقراء والأقل دخلا.
إننا نتطلع لعالم لا يبدو فيه المستقبل باعثا على القلق والتحسب وإنما مصدرا للأمل والتفاؤل والإلهام. أمامنا دروس التاريخ البعيد والقريب وأمامنا واقع عالمنا اليوم وأمامنا العديد من السيناريوهات المطروحة لهذا المستقبل، وعلينا أن نختار.
لقد حددت مصر خياراتها باقتناع لا يعرف التردد . وبرؤية تمضى في تنفيذها بعزم وثقة. كان خيارنا - وسوف يظل - هو مواصلة الإصلاح على كافة محاوره، ومواصلة السعي نحو سلام الشرق الأوسط وأمنه واستقراره.
نمضى في استكمال أركان ديمقراطيتنا تعزيزا للتعددية وتفعيلا لحياتنا السياسية. نمضى في ذلك بإصلاحات تنبع من الداخل. تراعى ظروف مجتمعنا وخصوصياته. وتحاذر من تجارب عديدة حاولت القفز إلى الأمام. فانكفأت إلى الوراء. ومحاولات لفرض الديمقراطية من الخارج تحت ذرائع عديدة. انتهت بدمار واقتتال وإزهاق للأرواح وسفك للدماء.
حققنا على طريق الإصلاح إنجازات عديدة، يحقق اقتصادنا معدل نمو يتجاوز (7 %) للعام الثالث على التوالي. قفزت الاستثمارات الأجنبية المباشرة من نحو 3 مليارات دولار منذ أربع سنوات، لتتجاوز (11) مليار دولار سنويا، تمثل أكثر من (8.5 %) من الناتج القومي الإجمالي. انخفض معدل البطالة من (11.5%) إلى (8.8 %) وانخفض عجز الموازنة من (9.5 %) إلى (6.9%) ونخطط للوصول به إلى (3 %) بحلول عام 2011.
إننا ماضون على طريق الإصلاح دون رجعة إلى الوراء. نعزز تعاوننا مع شركائنا الدوليين. نسعى لشراكة حقيقية تقوم على التجارة والاستثمار. نمد يد الصداقة للجميع. ونتمسك بأن تتأسس علاقاتنا الدولية على التكافؤ والاحترام المتبادل.
كان خيار مصر هو السلام، حملت رايته وفتحت الطريق إليه. تابعنا عملية السلام بما شهدته من نجاح وإخفاق وتقدم وانحسار. ولم نتردد يوما في دعمها، أو ندخر جهدا لإقالتها من عثراتها وانتكاساتها.
لقد أكدت مرارا أن تصاعد الإرهاب ليس مرجعه الأساسي الفجوة بين أغنياء العالم وفقرائه كما يعتقد البعض. ولا غياب الديمقراطية كما يعتقد البعض الآخر. وإنما مرجعه الأساسي قضايا طال انتظارها لحل عادل، في مقدمتها القضية الفلسطينية.
إن السلام العادل والشامل هو مفتاح استقرار الشرق الأوسط، والطريق الصحيح لمحاصرة قوى التطرف والإرهاب. ولقد طرح العالم العربي مبادرة السلام العربية منذ ست سنوات، كما رحب برؤية الرئيس (بوش) لتحقيق السلام وفق مفهوم الدولتين، وبالمفاوضات الجارية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وبوعد الرئيس (بوش) التوصل لاتفاق للسلام قبل نهاية ولايته. وإنني أتطلع إلى اليوم الذي يتحقق فيه هذا الوعد.
إن مصر تبذل أقصى الجهد لتحقيق التهدئة في غزة، تخفيفا لمعاناة سكانها، ولتهيئة الأجواء المواتية لإنجاح عملية التفاوض، وصولا لاتفاق سلام ينهى الاحتلال ويقيم الدولة الفلسطينية المستقلة.
ستواصل مصر جهودها دعما للسلام وللقضية الفلسطينية، فتلك هي قضيتنا ومصالحنا وحدودنا وأمننا القومي. ونحن برغم تقديرنا لجهود الرباعية الدولية لتعبئة الدعم المالي والاقتصادي لمؤسسات السلطة الفلسطينية، ندعو لان يقترن ذلك بالدعم السياسي اللازم والمطلوب لمفاوضات السلام. وعلينا جميعا أن ندرك أن (أبومازن) في حاجة لاتفاق سلام عادل ومشرف، يحقق تطلعات شعبه ويحوز مباركته وتأييده. ويخطئ من يتصور أن أحدا يمكنه أن يوفر الغطاء لاتفاق لا يتجاوب مع آمال شعب فلسطين وتطلعات أبنائه.
السيدات والسادة..
إن سلام وازدهار الشرق الأوسط، هو جزء لا يتجزأ من سلام وازدهار العالم. وعندما نتحدث عن المستقبل فإن علينا أن نعى أن الوقت يداهمنا. وأن الزمن يسابقنا ونسابقه. فالمستقبل يبدأ من هذه اللحظة.
أرحب بكم مجددا وأتمنى لكم ولهذا المنتدى مناقشات مفيدة.
|