|
تكمن الأهمية الحقيقة لحسن فتحي في كونه مهندسا له وجهة نظر خاصة مرتكزة على تراث أمته ومستفيدة في الوقت نفسه من إنجازات الآخرين. فالبناء عنده لم يكن مجرد جدران وسقف، بل كان حياة وحضارة، وتراثا لم يمت، بل ما زالت روحه حية، وإعدادا جيدا لمستقبل متواصل مع هذا التراث تواصلاً جديّا في غير انقطاع. طرح المهندس حسن فتحي حلولاً لمشكلات الاسكان: قيام الأهالي بالبناء بأنفسهم لأنفسهم عن طريق التعاون التقليدي، وليس الجمعيات التعاونية لذات الموظفين البيروقراطيين، وإخضاع علوم الهندسة والتكنولوجيا الحديثة لاقتصاديات الأهالي ذوي الدخول شديدة الانخفاض. يؤكد حسن فتحي على أن يكون المعماري ليس مجرد مهندس، ولكنه مدرك للأبعاد المختلفة للبيئة والسكان تاريخيّا واجتماعيّا وسيكولوجيّا وبيولوجيّا، كما يهتم بمراعاة مناسبةالبناء للمكان (وادٍ / صحراء / جبل) حتى لا يكون قبيحًا وغير متناسب مع البيئة، وهو يرفض أن يصبح الطابع الفرعوني أو القبطي أو البابلي أو الآشوري أو الإسلامي مجرد حلية زائفة في بناء معماري على النمط الغربي، وهو يعبر عن سعة أفقه وذكاء فهمه بقوله: "إن ثَمَّة عناصر قديمة بائدة في العمارة التقليدية لا تصلح اليوم، مقابل عناصر أخرى فعالة متطورة هي التي يجب استخلاصها وإثراؤها بوحي من مواد البناء المحلية".. فالفن المعماري عند حسن فتحي "ليس صيغة ثابتة لكل العصور، بل هو مرهون بالملامح والقوى والسمات السائدة وبالظروف الخاصة الدائمة التغير". لقد طبق حسن فتحي فلسفته في قرية القرنة في البر الغربي ـ جنوب وادي النيل ـ في مواجهة الأقصر، وشرحها تفصيليّا في كتابه "عمارة الفقراء" الذي نُشر بعدة لغات أجنبية وأعطى حسن فتحي الشهرة العالمية، كما طبق أفكاره المعمارية أيضا في قرية "مشربية". أما بخصوص أفكاره حول البحيرات الصناعية، فبعد إنشاء السد العالي ونضوب الطمي من النيل، لجأ الفلاحون ـ للحصول على الطمي لتصنيع الطوب ـ إلى كشط الأراضي الزراعية، وعمل برك ومستنقعات لهذا الغرض تؤدي إلى انتشار الأمراض، وكان اقتراح حسن فتحي هو إنشاء بحيرات صناعية لهذا الغرض؛ لأن البحيرة التي مسطَّحُها خمسة أفدنة ستعطي طميا يعادل الطمي الناتج من سطح 100 فدان، لكنه أكد على اختيار الموقع المناسب، وتصميم البحيرة بحيث يمكن تجديد هوائها دوريّا، وبحيث يمكن تعقيمها في الوقت نفسه، وبذلك يتم القضاء على سركاريا البلهارسيا، والمحافظة على خصوبة الأراضي الزراعية، والحصول على كميات هائلة من الطمي لصناعة الطوب.
ما زالت أفكار حسن فتحي تتمتع بالحيوية، وتطبيقاته تمثل نجاحا لهذه الأفكار.
|
| لأعلى |