24 أكتوبر 2017 01:05 م

الجهود الدبلوماسية المصرية لعلاج الأزمة الليبية

الخميس، 07 مايو 2015 12:00 ص

إعداد: ولاء مؤنس عبد الفتاح

 

تعد العلاقات مع ليبيا ذات أهمية خاصة بالنسبة لمصر فى ظل التطورات الجديدة التى يشهدها المجتمع الدولى من إعادة صياغة التحالفات السياسية الدولية والاقليمية بالنظر لاعتبارات الجوار الجغرافى والمصالح المشتركة بين البلدين، ولما تمثله هذه العلاقات من أهمية استراتيجية ليس فقط بالنسبة لمصر وليبيا وإنما للوطن العربى ككل فى هذه المرحلة الحرجة التى تعيشها الامة العربية، وهو ما جعل مصر لا تدخر جهداً نحو استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا، ومن ثم إرساء قواعد الدولة الجديدة والشروع في تنفيذ خطط التنمية المستدامة بها وفقاً لتطلعات الشعب الليبي الشقيق، خاصة بعد أن أصبح مشهد الفوضى والاضطراب عنوان رئيسي للأوضاع هناك وهو المشهد الذي يرسمه صراع الجماعات المسلحة المفتوح على كل الاتجاهات، وهو ما جعل الدولة هناك مرتع للتنظيمات الإرهابية (ولعل جريمة مقتل 21 مصرياً على يد عناصر تنظيم داعش الإرهابي يوم 15 فبراير 2015 هو نموذج واضح على تنامي خطر الإرهاب في ليبيا) وعصابات الهجرة غير الشرعية.

فالموقف المصري من الأزمة الليبية لازال ثابتاً كما هو منذ بداية الانقسام السياسي بين الشرق والغرب، فمصر لازالت تدعم الحفاظ علي وحدة ليبيا وترغب في الخروج من الأزمة الحالية من خلال إطار للتسوية السياسية، وهو ما عبرت عنه مصر بوضوح من خلال دعمها للحوار السياسي الذي عُقد بين الأطراف الليبية المختلفة تحت رعاية الأمم المتحدة، وتظل مصر أيضاً رافضة لفكرة الميليشيات أو التشكيلات العسكرية غير النظامية وغير الخاضعة لسلطة الدولة، وبالتالي فمصر تدعم الأطراف السياسية والعسكرية الشرعية، سواء كانت مجلس النواب في طبرق أو الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر. كل هذه الثوابت التي شكلت الموقف المصري من الأزمة الليبية لم تتغير، ولكن ما تغير هو الأسلوب الذي بدأت مصر تستخدمه لتحقيق أهدافها في ليبيا، وهو ما يضيف الكثير من المرونة للسياسة الخارجية المصرية تجاه ليبيا.

وبدأت مصر مؤخراً في استخدام أدوات مختلفة علي الساحة الليبية، وباتت مسألة تعديل بعض مواد اتفاق الصخيرات ودعوة خليفة حفتر ليكون طرف من أطراف الحوار فكرة مقبولة لدى الكثير من القوى السياسية والعسكرية داخل ليبيا، والقوى الإقليمية والدولية المهتمة بالشأن الليبي، وهو ما يُعد نجاح لمساعي الديبلوماسية المصرية في الملف الليبي. فمصر كانت معترضة علي عدد من بنود الاتفاقية الخاصة بوضع القوات المسلحة داخل هيكل الدولة، وفي نفس الوقت كانت مصر حريصة علي وجود حليفها خليفة حفتر علي مائدة الحوار السياسي، بعد رفض الأطراف الليبية والأمم المتحدة مشاركته في الجولة الأولي. وقد بدأت بالفعل المشاورات حول التعديلات المطلوبة في الاتفاقية سواء داخل مجلس النواب بطبرق أو من خلال بعثة الأمم المتحدة التي تسعى للتقريب في وجهات النظر بين الأطراف الليبية المختلفة.


مما سبق، فإن التطورات الأخيرة على الساحة الليبية والتي تزداد خطورة وتعقيداً يوماً بعد يوم  والتي أصبحت لا تهدد فقط الأمن القومي المصري بل تتسبب في تهديد واضح للسلم والأمن الدوليين، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية سامح شكري في بيانه أمام مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير2015.

وقد رسمت هذه التطورات ملامح ومحددات الموقف المصرية من الأزمة في الجارة الليبية، وهو الموقف الذي أخذ مسارات عدة بحكم ثوابت محددة واعتبارات منطقية رسمتها عوامل التاريخ والجغرافيا، فالرئيس عبد الفتاح السيسي دائما ما يعبر عن هذا الموقف حتى خلال لقاءاته مع الوفود الاجنبية، وآخرها ما اكده خلال استقباله وفد الكونجرس الامريكي في 4 مايو 2015 من أن عملية حلف الناتو في ليبيا لم تكن مكتملة وتركت عواقب وخيمة على الشعب الليبي، مطالباً بمساندة ودعم مؤسسات الدولة الليبية المتمثلة في الحكومة والبرلمان المنتخب والجيش الوطني

أولاً: المشهد الليبي بين السلطة الحاكمة وصراع الميليشيات  

منذ سقوط نظام العقيد القذافى أصبحت الدولة الليبية عاجزة عن فرض إرادتها وسيطرتها على مؤسساتها وعن حماية أراضيها فقد أفرز الانقسام والصراع السياسي كيانات تحولت إلى ميليشيات وكتائب دينية و جهوية وقبلية متناحرة تتقاتل بضراوة تريد كل منها أن تفوز بقطعة من الاراضى الليبية غير مكترثين بأى مصلحة وطنية أو مقدرات البلاد مستثمرة الانفلات الأمنى فى إثارة أعمال العنف لتحقيق أهدافها.

 وفى ظل هذا الواقع المتردى أصبح ما يدور على الساحة الليبية يشكل تحديا أمنيا حقيقيا بالنسبة لمصر بالنظر للحدود المشتركة بين البلدين و التى تعد مصدر تهديد مباشر لتسهيل تهريب وانتشار كميات كبيرة من الأسلحة داخل الأراضى المصرية وانتشار الميليشيات التى تستهدف تنفيذ عمليات إرهابية عبر الحدود، ولعل أبرزها حادث الفرافرة التى قتل فيه أكثر من عشرين جندى مصرى على يد جماعات إرهابية مسلحة قادمة من ليبيا.

والمشهد الليبي المتردي دفع المجلس الأوروبى للعلاقات الخارجية يحذر فى بيانه الصادر فى 6 أغسطس الماضى من ترك ليبيا تتحول الى دولة فاشلة لما يحمله ذلك من عواقب وخيمة على أمن ومصالح الأوروبيين أنفسهم.

ليبيا.. المعبر الأمثل للهجرة غير الشرعية


وفي خضم هذا البحر الهائج من الأزمات في ليبيا، تتفاقم أزمة اخرى، وهي اتخاذ الأراضي الليبية منطلقاً للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، حيث ينظر إلى ليبيا بأنها تمثل منطقة جذب للهجرة غير الشرعية (بحسب الإحصاءات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة)، ويعد ذلك حسب رئيس الصليب الأحمر النرويجي سفن مولكليف في تصريحاته بتاريخ 4 مايو 2015  دليلا على تردي الوضع بليبيا.

وفى ظل انتشار الميليشات والمرتزقة على الاراضى الليبية و الذين ساعدوا بشكل كبير على انتشار هذه الأزمة يصعب على السلطات الليبية السيطرة على نشاط الهجرة غير الشرعية وهو ما أقره رئيس الوزراء الليبى السابق على زيدان والذى أعرب عن رغبته فى تفعيل اتفاقات مع عدد الدول الأوروبية و بخاصة ايطاليا فى مجال مواجهة مخاطر الهجرة غير الشرعية و تأمين الحدود.

نظراً لخطورة ذلك الملف وتأثيره السلبي على الأمن في منطقة المتوسط وأوروبا، عقدت قمة استثنائية في بروكسل في 23 أبريل 2015 كرد فعل للحادث المأساوي الذي أفضى إلى غرق 800 مهاجر غير شرعي قبالة السواحل الليبية، وقد تمخض عن القمة حزمة من الإجراءات لمكافحة الهجرة غير الشرعية في البحر المتوسط، بما في ذلك زيادة تمويل مكافحة الهجرة غير الشرعية في البحر المتوسط إلى ثلاثة أضعاف، ومحاربة العصابات من خلال تدمير شبكاتهم وتدمير سفنهم.

من جانبه، قال مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي في تصريحات له يوم 3 مايو 2015 إن الإجراءات الأوروبية بتوجيه ضربات إلى زوارق مهربي البشر بالبحر المتوسط غير ذات جدوى، داعياً المجتمع الدولي لمساعدة الحكومة الليبية الشرعية من أجل استعادة السيطرة على كامل أراضيها، والحد من الهجرة السرية عبر البحر المتوسط. واعتبر الدباشي أن عودة الاستقرار السياسي إلى ليبيا هو المعيار الأول للحد من ظاهرة الهجرة غير الشرعية، مؤكداً أن سيطرة الحكومة على جميع موانىء الدولة ومراقبتها للشواطىء هو الحل الأمثل لمكافحة الاتجار بالبشر، مشيرا إلى أن المحور الرئيسي للاتجار بالبشر يقع في الجزء الغربي من السواحل الليبية الذي يقع تحت سيطرة المجموعات المتطرفة التي تتحصل على اموال نظير تقديمها الدعم والحماية للمهربين.

رغم تعدد الأزمات التي تعصف بالأوضاع في ليبيا وتهدد بالدخول في منحى الدول الفاشلة، فإن الأفق السياسي وإيجاد حل مناسب مازال غير قائم حتى الآن، حيث لم تسفر جولات الحوار الوطني من غدامس في سبتمبر 2014 إلى جنيف في يناير 2015، ثم العودة إلى غدامس مجددا عن نتائج ملموسة بسبب التعددية الواسعة لأطراف الصراع، وتضارب مصالحهم رغم المحاولات الملموسة للخروج من عنق الأزمة من قبل قوى إقليمية وفي مقدمتها مصر.

ثانياً: محددات الموقف المصري من الأزمة الليبية 

ينطلق الموقف المصري من الأزمة في ليبيا، والجهود الدبلوماسية لاستعادة الأمن والاستقرار بها من محددات عدة اكد عليها الرئيس/ عبد الفتاح السيسي في كلمته في افتتاح أعمال القمة العربية بمدينة شرم الشيخ في مارس 2015، وتتمثل في:

-  أن عملية الناتو غير المكتملة في ليبيا كانت لها عواقب وخيمة على الشعب الليبي الذي أضحى مصيره في أيدي جماعات متطرفة مسلحة دون وجود جيش وطني يحميه.

-  أن استعادة الأمن والاستقرار في ليبيا لا يحتل فقط أهمية قصوى بالنسبة لمصر لاعتبارات الجوار الجغرافي والصلات التاريخية القديمة، ولكن للإقليم والمنطقة العربية ككل على ضوء تشابك التهديدات ووحدة الهدف والمصير، فضلاً عن الاعتبارات المتصلة بصون السلم والأمن الدوليين الذي بات يتأثر بما تشهده الساحة الليبية من تطورات وتنامي لخطر الإرهاب.

- انطلاقا مما سبق، يعد حماية الأمن القومي المصري محدد رئيسي في التحرك المصري في ظل الخطر الداهم الذي يهدد الحدود المصرية، فلا شك أن الجوار الجغرافي الليبي لمصر سيجعل تردي الوضع الأمني في ليبيا حتما يؤثر بالسلب على مصر، فلقد شهدت الآونة الاخيرة تهريب كميات كبيرة من الأسلحة إلى الأراضي المصرية من داخل ليبيا، وكذا التأثير السلبي على مصر من نشاط التنظيمات الإرهابية المتنامية في الأراضي الليبية، وخاصة في ظل استهدافها للعمالة المصرية في ليبيا بالقتل التارة والاحتجاز تارة أخرى.

- أن تأييد مصر لمجلس النواب الليبي المنتخب وللحكومة المنبثقة عنه إنما يرجع بشكل أساسي لاحترام القاهرة التام لإرادة الشعب الليبي ولحقه في تقرير مستقبله بنفسه، ورفضاً للتدخل الخارجي في الشأن الليبي.

-أن مصر تدعم المسارين السياسي والأمني في ليبيا حتى يتحقق الاستقرار المنشود هناك، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية سامح شكري في بيانه أمام مجلس الأمن في 18 فبراير 2015، حين قال: إن الحل السياسي ضرورة  لكنه لا يغني عن مواجهة الإرهاب.

ثالثاً: التحرك الدبلوماسي المصري لإعادة الاستقرار إلى ليبيا

يأخذ التحرك المصري لإعادة الاستقرار والأمن الضائع إلى ليبيا أشكالاً متعددة، وهو ما يمكن رصده فيما يلى:

- أن مصر ستظل داعمة وبقوة لكل ما يؤدى إلى المصالحة السياسية لإخراج الأشقاء فى ليبيا من الظرف الذى يعيشونه منذ فترة.

- المتابعة المستمرة لتطورات الوضع الليبي على الصعيدين الداخلي والدولي.

- استمرار الاتصال بين حكومتي البلدين للتشاور والتباحث حول القضايا الثنائية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

- حل الخلافات بين الفرقاء بالحوار الوطني الشامل لكل من ينبذ العنف ، وفى هذا الصدد هناك تحركات حكومية واسعة لحل خلافات بين القبائل الليبية ، تستضيف مصر الملتقى الموسع للقبائل الليبية خلال شهر مايو الجارى 2015 ، إيماناً من مصر بدعم وحدة الشعب الليبى الشقيق وتحقيق الأمن فى ربوع ليبيا وإعطاء الدفعة اللازمة لمسار الحوار السياسى الليبى وإعلاء شأن المصالحة الوطنية الليبية بهدف تشكيل حكومة وفاق وطنى والمضى فى بناء دولة ليبية مستقرة قادرة على استئصال الإرهاب الذى يهددها والإسهام فى استقرار محيطها الإقليمى والدولي، حرصا على توحيد الشعب الليبى ونبذ الفرقة التى تهدده.

- تقديم الدعم للدولة الليبية ومؤسساتها الشرعية في المحافل والمؤتمرات الدولية، مثل مؤتمر روما لمجموعة أصدقاء ليبيا في مارس 2014، ومؤتمرات تونس والجزائر لمجموعة دول جوار ليبيا في مايو ويوليو 2014 على التوالي، ومؤتمر مدريد لوضع خطط تأمين الاستقرار والتنمية في ليبيا في سبتمبر 2014، بالإضافة إلى عدة اجتماعات دولية على هامش افتتاح أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر 2014.

- استضافت مصر الاجتماع الوزاري الرابع لآلية دول الجوار الليبي في 25 أغسطس 2014، وهو الاجتماع الذي تبنت فيه الدول الأعضاء مبادرة مصرية تمثل خارطة طريق للتحرك في اتجاه حل الأزمة الليبية نصت على:

· الوقف الفوري لكافة العمليات المسلحة وصولاً لتحقيق الوفاق الوطني والمصالحة.

· تنازل جميع الميلشيات وفق نهج متدرج المراحل ومتزامن من حيث التوقيت عن السلاح.

· التأكيد على التزام الأطراف الخارجية الامتناع عن توريد وتزويد الاطراف غير الشرعية بالسلاح بجميع أنواعه.

· تعزيز المراقبة على كافة المنافذ البحرية والجوية والبرية الليبية.

· مكافحة الإرهاب بكافة أشكاله وتجفيف منابعه.

· دعم دور المؤسسات الشرعية للدولة وعلى رأسها مجلس النواب.

· تأهيل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والشرطة من خلال برنامج محدد لبناء السلام.

· تقديم المساعدة للحكومة الليبية في جهودها لتأمين وضبط الحدود.

· إنشاء آلية بإشراف وزراء خارجية دول الجوار لمتابعة تنفيذ ما تقدم بالتعاون من المبعوثين العربي والإفريقي في ضوء التوصيات التي يقدمها فريقا العمل السياسي والأمني.

- تولت مصر دور منسق فريق العمل السياسي على مستوى كبار المسئولين المنبثق عن آلية دول الجوار، والمعني بالمسائل السياسية بما في ذلك الاتصال بالطبقة السياسية ومكونات المجتمع المدني في ليبيا، ورفع تقاريرها للمستوى الوزاري، حيث قامت مصر باستضافة الاجتماع الأول للفريق في 6 أغسطس 2014، والاجتماع الثاني في 26 أكتوبر 2014، فضلاً عن ترتيب زيارة الفريق إلى طبرق في 14 سبتمبر 2014، واستضافة القاهرة اجتماعا لفريق العمل السياسي لكبار مسئولي دول الجوار لتنسيق المواقف والتشاور في 1 ديسمبر 2014، والمشاركة في اجتماع الاتحاد الإفريقي الاول لفريق الاتصال الدولي حول ليبيا في اديس أبابا يوم 3 ديسمبر 2014.

-  18 سبتمبر 2017  اجتمعت اللجنة المصرية المعنية بشؤون ليبيا التي يراسها الفريق / محمود حجازي رئيس اركان القوات المسلحة  وفدا من لجان الاتصالات العسكرية الليبية في القاهرة. وذلك  لوضع حد لدولة الانقسام, وتوحيد المؤسسة العسكرية الليبية وقد اختارت المؤسسة العسكرية الليبية جمهورية مصر العربية باعتبارها المكان الذي بدا فيه اعادة تنظيم الجيش الليبي حيث ان هذا هو المكان الذي بدا فيه انشاء هذا الجيش و تمشيا مع الجهود المتواصلة التي تبذلها جمهورية مصر العربية في الحفاظ على وحدة الاراضى الليبية .

-وتأكيداً للاهتمام المصرى  بالقضية الليبية والدور المصرى في الحفاظ على وحدة الاراضى الليبية حملت مصر الملف الى الامم المتحدة وتجسد ذلك في كلمة  الرئيس السيسى  أمام الجمعية العامة للأمم في 19/9/2017  "إن الوضع مهيأ، سياسياً وميدانياً، لإحداث الانفراجة المطلوبة في ليبيا، وطي هذه الصفحة المؤلمة من تاريخ الشعب الليبي الشقيق وبدء مرحلة إعادة البناء. ولكن إنجاز هذه المهمة التاريخية يتطلب دعم المجتمع الدولي للجهود التي تقودها الأمم المتحدة لإنجاز تسوية سياسية شاملة في ليبيا، يتوصل إليها الليبيون أنفسهم ويتوافقون عليها دون محاولة من أي طرف لفرض الوصاية عليهم. فلا مجال ولا جدوى من تعدد مسارات ومرجعيات التسوية في ليبيا. فهناك أساس وحيد مقبول لإنهاء الأزمة الليبية، يتمثل في اتفاق الصخيرات، والذي يمكن إدخال تعديلات محدودة عليه في بعض المواضع استجابةً لشواغل الأطراف الليبية المختلفة، وذلك من خلال الآلية المنصوص عليها في المادة الثانية عشر من الاتفاق نفسه، وتحت إشراف الأمم المتحدة".


رابعاً: الضربة العسكرية المصرية لتنظيمات الإرهاب في ليبيا (الضرورات.. التكييف القانوني)

في الخامس عشر من فبراير 2015 تم بث مقطع فيديو يظهر مقتل 21 مصرياً على يد عناصر تنظيم داعش في ليبيا، وهو الأمر الذي أوجب وجود رد فعل مصري عليه، ذلك أن ما حدث يعد بمثابة إرهاباً دولياً موجهاً إلى مصر، حيث اشتملت عملية القتل على انتهاكات صارخة ضد المدنيين وحقوق الإنسان، سواء عبر أعمال اختطاف أو العنف البدني، أو الإعدام الجماعي، أو أعمال عنف ذات طبيعة طائفة متشددة، وكلها كما أوضحنا ترقي إلى جرائم الحرب وتمثل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين. وبعد ساعات قليلة من بث الفيديو خرج الرئيس عبد الفتاح السيسي بكلمة للأمة أكد فيها أن مصر تحتفظ لنفسها بحق الرد، وبالأسلوب والتوقيت المناسب، للقصاص من هؤلاء القتلة المتجردين من أبسط قيم الإنسانية. وفي نفس اليوم اجتمع الرئيس السيسي مع مجلس الدفاع الوطني الذي كان من ضمن قراراته توجيه ضربة جوية مركزة ضد أهداف تابعة لتنظيم داعش، وهو ما تم بالفعل فجر يوم 16 فبراير 2015، حيث أصدرت القوات المسلحة بياناً قالت فيه أن القوات المسلحة قامت بتوجيه ضربة جوية مركزة ضد معسكرات ومناطق تدريب ومخازن وذخائر تنظيم داعش الإرهابي بالأراضي الليبية، وأشار البيان إلى أن الضربات حققت أهدافها بدقة وعادت الطائرات إلى قواعدها سالمة.

وتعد هذه الضربة العسكرية لها أساس قانوني حيث استندت مصر إلى أحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بالدفاع الشرعي ورد العدوان، كما استندت مصر أيضا إلى قرارات مجلس الامن الخاصة بمكافحة الإرهاب الدولي، لا سيما القرار رقم 1373 الصادر في 28 سبتمبر 2001، وأيضاً جاءت الضربة تنفيذاً للقرارات الدولية ضد تنظيم داعش الإرهابي، أي أن التدخل العسكري جاء دفاعاً عن الشرعية الدولية.

هذا وقد قامت مصر بدعوة مجلس الأمن الدولي إلى عقد قمة طارئة، وهو ما تم بالفعل يوم 18 فبراير 2015 وقد طالبت مصر خلال الجلسة برفع حظر السلاح عن حكومة طبرق، ومساعدتها في بناء جيشها حتى تتمكن من التعامل مع الجماعات المتطرفة، بخلاف طلب آخر يتعلق بتشديد الرقابة البحرية والجوية على وصول السلاح إلى كافة الميلشيات غير الحكومية والأطراف غير المنتمية للدولة الليبية.

خلاصة القول، أنه في ظل الواقع الأليم الذي تشهده ليبيا في ظل تفاقم الأوضاع سياسيا وأمنيا وتزايد حدة الصراع بين الفصائل المتناحرة من ناحية والميلشيات الإرهابية من ناحية أخرى يتعين دعم الجهود المصرية لتسوية الازمة الليبية والتي باتت تمثل تهديدا وجوديا للسلم والأمن الدوليين.

 

 


الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى