18 فبراير 2020 09:47 ص

افتتاح المعبد اليهودى بالاسكندرية بعد ترميمه

الأربعاء، 08 يناير 2020 03:35 م




مقدمة

قبل نحو 150 عاما كانت تعيش فى مصر عامة ، وفي مجتمع الإسكندرية خاصة ، جاليات وطوائف من أجناس مختلفة ، انصهرت دماؤهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم فى بوتقة واحدة وفي نسيج إنساني مميز ترعرع ونما بحب تحت عباءة الإسكندرية السمحة، فكانوا يتفاخرون بهويتهم المستمدة من ظلال تلك العباءة.

عاشت هذه الجاليات والطوائف جنباً إلى جنب مع السكندريين، وبرغم ذلك حافظت كل جالية وطائفة على عادتها ولغتها وحياتها الاجتماعية وشعائرها الدينية ومناسك عباداتها وتاريخها ، وحتى المقابر الخاصة بها.. كانت الفرنسية هي اللغة الرسمية بين الجاليات ولعبت هذه اللغة دورا أساسيا في توحيدهم، كما كان معظمهم يعرف شيئا من العامية المصرية بحكم الاحتكاك اليومي المباشر.

تعتبر الطائفة اليهودية  في الإسكندرية مثالاً قوياً على هذه الحالة حيث تمتع اليهود بكامل حريتهم في ممارسة شعائرهم الدينية، وبناء المعابد الخاصة لأدائها ، وقد ساندتهم الحكومة المصرية في تيسيرات البناء ومنحهم الأرض مجاناً ، مما أسهم في انتشار المعابد اليهودية في القاهرة والإسكندرية. وحتى عام 1930 كان هناك 20 معبدا في الإسكندرية تنتمي إلى أعراق ومجتمعات متباينة ما بين يهود مغاربة وأتراك وإيطاليين وإسبان وفرنسيين ويهود مستعربين. وكان للطائفة مجلس عام يتكون من حاخام باشي، ونائب الحاخام، ورئيس، ونائبه، وسكرتير. واتخذت الطائفة من معبد «الياهوهنابي» بشارع النبي دانيال مقراً لها، وهو من أقدم وأشهر معابد اليهود في الإسكندرية. المعبد الذي شيد عام 1354 وتعرض للقصف من قبل الحملة الفرنسية علي مصر، عندما أمر نابليون بقصفه لإقامة حاجز رماية للمدفعية بين حصن كوم الدكة والبحر، وأعيد بناؤه مرة أخرى عام 1850 بتوجيه ومساهمة من أسرة محمد علي.

 

حياة يهود الاسكندرية

تشكلت ملامح الجالية اليهودية في تاريخ الإسكندرية الحديث مع نهاية القرن السابع عشر، حين رحل مجموعة من الصيادين اليهود الفقراء من رشيد وإدكو، إلى الإسكندرية لينضموا إلى بضع مئات من اليهود متعسري الحال، وأقام هؤلاء الوافدون خياماً لهم فى حى الأنفوشى بمحاذاة الشاطئ وبشارع الصيادين بالقرب من سوق السمك القديم، فيما بعد أصبحت هذه الخيام أكواخاً، تحولت بدورها إلى منازل، لتصبح بعد ذلك حى اليهود بالإسكندرية، الذي يمتد من حوش النجار وحوش الجعان وحوش الحنفى إلى ميدان وشارع فرنسا.

ومع مرور الوقت، اجتذبت الإسكندرية مزيداً من يهود القاهرة والدلتا، ومن المغرب والعراق وتركيا وإسبانيا، نتيجة للانتعاش الاقتصادي الهائل الذي شهدته وانفتاحها على أسواق الغرب، وقد أقام يهود الطبقة المتوسطة في حي محرم بك، حيث شيد أول مستشفى يهودي عام 1893 بجهود البارون جاك دي منشه والمعروف الآن بمستشفى الرمد، وما زال في شارعى باولينو والرصافة ملجآن للمسنين من اليهود، إلى جانب العديد من المدارس والمعابد. بينما أقام يهود الطبقة البورجوازية وسط المدينة بالقرب من شارع النبي دانيال.

من المعابد اليهودية في الاسكندرية هناك معبد «منشه» أسسه البارون يعقوب دي منشه عام 1860 بميدان المنشية، وهو مبني بسيط مكون من طابقين ومعبد «الياهو حزان» بشارع فاطمة اليوسف بحي سبورتنج الذي أنشئ عام 1928، ومعبد جرين الذي شيدته عائلة جرين بحي محرم بك عام 1901، ومعبد يعقوب ساسون عام 1910 بجليم، ومعبد كاسترو الذي أنشأه موسي كاسترو عام 1920 بحي محرم بك، ومعبد نزاح اسرائيل الاشكنازي عام 1920، ومعبد «شعار تفيله» أسسته عائلتا «انزاراوت» و«شاربيه» عام 1922 بحي كامب شيزار، هذا الى جانب بعض المعابد التي هدمت واندثرت. أما حارة اليهود الشهيرة، فكانت مثالا حيا على أوضاع اليهود في الاسكندرية واندماجهم مع أهلها، وهي تبدأ من حي الجمرك ببحري حتى حي المنشية، وهي ليست حارة بالمعنى المعروف بل حي كامل فيه شوارع وحارات كثيرة متصلة ببعضها بعضا، سكنها اليهود والمسيحيون والمسلمون، ولا تزال هذه الحارة محتفظة بطابعها المعماري وسكانها من الطبقة المتوسطة والفقيرة. فكانت تقطنها الطبقة العاملة من الجالية اليهودية وكانوا غالبا من اليهود المصريين المولد والجنسية، وكانت العربية لغتهم وأقاموا علاقات صداقة مع جيرانهم المسلمين والمسيحيين.

 

شارع النبي دانيال

يعد من أهم شوارع الأسكندرية ، سمي شارع النبي دانيال بهذا الاسم نسبة الى أحد أنبياء بني إسرائيل ويعود تاريخه الى القرن السادس قبل الميلاد عندما قام الإسكندر الأكبر ببناء الإسكندرية وفقا للتخطيط الهيبودامي والذي يعني الشكل الشبكي أو رقعة الشطرنج حيث كانت المدينة مقسمة إلي شارعين رئيسيين أحدهما طولي والآخر عرضي يخلق تقاطعهما ميدانا كبيرا في المنتصف ويعد شارع النبي دانيال جزء من الشارع الرئيسي الطولي الذي كان يمتد من شمال المدينة إلي جنوبها.

في هذا الشارع يوجد العديد من المنشأت الهامة ففى أوله يوجد مسجد النبي دانيال والمعبد اليهودي والكنيسة المرقسية وتعد من أقدم الكنائس فى مصر وأفريقيا ويعتبر هذا الشارع من الشوارع الأكثر حيوية فى الأسكندرية بسبب وجود المحلات التجارية والمبانى الهامة مثل مبنى الأهرام والمركز الثقافي الفرنسي.

المعبد اليهودى بالإسكندرية

مصر دولة سياحية تجمع آثارا كثيرة ومتعددة من عصور مختلفة، و يعد ترميم الآثار بهدف الحفاظ عليها من استراتيجيات الدولة المصرية خاصة مع ما يمثله هذا من إنعاش لحركة السياحة، وكذلك الاحتفاظ والاهتمام بجزء لا يتجزأ من التراث العالمي الذي تمثله الآثار المصرية .

وفي هذا السياق تقوم الدولة المصرية ممثلة في وزارة السياحة والآثار بترميم الآثار المصرية المسجلة عبر خطة تم إدراجها في قطاع المشروعات في الوزارة، وتقتصر عملية الترميم حالياً على الآثار المسجلة فقط.

ولأول مرة منذ إنشائه، يتم الانتهاء من ترميم المعبد اليهودى بالإسكندرية، والذى يعد أهم الآثار اليهودية بالمحافظة، وأحد أقدم المعابد اليهودية الواقعة وسط الاسكندرية ، والذى  تعرض لانهيارات فى جزء منه بسبب الامطار  والنوات ، وتعرضت "الشخشيخة" التي تقع أعلى مصلى السيدات إلى انهيار جزئي بسبب التأثر بالأمطار والنوات التي مرت على الإسكندرية  فى فصل الشتاء ، ومن ثم تم إغلاق المعبد مؤقتا لحين الانتهاء من أعمال الترميم، حيث تم الانتهاء من أعمال الترميم واصبح جاهزا للإفتتاح فى ثوبه الجديد .

يعد المعبد اليهودى الكائن بمنطقة شارع النبى دانيال، أحد أهم المباني الأثرية الدينية بمحافظة الإسكندرية ويطلق عليه معبد "الياهو هانبى"، وهو يسع 700 مصلٍ، وقد أنشأته الجالية اليهودية بالإسكندرية فى عام 1881 ميلادية، وتم تسجيله فى مجلد الآثار تحت رقم 16 لسنة 1987، ويوجد بالمعبد عدد 63 سفرا من الأسفار اليهودية أى 63 نسخة قديمة من التوراة وهى لها قيمة دينية وأثرية كبرى.

 ويتميز المعبد اليهودى من الخارج  بمدخل بارز مرتفع عن سطح الأرض ببضعة درجات من السلالم الرخامية، ويعلو باقى أجزاء الواجهة كتفين يتوسطهما عمودان يحملان القسم العلوى الذى يتكون من عقد نصف دائري يتوسطه عقد زخرفى يتكون من عقدين يتوسطهما جامة، ومحاط بعقد نصف دائرى يعلوه خمس أكال نصف دائرية يبرز عنها شكل وردة ثلاثية البتلات ويعلو ذلك النجمة السداسية وسط زخارف نباتية محورة، فيما يقع بالجهة الجنوبية الغربية مدخل يؤدى إلى الطابق الثانى حيث مصلى السيدات.

ويتخذ المبنى من الداخل شكل المستطيل ويتكون من طابقين وقد شيد على الطراز الإيطالى ، يضم المبنى نحو 28 عامودا تحصر بينها مقاعد مزودة بلوحة نحاسية صغيرة نقش عليها أسماء الحاضرين من اليهود، أما الهيكل فهو مصنوع من الرخام ويقع بمنتصف الجهة الشرقية حيث يتقدمه منصة الصلاة والوعظ، ويوجد على جانبيه مدخلين الأول بالجهة الجنوبية يؤدى إلى حجرة بها دولاب خشبي يحتوي على عدد من الأسفار، والثانى بالجهة الشمالية ويؤدي إلى درج سلم خشبي يؤدى إلى مصلى السيدات بالطابق العلوى.

 لأول مرة يشهد المعبد اليهودى أعمال ترميم كاملة منذ إنشائه  بأيدي كوادر فنية متخصصة، حيث كانت تتم أعمال صيانة دورية فقط، وبدأ مشروع الترميم  فى أغسطس 2017 تحت إشراف وزارة الآثار"السياحة والآثار حاليا" ، حيث قام بأعمال الترميم كوادر فنية من متخصصين فى معالجة العناصر الإنشائية، وشملت أعمال الترميم الزجاج المعشق والزخارف والألواح الخشبية واعمال الشبابيك والأسقف الخشبية وأعمال الترميم الإنشائى للمبنى والموقع العام، بالإضافة إلى أعمال ترميم العناصر الرخامية والزخارف والكهرباء وصيانة أعمال مكافحة الحريق وصرف المياه.

 تم الإعلان عن  الانتهاء من جميع الأعمال بمشروع ترميمه  ، بما فيها من أعمال التدعيم الإنشائي للمبني والترميم المعماري والدقيق للواجهات الرئيسية والحوائط المزخرفة وكذلك العناصر الخشبية والنحاسية بالإضافة إلى تطوير نظم الإضاءة الحديثة والتأمين والإنذار، وذلك تمهيدا لافتتاحه في شهر يناير 2020.

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى