ومقالات


 

 

دراسات ومقالات

 

القذافي والثورة الليبية

خيارات السقوط والصمود

 

د. خالد حنفي علي

باحث مصري في الشئون الأفريقية

 

ثمة علاقة وثيقة بين ما آلت اليه الثورة في ليبيا من حرب أهلية وتدخل خارجي، وبين طبيعة النظام الليبي الذي عمد على مدار أكثر من أربعة عقود إلى إزالة الفواصل بين النظام السياسي والدولة وزعيمها, الأمر الذي خلق معادلة سياسية طرحها سيف الإسلام القذافي، عند أول تعليق تلفزيوني له على الانتفاضة التي اشتعلت في بنغازي في فبراير 2011 بالقول للمحتجين: إما القبول بالقذافي أو اختفاء الدولة عبر الحرب والتقسيم.

 

 ولم يختلف القذافي عن ابنه في خطاباته المتوالية خلال الأزمة التي كان مضمون معظمها يغلب عليه "النرجسية المميتة"، إذ سعى لبعث رسالة مفادها أيضا أنه والدولة الليبية وجهان لعملة واحدة, وأن أية إطاحة به تعني أن الكيان الليبي بات مهددا.

 

هذه المعادلة السياسية ذات الطابع "الانتحاري" التي تخير شعبا ما بين الخضوع لسلطة مستبدة أو أن يواجه الحرب والتقسيم, دفعت إلى " عسكرة " الثورة في ليبيا، وجرت ورائها تدخلا دوليا لقوات الناتو والولايات المتحدة، عبر القرار الأممي 1973 بحجة "حماية المدنيين"، وإن كان الأمر لا يخلو من أهداف إستراتيجية في ليبيا تتجاوز ما هو معلن, لاسيما إذا تمت مقارنة ذلك بالمواقف الدولية "المائعة" تجاه قمع ثورات أخرى في سوريا أو البحرين.

 

 لقد رفض القذافي أن يدخل في مفاوضات حول الإصلاح السياسي في بلاده، خوفا من حلقة مفرغة من التنازلات السياسية تقوده إلى سيناريو تنحي مبارك أو بن علي، وعلى ذلك قرر اللجوء إلى الخيار العسكري لمواجهة الثورة، إلا أن العوامل الدولية لم تمكنه من سحقها، كما لم تتمكن هي أيضا من إسقاطه، إذ أبقت على توازن عسكري بينه وبين قوات الثوار، بما قد يفتح الباب لسيناريوهات "الانشطار المناطقي" إذا لم تحسم المعارك على الأرض.

 

على أن اللافت في الأزمة الليبية الذي يستدعي تأملا وسبرا للأغوار والعبر هو القذافي ذاته, إذ أن ثمة استفهامات تبحث عن إجابة - في هذا التحليل- , وهي كيف أدار القذافي بلاده بطريقة فجرت الثورة عليه, ولماذا لم يسقط نظامه، برغم التدخل الدولي الذي اعتبر نظامه فاقدا للشرعية؟, وما هي الخيارات المطروحة أمامه؟.

 الإجابة على تلك الإستفهامات تتطلب إيلاء أهمية لمدخل القيادة السياسية في التحليل السياسي للأزمة الليبية، عبر تحديد مدى مساهمة الملامح السياسية والشخصية للقذافي في البناء الليبي "المتداعي"، وإن كان ذلك لا يغفل عوامل أخرى في البيئتين الداخلية والخارجية.

 

أولا: شخصية القذافي وطبيعة الدولة الليبية

لا غرو من القول إن ثمة علاقة غير مباشرة بين طبيعة شخصية القذافي, والخصائص الجيواستراتيجية للدولة الليبية، فالزعيم الليبي ظل طوال 42 عاما من حكمه ينظر لنفسه على أنه "مسيح مخلص أو منقذ" يستدمج في ذهنه شخصية القائد الإسلامي صلاح الدين الأيوبي، لكن لم تصل قدراته إلى شخصية روبين هود، كما يشير الباحث الأمريكي وليم زارتمان الباحث الأمريكي في إحدى دراساته عن السياسة الخارجية الليبية.

 

مشكلة القذافي هي الفجوة بين أحلامه في الزعامة الكاريزمية على غرار الرئيس الراحل جمال عبد الناصر, وقدراته الشخصية كقائد سياسي يرغب بتجاوز الواقع وأحيانا عدم فهمه، وهي ذات المعضلة في الجيواستراتيجية للدولة الليبية، إذ أنها تعاني خللا هيكليا بين مساحة جغرافية مترامية الأطراف، وموارد نفطية هائلة, في مقابل ضعف سكاني وعدم كفاءة الجيش, وتلك المعضلة تعني صعوبة تكريس دولة قوية تنفذ وظائفها بكفاءة الدول القومية الحديثة.

 

إن شخصية القذافي صاغت توجهات الدولة والنظام الليبي، فأحلامه في أن يكون قائد للعرب أو ملك ملوك أفريقيا جعلته يرفض أن ينازعه أحدا الشهرة، فهو لا يتورع عن معاداة أي رئيس أو دولة, إذا استشعر أنه يسحب منه البساط, ولعل ذلك دفعه أكثر من مرة لإبداء عدم إعجابه بالإمام الخوميني، عندما انطلقت الثورة الإيرانية في العام 1979.

 

إحساسه الزائد بنفسه ونظرته لذاته على أنها محور الأحداث في العالم دفعت القذافي في بعض الأحيان إلى أن يعرف نفسه على أنه الشخصية المعارضة للعالم أجمع, كما ينزع للعب أدوار البطولة والاستشهاد، وهو ما يجعل من السهل لدى الدوائر السياسية الغربية معرفة أن أفعاله تجاه الأحداث لن تكون مكررة أو معتادة.

 

وترجع بعض الدراسات الغربية وخاصة جوي أرنولد في كتابه حول ليبيا " the Maverick state  " صفات القذافي الشخصية إلى البيئة البدوية التي نشأ فيها, حيث كان ولدا على ثلاث بنات عانى من عقدة الوحدة وغياب السيطرة، فضلا عن اكتسابه قيم الحذر والترقب البدوية, ومحاولة التفرد عن الآخرين، ومن جانب آخر تأثر بخطب الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر الذي أصبح بالنسبة له الرمز والموجه, فضلا عن ميوله الصوفية جراء انتشار الحركة السنوسية فى الفضاء الليبي منذ القرن التاسع عشر.

 

إن مجمل صفات القذافي الشخصية لعبت دورا غير مباشر – بجانب عوامل أخرى تتعلق بطبيعة الدولة الليبية - في رؤيته لدوره سواء داخل بلاده أو في محيطه العربي والأفريقي منذ وصوله إلى السطة في عام 1969.

 

 لقد صاغ القذافي بدءا من عام 1977 – بعد ثماني سنوات من انقلابه العسكري - لدولته نظاماً "جماهيريا" تغلب عليه الطوباوية السياسية عبر الكتاب الأخضر الذي بشر فيه بالنظرية العالمية الثالثة, والتي ترتكز على فكرة رئيسية تعد خليطا ما بين الأفلاطونية المثالية و أفكار جان جاك روسو، وهي رفض النيابية، فالجماهير يجب أن تمارس السلطة والثروة والسلاح.

 

من هنا, ابتدع القذافي نظام المؤتمرات الشعبية كتعبير مواز عن السلطة التشريعية, ولكن بأيدي الجماهير، واللجان الشعبية (السلطة التنفيذية) واللجان الثورية التي تمارس الرقابة وحماية الثورة أمنيا, ولا حديث في هذا النظام الجماهيري عن أحزاب أو انتخابات أو دستور, فهي لا تعني سوي سيطرة القلة وفقا للقذافي الذي هو زعيم الثورة لأنه لا يوجد رئيس في ليبيا.

 

وظل القذافي يزهو بفرادة نظامه السياسي بغض النظر عن مدى تحقيقه لمقاصد حقيقية كمشاركة الجماهير أو حرية التعبير, وفي جانب آخر، جعل هذا النظام الجماهيري القذافي أشبه بـ"مرشد ثورة" لا يخضع للمحاسبة، رغم أن بيده مقاليد الأمور سياسة وأمنا واقتصاد, وفي هذا الأخير كان يحرص على تعيين أمانة النفط بنفسه باعتباره المورد المالي الذي يكفل له تحقيق أحلامه، وعلى ذلك مورست سياسة الإقصاء ضد كل يرفض "نظرية القذافي".

 

غير أن النظام الجماهيري - الذي أسقط فكرة محاسبة القذافي على سياساته - زاد من ضعف الدولة ذاتها التي لم تأخذ أصلا حظا من التكريس في الواقع منذ استقلالها في العام 1951، إذ أن وظائف الدولة ذاتها مورست بطريقة تركز عوائد التنمية على المركز في طرابلس وسرت، بينما أهملت بنغازي في الشرق وفزان في الجنوب، وهو ما خلف احتقانا بين القبائل الممثلة لهذه المناطق، لذا فليس غريبا أن تنطلق الثورة على القذافي من بنغازي، وليس من طرابلس.

 

بموازاة النظام الجماهيري الذي كانت المفارقة فيه أنه لم يكن يسمح بالتعبير للمجتمع والحرية إلا لمؤسسة القذافي فقط, مثل النفط الذي يصل الإنتاج الليبي اليومي منه إلى 1.3 ملايين برميل، الأداة التي استخدمها الزعيم الليبي لتحقيق طموحاته الوحدوية العربية تارة, والأفريقية تارة أخرى، والتي عكست بشكل غير مباشر محاولة منه لعلاج الخلل الجيواستراتيجي للدولة ذاته، عبر الالتحام بامتدادات جغرافية وكيانات سكانية كثيفة.

 

لقد أنفق القذافي العوائد النفطية على سياساته الثورية في الوحدة العربية, باعتبار أنه ينظر لنفسه كوريث لعبد الناصر في التوجهات الوحدوية العربية, بيد أن تجاربه في هذا الصدد فشلت, لأن منطقه كان يرى بدء الوحدة باندماج سياسي قبل إقامة أرضية تعاون اقتصادي مشترك، ودفعت ليبيا ثمن ذلك عداوات إقليمية خاصة مع جارتها مصر تارة وتونس تارة أخرى, فضلا عن مغامراته العسكرية الخاسرة في تشاد وتدخلاته في الشئون الداخلية للدول الأفريقية.

 

ولأنه ينظر لنفسه على أنه المعارض للامبريالية الأمريكية – التي حاولت اغتياله في العام 1986 -, فقرر دعم كل من يعارضها, ويكفي الإشارة إلى أن ليبيا كانت تدفع سنويا  لكل الحركات الثورية المعارضة للإمبريالية بدءا من أفريقيا ومرورا بفلسطين وانتهاء بسود أمريكا والجيش الجمهوري الأيرلندي ومتمردي نيكارجوا قرابة 100 مليون دولار, وفقا لتقديرات الخارجية الأمريكية في السبعينيات.

ولأن النظام الجماهيري تضعف فيه سلطة الرقابة على مؤسسه، فلم يحاسب القذافي على ما خلفته سياساته الثورية من إهدار للأموال وعزلة إقليمية ودولية بلغت إلى حد اتهامها بالضلوع في تفجير الطائرة بان أمريكان فوق بلدة لوكيربي باسكتلندا عام 1988، أعقب ذلك فرض عقوبات دولية عام 1992, استثني منها النفط بسبب الضغوط الأوروبية.

 

وعندما قرر القذافي الخروج من العزلة الإقليمية والدولية، أفرط في التنازلات السياسية سواء لجهة تعويض ضحايا لوكيربي أو تسليم المتهمين فيها، أو حتى عندما تراجع عن البرنامج النووي، وإعادة العلاقات مع أوروبا وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.

 

ولأن أحلام الزعامة تهيمن على القذافي, فقد سعى إلى رسم صورة جديدة صانع سلام في أفريقيا, وتبنى مبادرة الساحل والصحراء, ثم الولايات المتحدة الأفريقية, وأصبح هو أحد أكبر الممولين للاتحاد الأفريقي، وأطلق على نفسه"ملك ملوك أفريقيا ", مغدقا من أموال النفط على البلدان الأفريقية المؤيدة لمشروعه الذي لم يختلف في طوباويته عن حلم الوحدة العربية.

 

إن هذه الصورة لزعيم سياسي طغت أحلامه على الدولة مستندا للقمع المفرط للأجهزة الأمنية لكل من يعارض سياساته أو تحولاته، جعلته يعيش حالة من التماهي بينه وبين النظام والدولة، وكأنها "ضيعة خاصة"، لأنه صاغها دون مشاركة جماهيرية, ولذا لا يمكن أن نستغرب أن يذهب في مواجهة الثورة الليبية، عندما بدأت في بنغازي، إلى التهديد بـ " التطهير والقتل والإعدام, وتنظيف ليبيا من الثوار بيتا بيتا.. زنقة زنقة".

 

ثانيا: عوامل الثورة على نظام القذافي

لم تكن شخصية القذافي الطاغية على ليبيا وحدها من عوامل الثورة عليه، إذ أن نظامه السياسي الجماهيري أفرز مجموعة من العوامل البنيوية - وهي تتعلق ببنية النظام السياسي الليبي - التي أطلقت الثورة الليبية, فضلا عن عسكرتها في وقت لاحق, فيما لعبت عوامل أخرى ذات طبيعة ظرفية دورا كبير في الخروج إلى الشارع وكسر ثقافة التخويف.

فعلى صعيد العوامل البنيوية التي ساهمت في الثورة على نظام القذافي فيمكن تفصيلها فيما يلي:

 

1- انسداد سياسي هيكلي، إذ أن المؤتمرات واللجان الشعبية لم تعمق المشاركة المجتمعية في السياسة كما كانت تبتغي, بل ظلت أضعف من القذافي نفسه كما أن دورها كان محدودا في تحديد توجهات الدولة,حتى أن المؤتمرات الشعبية اتخذت ذات مرة قرارا برفع الضرائب، فخطب بعدها قائلا إنه يلغي القرار لأنه يعرف الشعب أكثر منها.

 

لقد أزاح القذافي كل معارضيه في مجلس قيادة الثورة الذين قادوا الانقلاب العسكري معه، وأبرزهم الرائد عبد السلام جلود الذي لجأ إلى قبيلته "المقارحة"، كما تم اغتيال بشير الهوادي وعوض حمزة في عام 1975, ولقي المصير نفسه عمر المحيشي عام 1984. كما انشق عليه عبد المنعم الهوني، منذ ربع قرن، قبل أن يعود, ويتصالح مع القذافي، ثم يستقيل مع ثورة فبراير 2011.

 

2- توريث السياسة والأمن، إذ أن الزعيم الليبي أطلق العنان لأبنائه في أن يحلوا محل مجلس قيادة الثورة, عبر سيطرتهم على الملفات الرئيسية في البلد, وكأنه يقيم هيكلا غير رسمي بموازاة المؤسسات الرسمية بما أضعفها، فسيف الإسلام الذي نظر له على أنه وجه إصلاحي، هيمن على ملف السياسة والإصلاح في مؤسسات الدولة، بينما سيطر معتصم وخميس والساعدى على الملفات الاقتصادية والأمنية.

واستغل القذافي بروز ابنه سيف الإسلام منذ عام 2003 في محاولة تحسين صورة النظام الليبي أمام الغرب, وتخفيف وطأة الضغوط الدولية, إذ اقترح سيف الإسلام مشروعا إصلاحيا, وانتخابات وفتح الحريات وإقامة مجتمعٍ مدني، إلا أن اقتراحاته ذهبت أدراج الرياح بعد ثماني سنوات، حيث وأد المشروع على يد اللجان الثورية وبعض القوى القبلية المستفيدة من الشرعية الثورية للقذافي.

اللافت أن سيف الإسلام ذي النظرة الإصلاحية, تحول إلى نسخة أكثر حدة وعنفا من أبيه القذافي, عندما بدأت الاحتجاجات في بنغازي, إذ خير الثوار ما بين بدء حوار لعمل إصلاح أو الحرب وتدمير ليبيا.

 

3- استثمار القبلية في إضعاف الدولة, إذ استطاع القذافي ابن قبيلة القذاذفة في سرت استثمار التحالفات القبلية في دعم نظامه وإضعاف الدولة, وتحييد الحركة السياسية داخل المجتمع، ولعل القبائل لعبت دورا في قمع الاعتراضات الطلابية في السبعينيات، كما شكل الزعيم الليبي ما يسمى بـ"الإدارة الشعبية الاجتماعية" في العام 1993, لاحتواء شيوخ القبائل عبر إيلاء أدوار سياسية ومجتمعية لهم في إدارة الدولة.ولعل القذافي في حربه مع الثوار ظل محتفظا بتحالفه مع المقارحة, وهي المسيطرة على طرابلس كورقة تؤمن موقفه، رغم أن هناك قبائل خرجت عليه مثل  الزوية والورفلة والطوارق والتوبو.

 

4- فشل اقتصادي, فرغم أن ليبيا دولة نفطية على غرار دول الخليج إلا أن ثمة فارقا شائعا في مؤشرات التنمية الاقتصادية والبشرية, فبينما يصل متوسط دخل الفرد في قطر لـ73 ألف دولار، لا يزيد في ليبيا عن 14 ألف دولار وهو رقم لافت قياسا بثروات البلاد ومحدودية السكان إذ لا يزيدون عن 6.5 مليون نسمة، كما تعاني ليبيا من نسبة بطالة تصل لـ30% في مجتمع غالبيته من الشباب.

وبجانب هذه المؤشرات فثمة فوارق جمة بين البنى التحتية في ليبيا ودول الخليج, رغم الحجم الهائل من العوائد النفطية - تجاوزت الـ66 مليار دولار في تقرير للبنك الدولي في العام 2010 - والتي غالبا ما توزع على أجنحة النظام والقبائل المؤيدة للقذافي.ولا تتمتع ليبيا بترتيب إيجابي على مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية، فقد حلت بالمرتبة رقم 146 من بين 178 دولة في تقرير مدركات الفساد لعام 2010, وهو ما يعد مؤشرا على تغلغل الفساد المالي في أبنية الدولة.

 

5- إضعاف المؤسسة العسكرية، إذ عمد القذافي على مدار عقود حكمه على إضعاف المؤسسة العسكرية، خوفا من أن تكون أداة التغيير السياسي في المجتمع بعد هيمنته على القوى القبلية والمدنية، لذا بدا الفارق واضحا بين المؤسسة العسكرية المصرية ذات الطابع الوطني التي لعبت دورا في حماية ثورة 25 يناير, وبين المؤسسة العسكرية الليبية التي تتشكل من ولاءات عشائرية وقبلية وغالبية قياداتها من المقربين للقذافي، لذا انقسمت على نفسها مع إطلاق ثورة 17 فبراير من بنغازي.

 

ولم يتورع القذافي عن جعله المؤسسة العسكرية الليبية أشبه بحالة المليشيات الشعبية لأنه يؤمن بأن السلاح يجب أن يكون في أيدي الشعب, لذا فليس غريبا أن يتم حل الجيش الليبي بعد هزيمته في تشاد ثم يعيد تشكيله على أسس ولائية مرتبطة به، تحت مبررات جماهيرية السلاح، وإن كان البعض قد رجح القرار آنذاك لخوف القذافي من الاستياء داخل صفوف المؤسسة العسكرية وأن ثمة مؤشرات على الانقلاب ضده.

القذافي لجأ أيضا إلى إنشاء هيكل عسكري داخل الجيش يدعى الكتائب الأمنية يقودها أبناؤه وهي أفضل تسليحا من الجيش نفسه, وتقود الحرب ضد الثوار. ولعل هذا الإضعاف للجيش دفع إلى وقوع انشقاق في القوات المسلحة خاصة أبو بكر يونس وزير الدفاع الذي انضم إلى قوات الثوار.

 

إن مثل هذه العوامل الهيكلية التي وفرت بيئة للثورة على النظام ساندتها عوامل ظرفية أطلقت شرارة الثورة ضد نظام القذافي، ومنها:

 

اعتقال المحامي فتحي تربل في فبراير 2011 الذي كان يمثل عائلات السجناء الذين قتلوا عام 1996 في إطلاق النار عليهم داخل سجن أبو سليم في طرابلس، وهو ما دفع أهالي السجناء إلى الخروج في بنغازي يوم الخامس عشر من فبراير للمطالبة بإطلاق سراحه وكسر حاجز الخوف.

 

الدعوة إلى يوم غضب في السابع عشر من فبراير عبر الفيس بوك, على غرار ما حدث فى مصر وتونس واليمن وغيرها, حيث نزل آلاف المتظاهرين إلى الشوارع، ورغم تهديدات سيف الإسلام في مداخلته على التلفزيون يوم الأحد 20 فبراير بنشوب حربٍ أهلية, إلا أن الاحتجاجات استمرت, مما أدى إلى قمع أمني عنيف وسقوط قتلى، ولأنه كلما زاد مستوى العنف أدى إلى التفكك, فقد وقعت انشقاقات في صفوف القوات المسلحة التي رفضــت قتل المتظاهرين, وهو ما أدى إلى عسكرة الثــورة الليبية.

 

حالة عدوى ونفاذية عربية، كاستنساخ الشعارات المطالبة بإسقاط النظام, وعدم التوقف عند تنازل النظام أو الضغط عليه لإدخاله في حلقة مفرغة من التراجعات حتى يسقط, وتوظيف أدوات الأنترنت الشبكية في التواصل والدعوة للاحتجاجات, وإطلاق أوصاف على أيام الاعتصام والمسيرات (جمعة الغضب  أو التحدي أو الرحيل) في ميادين عامة لها رمزيتها كميدان التحرير في القاهرة, وساحة التغيير باليمن ودار اللؤلؤة في البحرين, وساحة الجامع الحسيني في الأردن.

 

ثالثا : أزمة التدخل الدولي والثورة على القذافي .

 

تحولت الثورة الليبية بخلاف حالات مصر وتونس واليمن إلى حرب أهلية دفعت القوى الكبرى (حلف شمال الأطلسي, الولايات المتحدة) للتدخل العسكري، عبر فرض حظر طيران تحت ذريعة حماية المدنيين من هجمات قوات القذافي من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1973.

 

وبدا للمراقبين أن نظام القذافي سينهار سريعا مع بدء الضربات الجوية للناتو والولايات المتحدة التي لم تدخل المعركة بثقلها, ونقلت القيادة لحلف شمال الأطلسي، إلا أن ثمة صمودا لافتا لكتائب القذافي, عبر ممارسة عملية الكر والفر وتبادل السيطرة على بعض مدن الشرق الليبي.

 غير أن هنالك أسبابا وراء صمود القذافي وقواته, حتى وقت كتابة هذه السطور، ومن أبرزها:

 

ضعف قوات الثوار, وعدم تلقيهم تدريبات كافية، فضلا عن عدم التنسيق بين قياداتها السياسية والعسكرية، إلى جانب عدم امتلاكها للأسلحة الثقيلة, إذ لا زال النظام الليبي متفوق عليها في التكتيكات العسكرية, ولولا الضربات الجوية لتحالف الناتو التي أبقت على التوازن العسكري بين الثوار وكتائب القذافي, لكان من الصعوبة أن يظل الثوار محتفظين حتى ببنغازي.

 

مخاوف الناتو من التدخل البري، إذ لا توجد حرب أهلية تنتهي عبر القصف الجوي، فلابد من نزول القوات إلى البر لحسم المعركة, غير أن هذا الخيار يجد صعوبة كبيرة لدى الناتو الذي يعاني من انقسام حول العملية في ليبيا, بسبب التخوف من تكرار نموذجي العراق وأفغانستان، كما قد تؤدي أية عملية برية إلى تحول الرأي العام داخل ليبيا إلى مساندة نظام القذافي.

 

في الوقت نفسه, فإن الناتو لا يرغب بتسليح قوات المعارضة، خشية أن يقع السلاح في يد تنظيمات وجماعات متشددة, يمكن أن تشكل تهديداً للغرب، كما أن التفويض الذي عملت بمقتضاه قوات الولايات المتحدة ودول حلف الناتو يستند في الأساس إلى حماية المدنيين، وبما يعني عدم التدخل كطرف مباشر مع المعارضة لإحراز نصر عسكري على قوات القذافي.

 

عدم دخول أمريكا بثقلها في العمليات العسكرية ما يجعل الحلف ضعيفاً ولعل سلوك إدارة أوباما في هذه الأزمة, أرجعه البعض إلى المخاوف من التورط في المستنقع الليبي، بما يضعف فرص الديمقراطيين في أية انتخابات قادمة، لاسيما أن سلبيات تجربة الرئيس السابق جورج بوش في العراق وأفغانستان لا زال مؤثرا على الرأي العام الأمريكي.

 

ثمة ضغوطات اقتصادية على الناتو قد تصعب من تسريع وتيرة الضربات الجوية, إذ أن بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا تنفق ما يقرب مليار دولار أمريكي في الأسبوع الواحد، وهو ما يعد عبئا اقتصاديا, قد يؤثر على مواقف الناخبين في الغرب من العملية في ليبيا, بالإضافة إلى ذلك، دفعت الحرب إلى ارتفاع أسعار النفط الدولية، ما يؤدي إلى تعرض الدول المستهلكة للنفط في أمريكا وأوروبا إلى معاناة شديدة.

 

اللافت في الحالة الليبية هو توسيع نطاق التدخل الدولي ليتجاوز الهدف الأول وهو فرض منطقة حظر طيران وغارات جوية محدودة على مدرعات القذافي إلى استشارات عسكرية وتمويل المعارضة من أرصدة القذافي المجمدة, وهو ما اعتبرته الصين وروسيا – اللتان امتنعتا عن التصويت على القرار 1973 - خرقا لقرار مجلس الأمن ولوحا بالتهديد باستخدام الفيتو, إذا حاول الناتو تعديل العقوبات على ليبيا، كما اتهما التحالف بضرب أهداف مدنية, وقالا إن مجلس الأمن هو من يقرر طريقة الإفراج عن الأموال المجمدة, وأن الحوار السياسي يكفل الخروج من الأزمة الليبية.وفي الوقت الذي أقر الناتو أنه من الصعب أن يحل الخيار العسكري الأزمة في ليبيا, دافع عن ضرباته الجوية, واعتبر أنها ستؤدي إلى انهيار القذافي مع تكثيف الضغوط عليه, لكن خبراء أمريكيين يرون أن القذافي قد عزز قواته وتحالفاته القبلية في الوسط والغرب, بما يكفيه للصمود طويلا في وجه المعارضة، ولو عنى ذلك تقسيم ليبيا إلى شطرين.

 

 ثمة مخاوف من تحول التدخل الدولي في ليبيا  من أغراضه الإنسانية إلى الأغراض السياسية, لاسيما أن ليبيا من أبرز مصدري النفط لأوروبا, وبالتالي فقد يجتذب هذا التدخل في حال استمراره لفترة طويلة تنظيمات أصولية في الساحل والصحراء تهدد الإستراتيجية الغربية في شمال أفريقيا.

 

 إن التدخل الدولي في الحالة الليبية, والذي يراه البعض بمنطق الشر الذي لابد منه لفشل الثوار وحدهم في إسقاط القذافي يهدد ربيع الثورات في المنطقة بشكل عام, إذ ظل أحد أبرز ملامح هذه الحالة الثورية العربية تحييد العامل الخارجي كما في مصر وتونس واليمن وسوريا، وهو ما لم يتحقق في الحالة الليبية.

 

رابعا: خيارات القذافي.. سيناريوهات متعددة

يمكن القول أن نظام القذافي قد انتهى سياسيا وليس عسكريا, إذ أنه من الصعب أن تعود العجلة إلى الوراء خاصة مع ملابسات الحرب الأهلية التي استطاع الثوار السيطرة فيها على الشرق, غير أن سيناريو النهاية للقذافي ونظامه الذي يتمسك بالبقاء يتأرجح بين احتمالات عدة, من أبرزها:

 

ثمة احتمال للانشطار المناطقي في ليبيا في إطار دولة واحدة بين الشرق والغرب, إذا استمر نظام القذافي على قدرته في الصمود العسكري، على غرار التجربة القبرصية, فلا تزال قبرص منقسمة جزءاً للقبارصة الأتراك وآخر للقبارصة اليونانيين دون انقسام حقيقي كدولة مستقلة، ولعل ضربات الناتو التي تهدف لإحداث توازن بين قوات القذافي والثوار قد تساعد على هذا الاحتمال, ولكن هذا السيناريو تواجهه مشكلة تقسيم النفط بين مناطق الشرق والغرب، فضلا عن تداعياته على دول الجوار العربي والأفريقي.

 

تعرض القذافي للاغتيال أو انشقاق القوات الموالية له, إذا استمرت الضربات الجوية لفترة أطول, مما يؤدي إلى انفجار الوضع داخل طرابلس وتخلى القبائل عنه, وتمهيد الطريق لتولي حكومة انتقالية تديرها المعارضة السلطة، غير أن البعض يقلل من هذا الاحتمال في ظل قدرة القذافي على الصمود عدة أشهر أمام الضربات الجوية, بما يقوي موقفه أمام القبائل الموالية له وقواته.

 

أن يقبل القذافي مفاوضات للخروج من السلطة مع الحصول على ضمانات بعدم المحاكمة له أو لأبنائه. وهذا الاحتمال لن يحدث بسهولة، خاصــة في ضوء شخصية القذافي العنيدة الذي قد يفضل الموت على فكرة الخروج مهانا.

 

قصارى القول إن القذافي يعد نموذجا فريدا من الحكام المستبدين الذين لم يقتصروا فقط على ممارسة السلطة المطلقة دون محاسبة وإنما أضر ببنية الدولة الليبية نفسها عندما صاغ نظاما سياسيا أضعفها ولم تكن فيه أي مشاركة حقيقية للمجتمع, وخال من الحريات, وهو ما أدى إلى الاحتجاج عليه, ولم يعد بالإمكان العودة إلى الوراء, أو حتى الحديث عن إصلاح النظام.

 

المراجع:

1- للمزيد حول شخصية القذافي النفسية والسياسية, أنظر : وليام زارتمان، "السياسة الخارجية الليبية والسعي نحو البطولة"، بهجت قرني وعلي الدين هلال (محرران)،السياسات الخارجية للدول العربية (القاهرة: مركز الدراسات السياسية، جامعة القاهرة، 1994).

2  -Guy Arnold, the Maverick State, Gaddafi and the New World Order (London. Welling House, 1996.

3- خالد حنفي علي, السياسة الخارجية الليبية تجاه أفريقية غير العربية, رسالة ماجستير, معهد البحوث والدراسات الأفريقية, جامعة القاهرة, 2005.

4- ـــــــــ، قضية لوكيربي.. التأثير الداخلي والخارجي على ليبيا, الجزيرة.نت, 3 -10 -2004.

5- د.جاسم حسين, الاقتصاد الليبي والفرص الضائعة, صحيفة الاقتصادية السعودية, 2 أبريل , 2011.

6- سمير صبح,الاقتصاد الليبي... تحليلات أقرب الى الفرضيات، الحياة اللندنية, 11 مارس 2011.

7- الحرب الليبية و" القوة الذكية " الأمريكية، صحيفة الشعب اليومية الصينية (باللغة العربية), 8 إبريل

 2011http://arabic.people.com.cn/31662/7345037.html

8- رشدي لي, الأزمة فى ليبيا.. المستقبل والاحتمالات والتداعيات, صحيفة الشعب اليومية الصينية (باللغة العربية)، 11 إبريل 2011.

9- الآمال تتضاءل في الإطاحة بالقذافي بالقوة العسكرية, تقرير لوكالة رويترز, 8 إبريل 2001.

10-زياد عقل, عسكرة الانتفاضة.. الفشل الداخلي والتدخل الخارجي في ليبيا, مجلة السياسية الدولية, عدد 185, إبريل 2011.

11-رشيد خشانة, انتفاضة في ليبيا على حكم البداوة وقائدها، لوموند دبلوماتيك,  إبريل 2011

12-   راجان مِنون، مستقبل ليبيا... سيناريوهات محتملة, صحيفة الاتحاد الإماراتية, 26 إبريل 2011.

13-جان بيار سيريني, النفط الليبي، من يدٍ إلى يد, لوموند دبلوماتيك, إبريل 2011

14- Frederic Wehrey  , Libya's Terra Incognita , Who and What Will Follow Qaddafi? February 28, 2011 http://www.foreignaffairs.com/articles/67551/frederic-wehrey/libyas-terra-incognita

15 -Dirk Vandewalle ,To the Shores of Tripoli ,Why Operation Odyssey Dawn Should Not Stop At Benghazi ,March 21, 2011, http://www.foreignaffairs.com/articles/67669/dirk-vandewalle/to-the-shores-of-tripol