دراسات ومقالات

 

الولايات المتحدة والثورة المصرية

تحديات الواقع وآفاق المستقبل

 

د. بدر حسن شافعي

خبير الشئون الأفريقية بجامعة القاهرة

 

لم تكن الثورة المصرية التي اندلعت في الخامس والعشرين من يناير مفاجأة لدى قوى الداخل فحسب, وإنما لقوى الخارج أيضا خاصة الولايات المتحدة بالرغم من أن تراجع شرعية النظام كانت متوقعة, وإنما المشكلة كانت في المفاجأة التي شكلت ارتباكا في الموقف الأمريكي والإسرائيلي أيضا. بالرغم من حديث كلا الطرفين عن ترتيبات ما بعد مبارك, وهو ما أكده الدكتور مصطفي الفقي رئيس لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشعب ثم في مجلس الشورى في حينها عندما أكد في مقاله المثير بالجدل والذي نشرته جريدة الأهرام من أن أي رئيس قادم بعد مبارك لا بد أن يحظى بموافقة واشنطن وعدم اعتراض تل أبيب..

 

معنى هذا وجود ترتيبات أمريكية وإسرائيلية لمرحلة ما بعد مبارك سواء تمثل هذا في شخصية مدنية" نجله جمال" أو شخصية عسكرية " عمر سليمان " وربما كان هذا الأخير هو رهان الولايات المتحدة خلال فترة ال18 يوما "عمر الثورة", إلا أن أحداث الثورة, والمواقف الرافضة لقوى الثورة لهذه الشخصية جعلت هذا الاقتراح الأمريكي مرفوضا.

 

هذا الاهتمام الأمريكي يرجع إلى العديد من الاعتبارات والمصالح الخاصة التي انعكست على التعامل الأمريكي مع الثورة من ناحية, كما قد تحدد هذه الاعتبارات ملامح الإستراتيجية الأمريكية المستقبلية تجاه مصر بعد الثورة من ناحية ثانية .

 

وفي هذا الإطار تناقش هذه الدراسة ثلاث نقاط أساسية:

الأولى : أهمية مصر في الإستراتيجية الأمريكية

الثانية : السلوك الأمريكي تجاه الثورة المصرية

الثالثة: الرؤية الأمريكية المستقبلية لمصر بعد الثورة

 

أولا: أهمية مصر في الإستراتيجية الأمريكية

تكتسب مصر أهمية إستراتيجية كبيرة لدى الإدارة الأمريكية سواء أكانت جمهورية أو ديمقراطية, وذلك لاعتبارات خاصة بالمصالح الأمريكية ذاتها، أو بمصالح الكيان الإسرائيلى الموالي لها على طول الخط..

 

فبالنسبة للمصالح الأمريكية المباشرة, فإن مصر تعد بؤرة حيوية هامة في الاستراتيجية الأمريكية انطلاقا من موقعها الجيو استراتيجي على اعتبار وجود قناة السويس بها, ومن ثم فهي منفذ هام ليس لدول العالم والدول الأوربية فحسب, وإنما لواشنطن أيضا, وسواء تعلق الأمر بالنسبة للاعتبارات الاقتصادية التجارية, أو الاعتبارات العسكرية "مرور السفن الأمريكية عبر القناة", فضلا عن أن مصر هي إحد الدول الهامة المطلة على البحر الأحمر, والذي طالما لعب دورا هاما في الصراعات الدولية قديما وحديثا, وسواء أتعلق الأمر بالصراع العربي الإسرائيلي" إغلاق المنفذ الجنوبي للبحر الأحمر إبان حرب 1973", أو حتى الصراعات الحيوية الهامة في المنطقة كالصراع العراقي الإيراني "حرب السنوات الثماني ",والتي دفعت إيران وفق بعض الروايات إلى تلغيم بعض المناطق في البحر الأحمر", وقد ازدادت هذه الأهمية لهذا البحر بعد بروز ظاهرة القرصنة قبل عامين في جنوبه حيث المحيط الهندي ".

 

ومن ناحية ثانية فإن الثقل النسبي لمصر في إطار ما كان يعرف بالنظام الإقليمى العربي كان محل اهتمام واشنطن التي عملت على تحجيم هذا الدور بصورة كبيرة منذ عهد عبد الناصر, أو احتواء النظام المصري وتطويعه لخدمة المصالح الأمريكية والإسرائيلية كما حدث إبان عهد السادات ومبارك. وهو ما أكد عليه وزير الأمن الداخلي الإسرائيلى أفي ديختر في محاضرته الشهيرة عام 2008 أمام الدارسين في معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب,حيث أشار إلى الاهتمام الأمريكي بمصر بعد رحيل عبد الناصر ومجئ السادات, والذي تم عبر مجموعة من المرتكزات المختلفة "سياسية, أمنية, اقتصادية, ثقافية" بهدف احتواء مصر, وضمان عدم حدوث أي تحولات دراماتيكية في النظام المصري بما قد يؤدي إلى تهديد المصالح الأمريكية أو الإسرائيلية على غرار ما حدث في تركيا بعد الحرب العالمية الثانية.

أما بالنسبة للمصالح الإستراتيجية الأمريكية غير المباشرة والمرتبطة بإسرائيل فهي تنبع من أمرين أساسيين  :

 

1-   الجوار الجغرافي بين مصر وإسرائيل, ومن ثم فإن إسرائيل تهتم دائما بوجود نظام مصري لا يهدد مصالحها القومية, بل أكثر من ذلك فهي ترغب في إيجاد نظام لا يقف عائقا أمام ممارساتها بحق الفلسطينيين, بل وإمكان دعمه لهذه الممارسات حتى ولو بصورة ضمنية.. وربما هذا ما حدث إبان حرب غزة نهاية 2008, وما تلاها من قيام مصر ببناء جدار عازل على طول الحدود لمنع تهريب السلاح كما تزعم تل أبيب, ولكن لمنع تهريب الطعام والسلع الأساسية, ومن ثم إضعاف حماس.. وتمكين السلطة الفلسطينية بقيادة أبو مازن الموالية لواشنطن وتل أبيب.

 

2-   معاهدة كامب ديفيد, والبنود الواردة فيها الخاصة بتأمين إسرائيل, ووجود قوات دولية وأمريكية في المنطقة العازلة تضمن ليس فقط عدم الاعتداء على إسرائيل, بل وإمكانية تدخلها إذا لزم الأمر لاستعادة سيناء, فضلا عن تصدير الغاز لتل أبيب بأثمان زهيدة, وهو ما جعل الولايات المتحدة, بل وإسرائيل كما أشار ديختر-حريصة- على بقاء مبارك, أو نجله, أو حتى عمر سليمان,وهو ما أشار إليه صراحة في محاضرته عندما أشار إلى "حرص تل أبيب على إقامة علاقات قوية مع أقوى شخصيتين يمكنهما لعب دور رئيسي في الإمساك بمقاليد الأمور بعد رحيل مبارك, وهما ابنه جمال واللواء عمر سليمان, وأشار كذلك إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل - وهما تتحركان بشكل حثيث لتأمين النظام القائم في مصر- تحرصان عبر ممثليهما المختلفين في مصر (السفارات والقنصليات والمراكز الأخرى) على تقديم كل صور العون لحملة انتخاب جمال مبارك رئيسًا للجمهورية بعد رحيل أبيه، والهدف من ذلك هو تمكينه من الفوز بتأييد الشارع والرأي العام المصري، ودعم أنشطته المختلفة الاجتماعية والثقافية لكي يصبح أكثر قبولاً من والده.

 

هذه الأهمية الاستيراتيجية لمصر زادت من وجهة نظر واشنطن بعد اندلاع الثورة لعدة أسباب أبرزها :

 

1-   عنصر المفاجأة التي هزت ليس فقط مبارك باعتباره رأس النظام، والرجل الذي ينفذ الأجندة الأمريكية بكل حذافيرها, بل وخلفاؤه أيضا سواء أكان هذا نجله جمال, أو حتى عمر سليمان.

 

2-   الخوف من انتقال فكرة الثورة من مصر إلى دول أخرى من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة,والتي تمارس القمع والقهر ضد شعوبها، وهو ما أكد عليه بوضوح ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأمريكى الذي قال إن رد فعل أمريكا يجب أن يتم بشكل سري بينها وبين مبارك ولا يتم الإعلان عنه حتى لا تهتز صورة أمريكا أمام حلفائها في المنطقة خاصة إن علاقة أمريكا بمصر قوية منذ 30 سنة والتخلي عنها من شأنه إثارة قلق بقية الحلفاء.

 

3-   الخوف من وصول طرف آخر للحكم في مصر ليست لواشنطن سيطرة عليه,هذا الطرف تحديدا هو "الإخوان المسلمين" الذي استخدمهم النظام دائما كفزاعة لتخويف الغرب من فكرة تطبيق قواعد الديمقراطية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة, خاصة انتخابات نوفمبر 2010.

 

4-  الخوف من قدوم نظم حكم في المنطقة تستند ليس فقط إلى المشروعية القانونية " عن طريق الانتخابات التي غالبا ما كانت مزورة أو تشهد عزوفا جماهيريا للمعرفة المسبقة بنتائجها", وإنما تستند أيضا إلى الشرعية المستمدة من التأييد الشعبي لهذه النظم, وبالتالي فإن تأثير الداخل على هذه النظم سيكون أكبر بكثير من تأثير الخارج وتحديدا الولايات المتحدة التي طالما لعبت على هذه الجزئية من حيث استقدام أو حتى دعم رؤساء لا يحظون بالشرعية, أو ينتمون إلى أقليات كما هو الحال في العديد من الدول الأفريقية المجاورة لمصر، حيث منطقة حوض النيل بدءا من الراحل جون جارانج في جنوب السودان, مرورا بموسيفيني في أوغندا, وبول كاجامي في رواندا، وميليس زيناوي في إثيوبيا. أو حتى خارج أفريقيا مثل ضياء الحق في باكستان, سوهارتو في أندونيسيا, رضا بهلوي في إيران, فرانكو في أسبانيا. وبالطبع حسنى مبارك الذي فقد شرعيته الشعبية بسبب ممارساته اللا ديمقراطية بحق قوى المعارضة على خلاف ألوان طيفها السياسي.وبالتالي فإن واشنطن كانت في مأزق حقيقي أمام هذه الثورة المصرية, فهي كانت بين خيارين كلاهما مر : الأول دعم حسني مبارك, وبالتالي وقوفها أمام الإرادة الشعبية, وهو ما قد يكلفها الكثير مستقبلا لاسيما في ظل النظرة الشعبية السلبية حاليا لواشنطن من دعمها للنظم القمعية في مواجهة الشعوب, والخيار الثاني هو التخلي عن دعم هذه النظم من أجل تحسين صورتها أمام الشعوب العربية, لكن كما قلنا إن نجاح هذه الثورة قد تمتد إلى باقي الدول الأخرى وبالتالي تراجع الهيمنة الأمريكية على النظم العربية.

 

وبالتالي وجدت واشنطن نفسها في مأزق حقيقي في ظل عنصر المفاجأة من ناحية, ومن حيث الاختيار بين الانحياز لهذه النظم غير الشرعية من ناحية, أو الانحياز للإرادة الشعبية التي قد لا تعترف بالهيمنة الأمريكية مستقبلا. وهذا ما انعكس على السلوك الأمريكي تجاه الثورة المصرية..

 

ثانيا :السلوك الأمريكي تجاه الثورة المصرية

 

لقد انعكس عنصر المفاجأة,والرغبة في بقاء نظام مبارك على سلوك الولايات المتحدة تجاه الثورة المصرية, والذي تميز بأمرين :

 

الأول : تأخر الرد انتظارا لما ستسفر عنه مجريات الأمور.

الثاني : تذبذب الموقف ما بين تأييد النظام, وتأييد الثورة, والمطالبة ببقاء النظام مع إدخال بعض الإصلاحات الإرضائية لهؤلاء, وما بين رحيل النظام وإحداث حالة من الانتقال السلمي للسلطة. وحتى هذا الخيار شهد تذبذبا أيضا ما بين الرغبة في الرحيل بعد انتهاء مدة الأشهر السبعة المتبقية, وما بين الرحيل الفوري.

 

ويمكن تقسيم الموقف الأمريكي من الثورة إلى ثلاث مراحل حكمتها ثلاثة سيناريوهات:

 

المرحلة الأولى :منذ اندلاع الثورة وحتى موقعة الجمل الشهيرة "2فبراير"

المرحلة الثانية : منذ موقعة الجمل وحتى ما قبل التنحي "11 فبراير"

 

المرحلة الثالثة : تنحي مبارك

 

أما السيناريوهات الثلاثة  التي حكمت الموقف الأمريكي خلال الثورة فهي كالتالي  :

 

الأول :دعم مبارك وتأمين الحماية لنظامه السياسي.

 

الثاني :تنحية مبارك والإتيان بعمر سليمان وتقويته مع الحفاظ على النظام السياسي القائم في مصر.

 

الثالث :تنحية عمر سليمان وإبداله بالجيش عن طريق انقلاب عسكري ناعم والقيام بتغييرات جزئية في الدستور الأساسي المصري من دون إجراء أي تغييرات أساسية في السياسة الخارجية خاصة فيما يتعلق بمعاهدة كامب ديفيد.

 

ولقد كان هناك تداخلا بين هذه المراحل والسيناريوهات على النحو التالي:

 

بالنسبة للمرحلة الأولى يلاحظ  تأخر إعلان الموقف الأمريكي من الثورة انتظارا لما ستسفر عنه الأحداث بعد يوم 25 يناير, وكان أول رد فعل صادر في هذا الصدد عن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون التي أشارت إلى أن الأوضاع في مصر مستقرة, والأمر يتطلب إدخال بعض الإصلاحات.. وهو ما يفسر تمسك الإدارة الأمريكية بمبارك..بالرغم من أن كلينتون أنكرت ذلك, بل أشارت عندما سئلت بعد الثورة عن أسباب هذا التذبذب, على أن واشنطن انتهجت منهجا متوازنا من الأزمة, ولم ترغب في الميل إلى أحد  طرفيها" في إشارة إلى مبارك" حتى لا يدفع ذلك طرف ما" أي مبارك" لعمل أي شئ لا نوافق عليه "في إشارة إلى إمكانية استخدام العنف".

 

ويلاحظ أن واشنطن كانت حريصة خلال هذه المرحلة على الحفاظ على مبارك, أو إعداد بديل له, وعدم تكرار النموذج التونسي المتمثل في رحيل الرئيس الفوري, على اعتبار أنه لو تكرر هذا السيناريو التونسي في مصر, فقد يصعب بعد ذلك السيطرة على الأوضاع في باقي المنطقة.. ومن هنا فإن هناك بعض التحليلات ترى أن واشنطن هي التي ضغطت على مبارك من أجل تعيين عمر سليمان تحديدا نائبا له من أجل امتصاص غضب المحتجين من ناحية, وطمأنة واشنطن وتل أبيب من ناحية ثانية, ثم إمكانية تفويض الصلاحيات له في حالة الاضطرار, وهو ما حدث في خطاب مبارك الثالث والأخير يوم 10 فبراير " ليلة التنحي".

 

أما بالنسبة للمرحلة الثانية, فهي الخاصة بموقعة الجمل الشهيرة, والتي اضطرت الولايات المتحدة ليس إلى تأييد ما جاء في خطاب مبارك الثاني قبل الموقعة بيوم, والخاص بعدم ترشحه لفترة قادمة بعد انتهاء مدة ولايته, وإنما مطالبته بالرحيل الفوري تماشيا مع باقي المواقف الدولية الأخرى كالمواقف الأوروبية أو الأممية " الأمم المتحدة", أو حتى التركية.

لكن يلاحظ هنا أمران :

 

الأول : أن المطالبة الأمريكية برحيل مبارك الفوري لم تتحدث عن خليفة مبارك, وهل سيكون في هذه الحالة رئيس مجلس الشعب بموجب الدستور, أم سيتم إعلان مرض الرئيس أو سفره للعلاج, وبالتالي سيؤول الأمر لعمر سليمان باعتباره النائب في هذه الحالة. ويبدو أن كلا الخيارين كان مقبولا لواشنطن.

 

الثاني : تغير الموقف الأمريكي بعد أيام, وعودة الحديث إلى المطالبة بالرحيل, لكن ليس الرحيل الفوري. وربما كان هذا الموقف سببا في زيادة حدة السخط الشعبي الذي جعل الجمعة التالية لأربعاء الجمل هي جمعة الرحيل" 4 فبراير", وربما ساهم هذا أيضا في الضغط الأمريكي على مبارك للقبول بالسيناريو الثالث, وهو ضرورة التنحي وإيكال الأمر للمؤسسة العسكرية التي تحظى بتأييد كبير من قبل واشنطن خاصة بعدما أكدت استطلاعات الرأي الأمريكية التي أجراها معهد جالوب الشهير لقياس توجهات الرأي العام  يوم 5 فبراير " أي بعد جمعة التنحي بيوم واحد" تأييد 82% من الأمريكيين للثورة المصرية مقابل عدم تعاطف 7% معها..ولعل هذا يفسر التسريبات الأمريكية قبل قيام مبارك بإلقاء خطابه الأخير " ليلة التنحي " بأنه سوف يرحل عن السلطة.وهو ما يكشف على أن واشنطن كانت على علم واتصال مع مبارك والمؤسسة العسكرية في آن واحد.

 

ثالثا : الرؤية الأمريكية المستقبلية لمصر بعد الثورة

في ضوء فهم الأهداف والمصالح الأمريكية بل والإسرائيلية تجاه مصر, فإن الإدارة الأمريكية تعكف الآن على بحث الوضع المستقبلي في البلاد بعد الثورة, ويلاحظ أن واشنطن ترغب في إطالة أمد المرحلة الانتقالية, بما يتيح لها المزيد من الوقت لدراسة الأوضاع , ومحاولة استقطاب الأطراف الجديدة التي أفرزتها الثورة, أو حتى توطيد العلاقات مع الأطراف القديمة الموالية لها " الليبراليين العلمانيين" من أجل احتواء الثورة، وبالتالي ضمان تحقيق مصالحها.

 

وبالرغم من صعوبة التكهن بهذه الرؤية, إلا أنه في إطار الاجتهاد العلمي,وفي ضوء تحليل المواقف السابقة للإدارة الأمريكية يمكن القول بأن الرؤية الأمريكية المستقبلية سترتكز على عدة أمور لعل أبرزها مايلي :

 

1- بالنسبة للمؤسسة العسكرية، ستعمل واشنطن على استمرار توطيد علاقاتها بالمؤسسة العسكرية باعتبارها حجر الزاوية في تحقيق الاستقرار في البلاد, كما هو الحال خلال المرحلة  الانتقالية,لاسيما في ظل حالة التأييد الذي تحظى به لدى القوى الشعبية،  بل قد تدفع واشنطن أحد الشخصيات العسكرية لترشيح نفسه في انتخابات الرئاسة ليحدث التزاوج والتآلف بين المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية, لاسيما وأن قيادات المؤسسة العسكرية لديها روابط جيدة بواشنطن.. ولعل هذا يفسر أسباب عدم مساس واشنطن بالمعونة المقدمة للمؤسسة العسكرية والتي تبلغ 1.3 مليار دولار سنويا مقابل 800 مليون دولار للمعونات المدنية بالرغم من تلويح  الإدارة الأمريكية أكثر من مرة بتقليص هذه المعونة, كما رفضت مطالب بعض أعضاء الكونجرس في هذا الشأن.

 

2- بالنسبة للسلطة التنفيذية, خاصة فيما يتعلق بالرئيس القادم, فإن واشنطن ستعمل على دعمها الخفي غير المعلن لبعض الشخصيات التي لها علاقة وطيدة بها, واستغلال وجود أكثر من مرشح من أجل ابتزاز الرئيس القادم لمصر تحقيقا للأجندة الأمريكية. هذا الدعم الخفي حتى لا يؤدي الدعم العلني إلى نتائج عكسية في ظل حالة الاحتقان الشعبي ضد واشنطن .

 

3- بالنسبة للسلطة التشريعية, سوف تحاول واشنطن استقطاب بعض العناصر الشبابية, ومساعدتهم بصورة غير علنية في تشكيل أحزاب, مع إبراز هذه الأحزاب من خلال وسائل الإعلام الخاصة من أجل ضمان نجاح نسبة منهم على الأقل في الانتخابات البرلمانية.. وإن كان هذا الأمر سيحتاج وقتا طويلا ربما يتجاوز الانتخابات القادمة خاصة في ظل رفض فئات كثيرة من شباب الثورة الموقف الأمريكي المؤيد لمبارك من ناحية, وبسبب ضعف الثقل الشعبي لهؤلاء الشباب الذين يمكن استمالتهم, فضلا عن وجود بعض العقبات الخاصة بعملية تمويلها في ضوء قانون الأحزاب الجديد, وإن كانت هذه الجزئية يمكن التحايل عليها بعدة طرق. ويتوازى مع هذا الشأن استمرار دعم القوى العلمانية التقليدية إما من خلال عملية التمويل، أو من خلال الصحف ووسائل الإعلام التي يمكن أن يمتلكها هؤلاء.

 

وبالطبع فإن هناك بعض القوى التي لا ترغب واشنطن في سيطرتها على الساحة السياسية, وتحديدا الإخوان المسلمون, فإذا كانت الإدارة الأمريكية تعمل على إظهار قبولها بنتائج عملية التحول الديمقراطي في مصر, فإنها ستسعى لعدم سيطرة الإخوان على الساحة, وتحجيمهم قدر الإمكان عبر إثارة مخاوف الأقباط والقوى العلمانية من هؤلاء, خاصة فيما يتعلق بقضايا تطبيق الشريعة على غير المسلمين وغيرها.

 

على أية حال فإن هامش التحرك الأمريكي خلال الفترة القادمة لم تتضح ملامحه الكلية بعد، فإذا كانت الأهداف الأمريكية واضحة, فإن المشكل دائما يكون في الآليات التي يتم الاستعانة بها لتحقيق هذه الأهداف..وربما هذا الذي تبحثه واشنطن حاليا.

 

أما في حالة وصول نظام حكم غير مرغوب فيه أمريكيا, فإن الخطة الأمريكية لإسقاطه جاهزة عبر الوسائل الديمقراطية أيضا, وهو ما أشار إليه كتاب صادر عن أحد المؤسسات الأمريكية الشهيرة في الولايات المتحدة, وهي مؤسسة بيت الحرية"freedom house" في واشنطن,والتي يرأسها شخص يهودي قيل إنه تحول إلى المسيحية وينتمي إلى اليمين المسيحي المتطرف هو بيتر أكرمان, هذه المؤسسة التي تحصل على تمويلها من الخارجية الأمريكية, وهذا الرجل" أكرمان" يعملان على نشر فكرة تغيير الأنظمة بصورة ديمقراطية غير عنيفة من خلال دعم مراكز حقوق الإنسان, وبعض الصحف المستقلة على مستوى العالم. ولقد أصدرت هذه المؤسسة كتيبا بعنوان: "كيفية الفوز بالحرية " قام نائب أكرمان ويدعي السفير مارك بالمر بعرضه أمام لجنة الشئون الخارجية بمجلس الشيوخ "يونيو2006"..الكتاب يتضمن ‏67‏ طريقة لقلب نظم الحكم بصورة سلمية من خلال منظمات المجتمع المدني بتكتيكات المقاطعة والمظاهرات الكبرى‏,‏ وتعطيل المرور والإضرابات والاعتصامات والعصيان المدني وتجريد الحكام من الشرعية وتقليص مصادر دعمهم من خلال تحويل ولاءات من يحمونهم من الشرطة والجيش والمخابرات‏..‏ والمطالبة  بزيادة الدعم المالي لنشطاء حقوق الإنسان في المناطق المرغوب التخلص السريع من أنظمتها السياسية‏..‏ والأهم تدبير وسائط الإنترنت والهاتف المحمول لتسهيل الاتصالات الدولية بين النشطاء الذين سيقومون بالانقلاب وبين داعميهم في الخارج‏,‏ وزيادة تمويل الإعلام المستقل الموجه أمريكيا بنحو‏100‏ مليون دولار سنويا وتسليمها لنشطاء حقوق الإنسان‏..‏ وتوصيل الدعم المالي مباشرة للنشطاء الشبان في المرحلة الوسطي من العمر".

 

هذا الكلام الهام الصادر عام 2006 يكشف عن التكتيكات الأمريكية في التعامل مع النظم غير المرغوب فيها أمريكيا مثل نظام شيفرنادزه في جورجيا 2005, ويانكوفيتش في أوكرانيا 2006, ولولا أن نظام مبارك مرغوب فيه أمريكا, لكان يمكن تصديق ما يروجه البعض من وقوف أمريكا وراء الثورة المصرية.. لكن إذا كانت هذه الثورة المباركة قد خرجت من براثن وأنياب واشنطن, فإن الأخيرة تتربص ما ستسفر عنه مرحلة ما بعد الثورة, فإذا أفرزت نظاما يحقق لها مصالحها, ومصالح إسرائيل بالتبعية فلا بأس في ذلك, أما إذا كان الأمر خلاف ذلك, فإن خطة" بيت الحرية" جاهزة للتطبيق مع إدخال بعض التعديلات عليها.

الهامش

1 - راجع في هذا الشأن, فهمي هويدي، ماذا يدبرون للثورة في الخفاء ؟، موقع قصة الإسلام نقلا عن الجزيرة نت, http://www.islamstory.com

2 - مي سمير, سيناريوهات أمريكا للتعامل مع ثورة المصريين، جريدة الفجر المصرية على الرابط التاليhttp://www.elfagr.org/Portal_NewsDetails.aspx?nwsId=5435&secid=51

3 - الدور الأمريكي والثورة المصرية : تغيير شكل النظام أم إطاحة كاملة ؟ موقع اسلام تايمز على النتhttp://www.islamtimes.org/vdchvxnm.23n-idt4t2.html

4 - حول هذه الاستراتيجية انظر أسامة الدليل، الثورة الامريكية المصرية القادمة، 17 / 6 / 2006، في الرابط التاليhttp://alrubiay.elaphblog.com/posts.aspx?U=2682&A=76451