04 ديسمبر 2021 03:42 ص

المرأة المصرية والقضاء

الخميس، 31 ديسمبر 2015 - 12:00 ص

مضي ما يزيد علي نحو نصف قرن والمرأة المصرية تسعي بشتى السبل لنيل حقها في أن تترأس منصة القضاء فعلي الرغم من عدم وجود نص دستوري يمنع تولي المرأة القضاء فقد ظلت منصة القضاء منصبًا عصيًا على المرأة لسنين كثيرة، وظلت المرأة المصرية تنادي بأحقيتها في اعتلاء منصة القضاء كأقرانها من الرجال، وناضلت المرأة كثيرا من أجل هذا الحلم
كما أن الشريعة الإسلامية لا تمنع تولي المرأة منصب قاضية ففي فتوى أصدرتها المؤسسة الدينية في مصر بتاريخ 22-10-2002 موقعة من كل من شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي ومفتي الجمهورية السابق / الدكتور أحمد الطيب ووزير الأوقاف/ الدكتور محمود حمدي زقزوق، حين خاطب وزير العدل الأسبق المستشار/ فاروق سيف النصر هذه الجهات مجتمعة من أجل معرفة الموقف الشرعي من قضية تعيين المرأة في القضاء وجاء نص الفتوى كالآتى :
«لا يوجد نص صريح قاطع من القرآن الكريم أو من السنة النبوية المطهرة يمنع المرأة من تولي وظيفة القضاء " .
وبالرغم من أنها فتوى صريحة وواضحة وضوح الشمس، فإن كثيرًا من القضاة وللأسف شيوخهم الرافضين لتولي المرأة القضاء دائما ما يرددون في حجتهم لرفض تعيين المرأة في القضاء، أنه أمر مخالف للشريعة الإسلامية .

موقف المشرع المصري من اشتغال المرأة بالقضاء

وبالنظر للنصوص الدستورية والقانونية فلا يوجد فيها من النصوص ما يمنع من تولى المرأة لوظائف القضاة.


(1) الوضع الدستوري:
- نص الدستور المصري الصادر سنة 1971 في المادة 40 منه علي أن "المواطنون لدي القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة ".
بل نص فى مادة 8 على أن " تكفل الدولة تكافؤ الفرص لجميع المواطنين "
- كما تنص المادة 11 منه علي أن "تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في مجتمع ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية".
- كذلك تنص المادة 14 من الدستور علي أن" الوظائف العامة حق للمواطنين" .
وإن العمل حق وواجب وشرف تكفله الدولة للمواطنين (مادة 12).

- ولما كانت القوانين يجب أن تدور في فلك الدستور، فإننا نجد قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 لم يشترط من بين الشروط التي تطلبتها المادة 38 منه فيمن يعين في القضاء أن يكون من الذكور، وسارت علي ذلك النهج باقي القوانين المنظمة للهيئات القضائية، فلم تضع أي حظر علي التحاق المرأة بالعمل فيها.

(2) المواثيق الدولية:
اما بالنسبة للمواثيق الدولية فنجد ايضا انها نصت علي مبدأ المساواة واحترام حقوق الإنسان وحماية الخدمات الأساسية للجميع، وذلك انطلاقاً من ميثاق الأمم المتحدة الصادر سنة 1945، ومروراً بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1966، كذلك الشأن في الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالمرأة ومنها:
اتفاقية الحقوق السياسية للمرأة سنة 1952 التي نصت في مادتها الثالثة علي أن
«للنساء أهلية تقلد المناصب العامة وممارسة جميع الأعمال المقررة بمقتضي التشريع الوطني بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون تمييز».
- كذلك نصت علي مبدأ المساواة، اتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18 ديسمبر سنة 1979، وكانت مصر من أوائل الدول العربية التي وقعت عليها في 20 يوليو سنة 1980 وأقرتها بموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 434 لسنة 1981،
وقد صدقت عليها مع بعض التحفظات التي تتعلق بوجوب عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية، ومن المعلوم أن هذه الاتفاقيات تكون لها وفقاً للفقرة الأولي من المادة 151 من الدستور قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقاً للأوضاع المقررة.

الخلاصة البنيان القانوني المصري :

- مما تقدم يتبين أن البنيان القانوني المصري لا يميز بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات العامة، ولا يورد علي قاعدة المساواة إلا قيداً واحداً نصت عليه المادة 11 من الدستور، كما ورد في صورة تحفظ علي اتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة.. هذا القيد هو عدم الإخلال بأحكام الشريعة الإسلامية.
ولكن نجد أن العرف والتقاليد القضائية قد جريا علي عدم تعيين المرأة من مناصب القضاء لا علي أساس من القانون أو الدستور، وإنما لاعتبارات الملاءمة واعتبار أحوال وظيفة القضاء وملابستها وظروف البيئة وأوضاع العرف والتقاليد، وهي جميعها اعتبارات مخالفة للأصول الدستورية ولا تبرر تعطيل نصوص القانون.
ثم جاء قرار رئيس الجمهورية فى 2003 بتعيين السيدة تهانى الجبالى بمنصب قاضية بعد معركة طويلة استمرت أكثر من ٥٠ عام من تقديم أول طلب وأصبحت عضواً في هيئة المحكمة الدستورية العليا وهي أعلي درجات السلم القضائي .
وفى سبتمبر ٢٠٠٦ طلب وزير العدل من رئيس محكمة النقض رئيس المجلس الأعلى للقضاء في مصر.
على تعيين المرأة "قاضية" من حيث المبدأ، وطبقا للقواعد المنصوص عليها في قانون السلطة القضائية ، وذلك إعمالا للمادة ٤٠ من الدستور المصري .
وفى ابريل ٢٠٠٧ أصدر الرئيس مبارك قرارا جمهوريا بتعيين ٣١ قاضية من اللاتي تم اختيارهن من بين ١٢٤سيدة تقدمن لهذا العمل من عضوات هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة ويعد هذا القرار خطوة هامة على طريق المواطنة الكاملة.
وفى ٩ ابريل ٢٠٠٧ أدت ٣٠ قاضية اليمين القانونية أمام مجلس القضاء الاعلي برئاسة رئيس محكمة النقض رئيس مجلس القضاء الاعلي ، والمتقدمات من عضوات هيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة , تم تعيين العديد منهن في هيئة قضايا الدولة وفي هيئة النيابة الإدارية وقد بلغ عدد النساء في هيئة قضايا الدولة ٧٢ امرأة عام ٢٠٠٤ من مجموع عدد أعضاء الهيئة الذي بلغ ١٩١٢ عضواً.
- بلغ عدد النساء في النيابة الإدارية نحو ٤٣٦ امرأة من مجموع أعضائها البالغ نحو ١٧٢٦ عضواً أي بنسبة ٢٥% .
وتولت المرأة المصرية رئاسة هيئة النيابة الإدارية فترتين متتاليتين,وهما المستشارة /هند عبد الحليم طنطاوى فى الفترة من 1998 إلى 2000 ثم تولت المستشارة / ليلى عبد العظيم جعفر رئاسة الهيئة من 2000 الى 2001
وشارك أعضاء هيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة من النساء في الإشراف القضائي على الانتخابات التشريعية التي أجريت عام ٢٠٠٠
كما شاركن في عضوية لجان التوفيق في المنازعات الذي أخذ به المشرع المصري بالقانون رقم ٧ لسنة ٢٠٠٠ إذ تتولي المستشارات السابقات من هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية رئاسة عدد من اللجان المشار إليها.
موقف مجلس الدولة :-
قد ساير قضاء مجلس الدولة المصري وجهة النظر التي تحظر علي المرأة تولي منصب القضاء عندما أثيرت أول مرة عام 1951، حيث تقدمت الدكتورة عائشة راتب وزيرة الشئون الاجتماعية السابقة وأستاذة القانون الدولي العام بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وسفيرة مصر السابقة للتعيين في مجلس الدولة ورفضها طلبها
فلجأت إلي القضاء الإداري الذي قضي برئاسة المرحوم الدكتور عبدالرازق السنهوري، بعدم أحقيتها علي أساس أن :-
( قصر بعض الوظائف كوظائف مجلس الدولة والقضاء علي الرجال دون النساء لا يعدو هو الآخر أن يكون وزنا لمناسبات التعيين في هذه الوظائف تراعي فيه الإدارة بمقتضي سلطتها التقديرية شتي الاعتبارات من أحوال الوظيفة وملابساتها وظروف البيئة وأوضاع العرف والتقاليد دون أن يكون في ذلك حط من قيمة المرأة ولا ينال من كرامتها، ولا إنقاص من مستواها الأدبي والثقافي ولا يحط من نبوغها وتفوقها ولا إجحاف بها، وإنما هو مجرد تخيير الإدارة في مجالس تترخص فيه لملاءمة التعيين في وظيفة بذاتها بحسب ظروف الحال وملابساتها كما قدرتها هي، وليس في ذلك إخلال بمبدأ المساواة قانونا، ومن ثم فلا معقب لهذه المحكمة علي تقديرها ما دام قد خلا من إساءة استعمال السلطة).
(محكمة القضاء الإداري جلسة 2 فبراير سنة 1952 الدعوي رقم 30 لسنة 4ق، مجموعة أحكام القضاء الإداري السنة 6، مج2، ص 484 القاعدة رقم 17).
وقد أثيرت هذه القضية للمرة الثانية في قضية السيدة هانم محمد حسن الموظفة الإدارية بمجلس الدولة عام 1978، عندما تقدمت للتعيين في إحدي الوظائف الفنية به، ورفض مجلس الدولة طلبها، ولجأت إلي محكمة القضاء الإداري، ورفضت طلبها وقضت المحكمة الإدارية العليا بعد أحقيتها لذات الاعتبارات التي أوردها حكم محكمة القضاء الإداري في عام 1952 .
فنخلص من الأحكام المتقدمة إلى ان القضاء الإداري المصري يرى ان مبدأ المساواة بين الجنسين في تولي الوظائف العامة لا يمنع من ان تقصر بعض الوظائف على أحد الجنسين ، وذلك بحسب ظروف الحال وملابساتها التي ترجع إلى عوامل البيئة واحكام التقاليد أو إلى
طبيعة الوظيفة ومسؤولياتها وما تتميز به من مشقة أو ما يكتنفها من مخاطر وتتمتع الإدارة في ظل هذه الظروف بسلطة تقديرية لا تخضع فيها لرقابة القضاء إلا بالنسبة لإساءة استعمال السلطة.
ويلاحظ ان القضاء الإداري المصري ما زال حتى الآن مستقراً على حرمان المرأة من تولي المناصب القضائية بمجلس الدولة وقد صدر في هذا الشان حكم من المحكمة الإدارية العليا قضى برفض تعيين موظفة إدارية بمجلس الدولة المصري في الوظائف الفنية به وقد استند هذا الحكم إلى السلطة التقديرية المخولة للجهة الإدارية في تقدير ملاءمة تعيين المرأة في منصب معين.
كما استند إلى الدستور الذي ينص على ان الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع ، وانه لذلك يجب عدم الإخلال بما تقضي به أحكام الشريعة الإسلامية .
وهذا القضاء هو محل نظر، لأن العرف أو التقاليد لا يستطيعان أن ينسخا نصا من القواعد الآمرة في القانون، والأمر هنا لا يتعلق بقاعدة قانونية، بل بنصوص دستورية صحيحة في الدلالة علي وجوب المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات وفي تولي الوظائف العامة .
وإذا كان قضاء مجلس الدولة السابق الإشارة إليه أخذ بمعيار الملاءمة في إقصاء المرأة من وظيفة القضاء فإن إعمال النصوص الدستورية أولي من إهمالها وهي نصوص قاطعة في عدم التمييز بين الرجل والمرأة في أي من الحقوق والواجبات.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى