04 أكتوبر 2022 05:35 ص

عودة الشيطان الأكبر

السبت، 24 ديسمبر 2016 - 08:31 ص

صحيفة " الباييس " الإسبانية    15/ 12/ 2016

بقلم : لويس باسيتس

ترجمة : إيمان يحيى

 

عادت الولايات لتصبح من جديد الشيطان الأكبر، فقد استغرق ذوبان الجليد بينها وبين إيران عامًا، وذلك إذا حسبنا المدة منذ رفع العقوبات عن إيران فى يناير الماضى، ولكنَّها تصل إلى أكثر من ذلك إذا حسبناها بدءًا من توقيع الاتفاق النووى فى عام 2015 بين إيران والقوى العظمى الخمس: الولايات المتحدة، وروسيا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبى.

وقد تخلَّت جمهورية إيران الإسلامية عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم، الذى يمكنها فى وقت قصير جدًا من امتلاك السلاح النووى، وفى المقابل؛ أفرج المجتمع الدولى عن ودائع وحسابات مُجمدة تبلغ قيمتها مائة مليار دولار، والتى أسهمت فى دعم الاقتصاد الإيرانى الضعيف بشكل كبير .

وبدءًا من 20 يناير القادم؛ قد تصبح هذه الفترة فترة فاصلة إذا نظرنا إلى أفكار الرئيس الأمريكى المنتخب الذى يعتبر الاتفاق النووى "نوعًا من الغباء "، ويرغب فى التفاوض بشأنه من جديد، كما أنه يعتبر إيران عدوه الاستراتيجى فى الشرق الأوسط ، خاصة فى حال القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية ، كما ذكر فى برنامجه الانتخابى .

وكان" آية الله الخومينى"- هو مَن أطلق تعبير الشيطان الأكبر فى عام 1979 للإشارة إلى الولايات المتحدة أثناء فترة قطع العلاقات التى استمرت 35 عامًا – والآن أعاد الرئيس الإصلاحى "حسن روحانى" استخدام هذا التعبير لمهاجمة ترامب، ورغبته فى إعادة النظر فى الاتفاق النووى والانفتاح الاقتصادى الذى بدأته إيران، وفى الوقت نفسه؛ سارعت إيران بتوقيع اتفاقيات للتبادل التجارى والاستثمار فى مجال النفط والغاز مع كلٍ من الاتحاد الأوروبى، وروسيا، والصين من أجل تجاوز فترة الجمود، التى أعلن عنها البيت الأبيض.

وبفضل الاتفاق النووى؛ سوف تحقق إيران فى عام 2017 نموًا اقتصاديًا لن يقل عن 4,5% وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولى، وفى العام الماضى – حيث تم تنفيذ الاتفاق النووى – ارتفع معدل إنتاج البترول بنسبة 30% وبلغ 3,7 مليون برميل يوميًا، وهو رقم يقترب من معدل الإنتاج فى عام 2011، والذى بلغ 4,3 مليون برميل يوميًا قبل فرض العقوبات التى كان لها تأثير مدمر على الاقتصاد الإيرانى. وقد ساعد النظام الإصلاحى الإيرانى فى إتمام زيادة إنتاج النفط من خلال التفاوض مع منظمة "أوبك"، التى سمحت لإيران بمواصلة السير فى طريق استعادة حصتها فى سوق النفط، فى الوقت الذى قامت فيه المملكة العربية السعودية بخفض معدل إنتاج النفط لمنع المزيد من الانخفاض فى سعره.

وينبغى لهذه النجاحات الاقتصادية أن تدعم الإصلاحيين فى مواجهة المحافظين المتشددين، خاصة قبل الانتخابات الرئاسية، التى ستجرى فى العام القادم، ولكن من الواضح أنها غير كافية، ولا تسمح لهم بتحمُل مضايقات ترامب لهم عند وصوله إلى البيت الأبيض.

وتُبقى الولايات المتحدة على العقوبات، التى كان الكونجرس قد وافق على فرضها على إيران؛ بسبب تجاربها على الصواريخ البالستية، ورعايتها للإرهاب، والآن؛ صوَّت مجلس الشيوخ بالإجماع على زيادة صلاحيات الرئيس من أجل معاقبة إيران لمدة 10 سنوات أخرى، فى إشارة لعدم ثقته فى طهران، ومثل هذه الإصلاحات كان من الممكن أن تصبح مجرد صلاحيات شكلية فى أيدى "هيلارى كلينتون"، ولكنَّها قد تتحول فى أيدى ترامب إلى أداة لإلغاء الاتفاق النووى.

وقد انتهج أوباما استراتيجية متعددة الأطراف وذات مسارات مزودجة، للضغط على إيران، وهى زيادة العقوبات من جهة، والحوار الدبلوماسى من الجهة الأخرى، دون استبعاد شن هجوم على المنشآت النووية، مثلما أوصته كلٌ من إسرائيل والمملكة العربية السعودية، عدوا إيران وخصماها الاستراتيجيان، وعلى عكس ذلك؛ نحن لا نعرف شيئًا عن استراتيجية ترامب سوى ميله إلى التهديد، وعدم ثقته فى الوسائل الدبلوماسية والاستراتيجيات متعددة الأطراف.

ومن جهة أخرى؛ يفضل صقور النظام الإيرانى والمرشد الأعلى للثورة "على خامئنى "الحفاظ على استمرارية البرنامج النووى؛ نظرًا لتجربة ليبيا، حيث إنها تعرضت لتغيير النظام بعد تخليها عن مشروعها النووى، وتجربة كوريا الشمالية، التى حافظت على نظامها بفضل استمرار برنامجها النووى، كما أنه قد لا يغضبهم إلغاء الاتفاق الذى قد يسمح لهم باستئناف تصنيع القنبلة النووية؛ ولذلك وصف المدير الحالى لوكالة المخابرات الأمريكية" جون برينان" اقتراح  ترامب إلغاء الاتفاق النووى، بالكارثة والجنون .

وتمثل تصرفات ترامب تهديدًا للتحالفات والهياكل الأمنية، التى تم تكوينها على مدى عقود؛ بدءًا من التحالفات التى ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية، مثل حلف شمال الأطلنطى، واتفاق الدفاع المشترك بين اليابان والولايات المتحدة، مرورًا بالمعاهدات التى تم إبرامها خلال الحرب الباردة؛ مثل معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وانتهاءً بالاتفاقات التى تم عقدها مؤخرًا، خاصة تلك التى وقعها أوباما مثل؛ اتفاق إعادة العلاقات مع كوبا، والاتفاق النووى مع إيران .

ولم يأخذ الاتفاق النووى شكل اتفاق دولى، حيث إن ذلك الأمر كان يتطلب موافقة غير ممكنة، فمن المستحيل أن يوافق الكونجرس الأمريكى على مجرد اتفاق تنفيذى، تم توقيعه من جانب الرئيس أوباما حيث يمكن إلغاؤه دون أية مشكلات من جانب الرئيس المُنتخب "دونالد ترامب" كما وعد من قبل.

وهناك شكوك حول وجود أى آثار مترتبة على مثل هذا الإلغاء؛ حيث إن إلغاء هذا الاتفاق متعدد الأطراف قد لا يؤثر على بقية دول المجموعة (5+1) الموقِعة عليه وهى؛ فرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وروسيا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبى، فالعقوبات الجديدة، التى قد تفرضها واشنطن على إيران لا تؤثر بالضرورة على شركات الدول الموقعة الأخرى، وفى حالة تأثرها؛ سوف يؤدى ذلك إلى العديد من  التنازع التجارى، وفضلًا عن ذلك؛ سوف تسمح هذه العقوبات للنظام الإيرانى بالعودة بشكل مشروع إلى تخصيب اليورانيوم.

وقد يصبح إلغاء الاتفاق النووى حافزًا صريحًا للانتشار النووى فى المنطقة، خاصة بالنسبة للمملكة العربية السعودية؛ فهى تعتبر نظام "آيات الله" بمثابة تهديد وجودى ومركز لدعم الإرهاب، وهو ما يتوافق مع رؤية إسرائيل له أيضًا، وعلى المدى القصير، قد يتم طرح احتمال شن هجوم إسرائيلى على المنشآت النووية الإيرانية على الطاولة من جديد، كما أنه قد يتم على المدى المتوسط والمدى البعيد طرح مسألة تصنيع المملكة العربية السعودية القنبلة النووية بمساعدة حليفتها باكستان، القوة النووية الإسلامية الوحيدة.

وبالنسبة لإيران؛ فقد كانت فترة أوباما بمثابة فترة جيدة لها، فبمجرد وصوله إلى البيت الأبيض فى عام 2009؛ وجًّه رسالة مباشرة إلى الشعب الإيرانى بمناسبة العام الجديد أشار فيها إلى العلاقات الدبلوماسية، ودعا إلى بداية جديدة فى العلاقات بين البلدين، وعندما غادر البيت الأبيض ترك إرث الاتفاق النووى، الذى يعد بابًا مفتوحًا لإدراج طهران فى المجتمع الدولى، وهو يشبه الباب الذى فتحه "نيكسون" فى عام 1972 لإذابة الجليد بين الولايات المتحدة والصين.

وليس من قبيل الصدفة أن يرغب دونالد ترامب فى غلق جميع الأبواب التى فتحها نيكسون منذ 44 عامًا مع الصين، والتى فتحها أوباما فى الوقت الحالى مع كلٍ من كوبا وإيران.

 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى