04 أكتوبر 2022 05:50 ص

روسيا بين الطموحات القديمة والجديدة فى الشرق الأوسط

السبت، 24 ديسمبر 2016 - 08:37 ص

معهد دراسات السياسة الدولية الإيطالى ٢٠ / ١٢ / ٢٠١٦

بقلم: كارلو فرابى

ترجمة: أحمد خضر

 

مَثّل التفاهم الروسى التركى المتزايد منذ بداية القرن الحالى فى العديد من النقاط غير المتوقعة؛ واحدة من أهم ظواهر المرحلة الانتقالية التى تلت الثنائية القطبية للساحة اليوروآسيوية.

وفى سبيل التقدم نحو مساحاتٍ إقليميةٍ مشتركة، مدفوعةٍ بعوامل ذات طبيعةٍ تاريخيةٍ، وجغرافيةٍ، وثقافية، نجحت موسكو وأنقرة فى استبدال منطق الصراع السائد حتى الآن، إلى منطق للتعاون، والميل نحو المنافسة المتعقلة المستندة على تعميق هوامش الاعتماد المتبادل على بعضهما البعض.

وعلى خلفية عمليات الالتقاء التكتيكى البراجماتى التى قادت التقارب الروسى التركى؛ تبلورت اليوم العديد من عناصر التفاهم الإستراتيجى بين البلدين، ومن هنا ارتفع الرصيد التركى تجاه روسيا تدريجيًا خلال الخمسة عشر عامًا الماضية بالاعتماد على الشبكة الدبلوماسية الخارجية.

وعلى أساس المسار الجديد للسياسة الخارجية- الذى ترك وراءه التجاوزات الأيديولوجية، والاعتبارات الرمزية التى ميزت النظرة الدولية لتركيا خلال أعوام التسعينات- هدفت أنقرة إلى إيجاد سلسلة من الشراكات الثنائية، البراجماتية المرنة، مع أهم الفاعلين فى المحور اليوروآسيوى.

ومن ثم؛ فمن الممكن أن تؤدى شبكة العلاقات هذه- والخالية من القيود التنظيمية- إلى تعظيم التأثير الروسى فى مشاهده الإقليمية، والخارجية المتعددة.

وعليه؛ جعلت من موسكو مفتاح الدخول إلى نظام التحالفات المرنة التى فى حال تجمعت سويًا، قد تسمح بموازنة القوة الأمريكية القائمة حاليًا.

على هذا الأساس؛ ارتفعت أسهم تركيا لدى روسيا كمتحدثٍ رسمى شبه إجبارى؛ ليس فقط فى منطقة الشرق الأوسط- الحاضرة الآن وبصورةٍ مأساوية فى قلب الأجندة الدولية- وإنما أيضًا فى باقى المشاهد الإقليمية، والخارجية المؤثرة، انطلاقًا من القوقاز والبلقان، وحتى المنطقة الشرقية للبحر المتوسط، والبحر الأسود.

وفى خضم التفاهم الروسى التركى- الذى تعزز اليوم بعد أزمة المقاتلة الروسية التى أسقطها الطيران التركى فى نوفمبر ٢٠١٥ - برزت العديد من المصالح الاقتصادية العملية، من بينها؛ قطاع الطاقة- الذى مثل عاملًا ذا أهمية مؤكدة، والدليل على ذلك هو أن تركيا تعتبر الآن ثانى أكبر الأسواق التجارية للغاز الروسى بعد ألمانيا، والشريك القسرى للمسار المعقد الرامى لبلوغ الأسواق الأوروبية، من أجل الالتفاف حول عملية نقل الغاز عبر أوكرانيا، خاصةً بعد تبدد مشروع أنابيب الغاز "ساوث ستريم".

فى المقابل؛ تمثل واردات الغاز الروسى بالنسبة لتركيا الفقيرة من الموارد الطبيعية، فضلاً عن سد حوالى ٦٠ % من الاحتياج الداخلى لأنقرة، عاملاً حيويًا فى محاولتها التاريخية لتعزيز الموقف الاستراتيجى والجغرافى للبلاد، مما يجعل من أراضى الأناضول محورًا حاسمًا فى توزيع مواد الطاقة فى أوروبا.

مع ذلك؛ فلرؤية أوضح لعملية التقارب الروسى التركى، بدت هنالك أيضًا مواقف إستراتيجية واسعة لكلا الفاعلين الاثنين، ونظرًا لإرثهما الإمبريالى- الذى خلف لديهما آثارًا عميقة فى ثقافتيهما الاستراتيجية- أعادت موسكو وأنقرة اكتشاف مركزية جديدة فى النظام الدولى قائمة، فى روسيا، على نشر التوجه اليوروآسيوى.

من ناحية أخرى؛ ترتكز عودة اكتشاف أهمية النظام الدولى المعاصر على عامل آخر لا يقل أهمية، والذى يميز نقطة التقارب المحورية فى النظرة الاستراتيجية لموسكو وأنقرة، إذ يربطهما فى الواقع وبصورةٍ لصيقة فكرة سقوط الغرب، والتى تتوقف على تمثيل نموذج مرجعية اجتماعية، واقتصادية، ومؤسسية، وبما أن روسيا وتركيا وصفا طويلاً النموذج الغربى بأنه عامل مميز للحداثة والتقدم، فمن الصعب التقليل من إمكانية الابتعاد عنه.

وبالتالى، يُظهر التفاهم الحديث بين موسكو وأنقرة حول الملف السورى الرغبة المشتركة فى تأكيد مبدأ الملكية الإقليمية لما يتعلق بقضايا الأمن الإقليمى، الذى تبنى بالفعل فى الماضى البحث عن هوامش التعاون على المستوى الإقليمى.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى