09 ديسمبر 2022 07:12 ص

التحديات المتزايدة للقومية الاقتصادية

السبت، 04 فبراير 2017 - 09:36 ص

صحيفة"فينانشيال تايمز" البريطانية

31/1/2017

مقال افتتاحى

ترجمة: عزة عبد ربه

 

يشعر الكثير من الناس فى جميع أنحاء العالم بحالة من الصدمة فى الأسبوع الأول لتولى الرئيس الأمريكى المنتخب "دونالد ترامب" السلطة، حيث أعلن خلاله عن تخليه عن الاتفاقات التجارية أو قام بالتشكيك فيها كما أحدث المزيد من الفوضى على الحدود الأمريكية بسبب منع المهاجرين من دخول الولايات المتحدة باسم الأمن الوطنى.

وجدير بالذكر أن كبار رجال الأعمال فى الولايات المتحدة- خاصةً أصحاب  الشركات التى استفادت إلى حد كبير من "العولمة" فى أسواق السلع، والخدمات، ورءوس الأموال والأشخاص- يناقشون بصورة عاجلة كيفية الرد على هذا الأمر. وكذلك نظراؤهم فى أوروبا وآسيا.

    فقد كان للعديد من المديرين التنفيذيين وكبار رجال الأعمال، وخاصةً فى قطاع التكنولوجيا، الفضل فى تغيير العالم عندما كانت الأمور تسير فى طريقها الصحيح. والآن يتم تحدى القيم المترسخة منذ فترة طويلة- وتتعرض الكثير من أنشطتهم وأعمالهم التجارية للتهديد بسبب القومية الاقتصادية التى ينشدها "ترامب"- وأمام هذه الشركات فرصة.

إما أن يسعى أصحاب هذه الشركات للتهرب من السياسة الحمائية (وهى السياسة الاقتصادية لتقييد التجارة بين الدول وتثبيط الواردات، وهى تهدف إلى حماية السوق الداخلية من المنافسة الخارجية)، وذلك من خلال اتخاذ قرارات تستند على استرضاء البيت الأبيض. أو أن يصمدوا إزاء حقهم فى المطالبة بالمطالب الخاصة بأعمالهم، وهو الأفضل لأنفسهم ولموظفيهم وعملائهم، وعلى وجه الخصوص حرية تنقل الموظفين والتجارة عبر الحدود. ويتوقف بعض من أهمية مستقبل العولمة على رد الفعل الذى يتخذونه حيال هذا الأمر.

وحتى قبل وصول "ترامب" للبيت الأبيض، كان الوضع المهيمن الذى كانت تتمتع به الشركات متعددة الجنسيات فى الاقتصاد العالمى يبدو هشًا. إذ إن العولمة خلال فترة تسعينيات وألفينيات القرن الماضى،  حدثت فيها دفعة قوية، حيث إن تلك الفترة شهدت سلاسل توريد تمتد إلى جميع أنحاء العالم، وسلاسل التوريد تقوم بتحويل المواد الطبيعية والمواد الخام والمكونات إلى المنتج النهائى الذى يتم تسليمه إلى العميل النهائى، وكانت الشركات متعددة الجنسيات، وهى تُعد من أهم ملامح العولمة،  تمارس موازنة تكلفة العمالة عن طريق تحديد وإقامة خطوط الإنتاج فى الصين.

     وهناك بلدان مثل الصين رفعت قيمة السلاسل التجارية، حيث تم إدخال سلاسل التوريد المصنفة من قبل فى اقتصادها. وليس هناك ماهو غير صحى فى ذلك: فبدلًا من أن تعكس سياسة الحمائية على غرار ثلاثينيات القرن الماضى، اتخذت ببساطة  قرارات متعلقة بالمجال التجارى على أساس الأجور والتكنولوجيا والإنتاجية.

وحتى قبل انتخاب "ترامب"، كانت هناك مؤشرات على أن الشركات متعددة الجنسيات كانت تثير معارضةً سياسية. وكان يُلقَى باللوم على الإنتاج الوارد من الخارج- (عادة يكون هذا الأمر على نحو خاطئ، ولكن حتى إذا كان ذلك كذلك) – فى الضعف وعدم القدرة على توفير فرص عمل فى البلدان المتقدمة. ومشكلة التخطيط الضريبى  الذى تستخدمه الشركات متعددة الجنسيات، والتى تقوم بتحويل المقرات فى الخارج أو إنشاء هياكل قانونية معقدة لتكون قادرة على تحويل الأرباح للولايات القضائية ذات نسب الضرائب المنخفضة، قد تسببت أيضًا فى إثارة غضب الرأى العام. وبخلاف الحركات المناهضة للعولمة فى تسعينيات وألفينيات القرن الماضى، أصبحت"الشعبوية" المعادية للشركات بمثابة قوة مؤثرة على اليمينيين وكذلك اليساريين، كما ساعدت فى دفع "ترامب" الى الانضمام الى البيت الأبيض.

وفى الأيام القليلة الماضية، كان هناك على الأقل استجابة حاسمة بعض الشىء من كبار رجال الأعمال للحظر الذى فرضه ترامب على المهاجرين، لاسيما رجال الأعمال الذين لديهم قوى عاملة دولية وتتمتع شركاتهم بأشياء كبيرة يخشون فقدانها. وقد أوضح كبار المديرين التنفيذيين لشركة "أبل"، و"جنرال إلكتريك" وهى شركة صناعية وتكنولوجية أمريكية ضخمة، و"جولدمان ساكس" وهى مؤسسة خدمات مالية واستثمارية أمريكية ومتعددة الجنسيات، و"جوجل" و"تويتر"، أوضحوا جميعهم أنهم يختلفون مع القرار الذى أصدره "ترامب".

       ومع ذلك يظل رد فعل القطاع التجارى الأوسع غير واضح. فالرئيس الذى لديه القدرة على أن يمحو ملايين الدولارات من الرسملة السوقية لشركة ما مع نشر تغريدة غاضبة عن ممارساتها لايمكن الاستخفاف به. فعندما بدأ "ترامب" بوصفه الرئيس الأمريكى المنتخب، فى تعقب الشركات الفردية من أجل بناء المصانع فى الخارج، اختارت شركتان مستهدفتان –  وهما شركة "كارير" وهى أكبر شركة مصنعة وموزعة لأنظمة تدفئة وتبريد الهواء فى العالم، وشركة "فورد" وهى شركة دولية ذات أصل أمريكى لتصنيع السيارات – اختارتا الخضوع؛ ففى حالة "كارير" ومع تلقى رشوة ضرائب باهظة من الدولة المضيفة لها، وعدت بتوفير مئات من فرص العمل فى الولايات المتحدة. والأخرى، وهى شركة "تويوتا" اليابانية العملاقة لإنتاج السيارات، فقد اختارت بكل شجاعة الدفاع عن قرارها ببناء مصنع فى المكسيك ووضع بعض خطوط الإنتاج هناك .

    وإذا أرادت الشركات، بدلًا من ذلك، الوقوف فى وجه "ترامب"، فإنها سوف تواجه تحديات فى كسب قوة الجذب السياسية. غير أن النقد الصريح الذى وجهته البنوك الاستثمارية وشركات التكنولوجيا، التى تميل إلى توظيف عدد صغير نسبيًا من الموظفين الذين يتقاضون أجورًا مرتفعة فى الولايات التى تصوت لصالح الديمقراطيين، من غير المرجح أن يثير قلق الرئيس على نحو مفرط. ومثل شركة "أبل" والتى شنت معركة إعلامية واسعة بسبب مشكلاتها فى دفع الضرائب الأمريكية، واجهت بعض الشركات الانتقادات بزعم عدم إظهار الولاء لبلادها- وذلك برغم الشعبية الكبيرة التى تحظى بها منتجاتها بين المستهلكين الأمريكيين.

جدير بالذكر أن مديرى الشركات يحسبون الآن تكلفة التركيز بشكل أكبر على المراجحة الضريبية والشعارات الرنانة الخاصة بالاقتصاد العالمى بدلًا من إقناع الشعب بقيمتهم فى المجتمع. وأفضل نتيجة بالنسبة للولايات المتحدة والعالم تتمثل فى اتخاذ موقف ضد دوافع ومساعى الحمائية التجارية الوحشية التى ينتهجها "ترامب" وذلك فى قراراتهم التجارية وتصريحاتهم العامة. فقد استفادوا من التجارة الحرة والأسواق الحرة، وهم بحاجة الآن الى الانطلاق للدفاع عنها. 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى