أخر الأخبار

×

أخر الأخبار

27 نوفمبر 2022 05:21 م

مغازلة روسيا

السبت، 18 فبراير 2017 - 09:12 ص

مجلة "الإيكونوميست" البريطانية11-17/2/2017

مقال افتتاحى

ترجمة: رِهام رفعت

 

"ترامب" ينشد صفقة كبرى مع "فلاديمير بوتين".. إنها فكرة رهيبة

نظر "جورج دبليو بوش" إلى عينى فلاديمير بوتين وظن أنه استطاع سبر غوره. ولكنه كان مخطئًا. فقد حاول باراك أوباما "أن يجدد" العلاقات مع روسيا ولكن عند انتهاء فترة ولايته كانت روسيا قد ضمت جزيرة القرم، وأذكت أوار صراعٍ فى مناطق أخرى بأوكرانيا، وملأت فراغ السلطة الذى تركه أوباما فى سوريا. ويبدو أن دونالد ترامب يتطلع إلى الذهاب لأبعد من ذلك وتشكيل تحالفٍ إستراتيجى جديد تمامًا مع روسيا. فهل بإمكانه أن ينجح أم أنه سيكون الرئيس الأمريكى الثالث على التوالى الذى يحتال عليه بوتين ويفوقه دهاءً؟

إن تفاصيل تقارب ترامب مجددًا مازالت غامضة وقابلة للتغيير. ويعزى ذلك جزئيًا إلى الخلافات القائمة فى دائرته الداخلية. وحتى عندما قدمت سفيرته لدى الأمم المتحدة "إدانة واضحة وقوية" "للأعمال العدوانية الروسية" فى أوكرانيا، كانت العلاقة الوطيدة بين ترامب وبوتين مازالت متأججة. وعندما أجرت قناة (فوكس نيوز) لقاءً مع ترامب الأسبوع الماضى وصفت أمامه بوتين بأنه "قاتل"، أجاب قائلاً: "هناك الكثير من القتلة. فهل تظن أن بلادنا فى غاية البراءة؟".

وأن يدفع رئيس أمريكى بأن بلاده قاتلة شأنها شأن روسيا يعد أمرًا غير مسبوق وخاطئ، بل إنه يمثل منحة للدعائيين فى موسكو. وأن يعتقد ترامب أن بوتين لديه الكثير ليقدمه للولايات المتحدة يعد ضربًا من سوء التقدير، ليس للقوة والمصالح الروسية فحسب، بل أيضًا لقيمة ما قد تضطر واشنطن للتخلى عنه نظير ذلك.

فن الاتفاق يلتقى بقيصر السرقة

مرورًا باللغط الدائر حول ترامب، نجد أن السيناريو القادم بالنسبة لروسيا يبدو كالتالى: سوف تتحالف واشنطن مع بوتين من أجل تدمير "الإرهاب الإسلامى المتطرف" – وخاصةً تنظيم داعش.

وفى الوقت نفسه قد توافق روسيا على التخلى عن التعاون مع إيران، التى تعد عدوًا قديمًا للولايات المتحدة فى منطقة الشرق الأوسط، وتمثل تهديدًا لحلفائها بما فيهم البحرين والسعودية. وفى أوروبا، سوف تحجم روسيا عن إضرام الصراع، وستوافق على عدم التحرش بالدول الأعضاء فى حلف (الناتو) على حدودها، وربما تخوض محادثات للحد من الأسلحة النووية. وعلى المدى الأطول، قد تساعد أيضًا العلاقات الأوثق بروسيا على الحد من التوسع الصينى. وقد صرح (ستيفن بانون) العام الماضى، وهو أكثر مستشارى ترامب إثارةً للقلق، بأنه لا يساوره "أدنى شك" فى "أننا فى طريقنا إلى خوض حرب فى بحر الصين الجنوبى فى غضون ما يتراوح بين خمسة إلى عشرة أعوام". وإذ تحقق ذلك، فسوف تحتاج الولايات المتحدة إلى حلفاء، كما أن روسيا تمثل قوة نووية تمتد حدودها مع الصين إلى مسافة 4200كم (أى 2600 ميل) فما الذى لا يروقنا؟

إنها كل الأمور برمتها تقريبًا. ولعل القرصنة الإلكترونية الروسية قد ساعدت ترامب فى الانتخابات، ولكن ذلك لا يعنى أنه يستطيع الثقة فى بوتين. فمصالح الكرملين ومصالح واشنطن بينهما بون شاسع.

وعلى سبيل المثال فى سوريا يثير بوتين ضجة كبيرة حول محاربة الإرهابيين، الذين ينتمون إلى تنظيم داعش، ولكنه لم يبذل جهدًا حقيقيًا من أجل القيام بذلك. ولعل الثمن الذى ينبغى عليه أن يتكبده فى سبيل العمل مع واشنطن يكمن فى تأمين وجود عسكرى روسى دائم فى منطقة الشرق الأوسط من خلال دعم بشار الأسد، الذى اتضح هذا الأسبوع أن نظامه عمد إلى شنق آلاف السوريين بعد إجراء محاكمات لم تستغرق سوى دقيقتين أو ثلاث دقائق. وكل ذلك ليس فى صالح سوريا، ولا الاستقرار الإقليمى ولا حتى الولايات المتحدة. وحتى إذا اشترك بوتين وترامب فى التطلع إلى تحقيق هدف مشترك (ولكنهما ليسا كذلك)، وإذا لم يمانع الأمريكيون فى أن يصبحوا متواطئين مع الأهوال الروسية (لابد أن يمانعوا) فلن تستطيع القوات الأمريكية والروسية أن تقاتل بسهولة جنبًا إلى جنب. وأنظمتهم لا تعمل معًا. ولكى يفعلوا ذلك، فلابد من أن يتشاركوا الأسرار العسكرية، التى ينفق البنتاجون أموالاً طائلة من أجل حمايتها.

هذا إلى جانب أن الطائرات الروسية لا تضيف كثيرًا إلى قوة الائتلاف الجوى الذى يهاجم (داعش) بالفعل. وسوف تجدى القوات البرية، ولكن من غير المرجح إلى حد بعيد أن ينشرها بوتين.

وبالمثل، لا ترغب روسيا فى مواجهة إيران. فقوات الدولة الإيرانية مكملة للقوة الجوية الروسية. وتعد إيران سوقًا واعدة بالنسبة للصادرات الروسية. والأهم من كل ذلك أن البلدين جارتان تظهران كل أمارات العمل والتعاون معًا على إدارة الشرق الأوسط لا التطلع إلى التناحر من أجله.

وفكرة أن روسيا سوف تصبح حليفًا جيدًا ضد الصين تبدو أقل واقعيةً. فروسيا أضعف بكثير من الصين، حيث إنها منيت باقتصاد وشعب يواجهان تراجعًا وبجيشٍ أقل قوامًا. كما أن بوتين يفتقر إلى القوة والرغبة فى افتعال خلافٍ مع بكين. بل إنه على النقيض من ذلك يثمن التجارة مع الصين، ويخشى قوتها العسكرية، ويشترك فى أمور كثيرة مع زعمائها، على الأقل فى نزوعه إلى التنمر على جيرانه ونبذ تعاليم الغرب بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان. وحتى إذا كان من الحكمة بالنسبة لواشنطن أن تصعد المواجهة مع الصين– وهو ما ليس بحكمة– فلن يكون بوتين داعمًا لهذا التصعيد على الإطلاق.

غير أن الخطورة الأكبر، التى تكمن فى سوء التقدير من جانب ترامب تتمثل فى أوروبا.

فهنا تنقسم قائمة التطلعات لدى بوتين إلى ثلاث فئات: أمور لا ينبغى أن يبلغها حتى يحسن التصرف بشكل أفضل مثل رفع العقوبات الغربية، وأمور لا يجب أن ينالها تحت أية ظروف مثل الاعتراف باستيلائه على الأراضى الأوكرانية، وأمور سوف تقوض النظام العالمى القائم على قواعد مثل غض الطرف من جانب أمريكا عن سعى روسيا إلى إضعاف حلف (الناتو).

ويود بوتين لو أن ترامب أطلق يديه بحرية أكبر فى "الحدود القريبة" لروسيا، مثلاً عن طريق التخلص من الدفاعات المضادة للصواريخ فى أوروبا ووقف توسع (الناتو) بضم (مونتينيجرو) إلى عضويته والمزمع العام الجارى. ويبدو أن ترامب لا يدرك مدى ضخامة التنازلات التى سوف تتمثل فى كل تلك الأمور. فهو يدلى بتصريحات متضاربة حول قيمة حلف (الناتو)، حيث وصفه الشهر الماضى بأنه "صائر إلى زوال" ، ولكنه تعهد بدعمه الأسبوع الجارى. ويبدو أن بعض مستشاريه لا يبالون بما إذا كان الاتحاد الأوروبى يتداعى، فشأنهم شأن بوتين، يتعاطفون مع زعماء مثل السيدة (مارين لوبان) التى لا تنشد المزيد. وبينما يعترف بانون بأن روسيا تعانى من فساد حكومى مستفحل، فإنه يعتبر بوتين جزءًا من ثورة عالمية من جانب القوميين والتقليديين ضد النخبة الليبرالية – ومن ثم فإنه بطبيعة الحال حليف لترامب.

إن السعى إلى صفقة كبرى مع بوتين يعد ضربًا من الوهم. فلا يهم مدى عظمة ترامب كمفاوض، فلن يتم إحراز صفقة جيدة. والواقع أن الخطورة التى يتغاضى عنها الجميع تكمن فى أن ترامب، المخدوع، رقيق الإحساس، سوف ينتهى به الأمر إلى أن يتزعم خلافًا خطيرًا ومزعزعًا للاستقرار مع بوتين.

والأفضل من الصفقة أو الخلاف، العمل على مستوى الأمور الصغيرة، التى من شأنها تحسين علاقات الولايات المتحدة بروسيا. وقد يتضمن ذلك الحد من الأسلحة والحيلولة دون الصدام ولو بشكل عارض بين القوات الروسية والأمريكية.

ويتعين على الجمهوريين فى الكونجرس ومستشاريه الأكثر حكمةً مثل وزيرى الخارجية والدفاع ، أن يسعوا إلى إقناع ترامب بذلك. فالواقع أن البديل سوف يكون فى غاية السوء.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى