09 ديسمبر 2022 07:02 ص

عقلانية إسرائيل اللاعقلانية

الإثنين، 12 يونيو 2017 - 10:39 ص

مجلة " نيويورك رفيو أوف بوكس" الأمريكية

12/6/2017

بقلم: ديفيد شولمان

ترجمة: أحمد صالح

مراجعة: أمجد فتحي

تمر بإسرائيل فى يونيو من هذا العام الذكرى الخمسون لحرب الأيام الستة. حيث يحتفل بعض الإسرائيليين ـ ومن بينهم أعضاء فى الحكومة الحالية ـ بانتصار بلدهم الخاطف على مصر والأردن وسوريا بوصفه بداية الضم الدائم لكامل الضفة الغربية الفلسطينية، وآخرون مثلى أنا يأسفون لهذا النصر بوصفه بداية عملية بادية القسوة هى عملية الاحتلال والانهيار الأخلاقى الناجمة عن الاحتلال المستمر للضفة الغربية بجانب سيطرة إسرائيل على غزة بصفة غير مباشرة وإن تكن معيقة مع ذلك. يتصادف أن تتوازى حياتى داخل إسرائيل تمام التوازى مع الاحتلال. فقد جئت من الولايات المتحدة سنة 1967، ولم أكن صهيونيًا مؤدلجا بل كنت طالبًا شابًا وقع فى غرام مجنون باللغة العبرية. وإننى لأظن فى بعض الأحيان أن ولعى باللغة هو الذى أبقانى هنا خمسة عقود، برغم أننى الآن قد أود أن أضيف إلى الولع باللغة إحساسًا طاغيًا بأن قدرى وحظى الطيب جعلانى أتمكن من خوض صراع من أجل الخير.

كان البلد الذى جئت لأعيش فيه قبل خمسين سنة يختلف تمامًا عن البلد الذى أعيش فيه الآن. لم يكن يوتوبيا، ولكن مجتمعه كان بصفة عامة متسامحًا إنسانيًا، نسخة متوسطية لطيفة من الديمقراطية الاشتراكية الأوروبية. وخلافًا لما قد يرى البعض، لم يكن مجتمعًا استيطانيًا كولنياليًا. كان الخوف مستشريًا من العرب، بل والكراهية لهم، بمن فيهم عرب إسرائيل، ولكنه لم يكن يشبه من قريب أو بعيد العنصرية الفجة التى يسمع بها المرء الآن كل يوم فى الإذاعة وفى التليفزيون. لم يكن الخجل ـ الصادق أو المصطنع ـ قد اختفى كل هذا الاختفاء من الحياة العامة.

فى تلك السنوات المبكرة، كان أغلب الإسرائيليين لا يرون أن المناطق المحتلة ـ ومنها مرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء وكذلك الضفة الغربية وقطاع غزة ـ فرصة لتوسيع حدود الدولة من خلال الاستعمار بل وسيلة تفاوض فى تسوية سلام نهائية مرجوة مع العرب. لم يكن ثمة مستوطنات بعد فى المناطق ومن ثم لم يكن ثمة مستوطنون تبشيريون متعصبون، كان بوسع الجيش الإسرائيلى أن يزعم ـ بشىء من الإنصاف ـ أنه جيش الدفاع، لا قوة شرطة مبعوثة لتأمين استمرار مشروع الاستيلاء على الأرض الفلسطينية بدون مقاومة كبيرة من السكان المحليين.

وليس من الغريب فى شىء، أن يظهر عدد من الكتب الجديدة فى هذه الذكرى السنوية النكدة، من بينها ما يحاول أن يفهم كيف اختطف المستوطنون الدولة الإسرائيلية، وكيف تأبَّد احتلال أغلب المناطق التى تم الاستيلاء عليها سنة 1967 باستثناء سيناء. والذين يحاولون أن يفهموا الظروف التى أدت إلى حرب الأيام الستة سوف يجدون سردًا جيدًا، أفضل من أغلب السرديات السابقة، فى كتاب جاى لارون "حرب الأيام الستة: تحطيم الشرق الأوسط" [The Six-Day War: The Breaking of the Middle East ].

يدرس لارون الأوضاع المتغيرة التى سبقت اندلاع الحرب وحدّدته على نحو ما: ومن تلك الأوضاع تحول ليندون جونسون الحاد عن سياسة الحوار والدعم الاقتصادى القوى التى اتبعها جون كينيدى مع مصر فى ظل حكم جمال عبد الناصر (وكان عبد الناصر قد وعد كينيدى بإبقاء الوضع القائم "هادئا" بين العرب وإسرائيل) وتحركات رئيس الأركان الإسرائيلى إسحق رابين الساعية إلى الحرب مع سوريا. كان رابين ـ بحسب رواية لارون ـ يرمى إلى دخول حرب مع سوريا ويتحيَّن كل فرصة لدفع مجلس الوزراء الإسرائيلى فى هذا الاتجاه طوال الشهور الحاسمة فى ربيع 1967.

غير أن الأكثر إقناعًا بين الكتب الجديدة هو كتاب ناثان ثرول "اللغة الوحيدة التى يفهمونها" [The Only Language They Understand ] ويغطى العقود الخمسة الأخيرة منتهيًا إلى نتيجة مميزة هى أن: الطريق الوحيد المفضى إلى حركة ما باتجاه حل الصراع الإسرائيلى الفلسطينى لا يعدو استعمال قوة إجبارية كبيرة مع الأطراف المعنية، لاسيما إسرائيل.

أى قدر من التدليل والطمأنة، وأى زيادة فى الرشاوى التى تتخذ شكل المزيد من النقود أو الدعم العسكرى، لن يكون ذا أثر على السياسة الإسرائيلية، لسبب بسيط هو أن إسرائيل تعتبر أى تضحية لازمة من أجل السلام أسوأ كثيرًا من الحفاظ على الوضع الراهن. و"لن يكتب النجاح لأى استراتيجية" بحسب ما يكتب ثرول "إن هى قامت على أساس تصرف إسرائيل البعيد عن العقلانية". بموجب هذه القراءة للرؤية التى حركت جميع الحكومات الإسرائيلية ـ من اليمين وشبه اليسار والوسط ـ على مدار هذه العقود فإنه "لا معنى بالنسبة لإسرائيل فى إبرام صفقة اليوم بدلاً من الانتظار لترى لو أن ... التهديدات المتخيلة" من قبيل دولة أبارتيد تحكم الأغلبية الديمغرافية الفلسطينية، وبالتالى نهاية للديمقراطية الإسرائيلة، "قد تتحقق فعليًا". والافتراض بأن إسرائيل تسعى فعليًا إلى اتفاقية سلام هو ببساطة افتراض خاطئ، فتكاليف أى اتفاقية من هذا النوع ملموسة وفورية وربما تكون طاغية، ومن ضمنها فقدان الأرض، ونهاية الاحتلال، وانهيار سياسى محتمل، فى حين أن تكاليف الحفاظ على الوضع الراهن محتملة تمامًا بالنسبة لكثير من الإسرائيليين إن لم تكن مرغوبة ومشتهاة من بعضهم.

أعتقد أن ثرول أصاب فى هذا. إذ يتبين أنه ما من داع للنقاشات الأبدية حول أسباب فشل هذه المبادرة التوسطية أو تلك. بوسعنا تمامًا أن نكف عن التساؤل عن أسباب عقم العملية التفاوضية كاملة منذ بدايتها فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى. أكان ذلك لأن إيهود باراك لم يكن شديد التهذب مع ياسر عرفات فى كامبد ديفيد سنة 2000؟ أم لأن إيهود أولمرت كان مثقلاً بالفضيحة والأزمة السياسية حينما قدم أخيرًا عرضًا للرئيس الفلسطينى محمود عباس سنة 2008؟ واضح منذ سنين أن فكرة مفاوضات السلام بين الطرفين نفسها لم تكن أكثر من أداة تأبيد للاحتلال لا أداة إنهاء له. مثلما يكتب ثرول:

لقد دأبت الولايات المتحدة على إعفاء إسرائيل من المسئولية عن سياساتها فى الضفة الغربية من خلال واجهة معارضة الاستيطان، وليست هذه الواجهة فى جوهرها إلا ترسًا يحول دون المزيد من الضغوط الرامية إلى تفكيك المستوطنات.

ما الذى قد يحدث الفارق؟ يرى ثرول أن الإلزام هو الذى قد يحدث الفارق حين يفرضه من يملك القوة. ولقد كان هذا فاعلاً فى ظل إدارة كارتر التى كان من أدوات دفعها لاتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل سنة 1979 أنها هددت بقطع جميع المعونات عن إسرائيل، وبطريقة أقل تحديدًا فى ظل جورج بوش الأب ووزير الخارجية جيمس بيكر سنة 1991 عندما تم إرغام رئيس الوزراء الرافض إسحق شامير على حضور مفاوضات مدريد، الأمر الذى أدى فى نهاية المطاف إلى اتفاقيات أوسلو سنة 1993 بين الإسرائيليين والفلسطينيين ومعاهدة سلام بين إسرائيل والأردن سنة 1994. كان بيكر وزير الخارجية الأمريكى الأول ـ والأخير حتى يومنا هذا ـ الذى يقول بوضوح إن المستوطنات الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية هى العقبة الأساسية أمام السلام، ورفض أمريكا الموافقة على ضمانات قروض تصل إلى 10 بلايين دولار كانت إسرائيل فى أمس الاحتياج إليها. فما كان من شامير فى ظل تلك الضغوط إلا أن رضخ وذهب إلى مدريد. فى حالة كل من كارتر وبيكر، اتخذ المسئولون الأمريكيون موقفًا برغم ضغوط اللوبى القوى الموالى لإسرائيل فى واشنطن. أما خلفاؤهما بحسب ما يلاحظ ثرول فنادرا ما حاولوا.

فى رؤية ثرول، "خلافا لما أكده كل وسيط أمريكى، ليس الأمر أن إسرائيل راغبة بشدة فى اتفاقية سلام لكن لديها خيار تراجع جيدًا للغاية. بل الأمر أن إسرائيل تفضل بشدة خيار التراجع على اتفاقية السلام". والتراجع هو استمرار الوضع الراهن، الذى يسمح باستمرار المشروع الاستيطانى، ويحمى الحكومة من الفوضى السياسية، بما فيها التحديات الجسيمة من اليمين المتطرف، ويوجب التعاون الأمنى المفيد من السلطة الفلسطينية أو ما بقى منها، ويستجلب كميات هائلة من المعونات الأمريكية. ولا أمل فى تغيير داخل إسرائيل يجعل السلام ممكنا إلا من خلال تهديد فعلى بتقليل المعونة أو قطعها، أو حركة باتجاه عقوبات جادة لإسرائيل  تفرضها الأمم المتحدة وغيرها من القوى.

يحلو لإسرائيل بالطبع أن تلقى لوم الجمود على الفلسطينيين. وفى حين أن الفلسطينيين مسئولون قطعًا عن الكثير، وأهمه تاريخ العنف الطويل، فإنه لا غنى للإسرائيليين عن درجة كبيرة من العمى الطوعى لكى يتجاهلوا ما يجرى تحت أنوفهم وبتواطؤ جمعى منهم.

من المكونات الرئيسة فى هذه البلادة العجز عن ملاحظة أو فهم التغيرات التى جرت بين الفلسطينيين فى العقود الأخيرة. إذ تصر وسائل الإعلام العبرية على سكنى مملكة أسطورية تبدو فيها عداوة الفلسطينيين لليهود أمرًا مطلقًا، وخالدًا، وقائمًا بمعزل تام عن أفعال إسرائيل. وأغلب الإسرائيليين يسعدون تمامًا بتبنى هذه الرؤية الشائهة.

غير أننا نجد رؤية أعمق فى كتاب مانى شتاينبرج "بحثًا عن الأمة الفلسطينية الحديثة" [In Search of Modern Palestinian Nationhood ]، وهى دراسة عظيمة من باحث إسرائيلى فى شئون فلسطين. عمل شتاينبرج لسنوات طويلة مستشارًا رفيع المستوى لرؤساء شين بيت وهو جهاز الأمن الداخلى الأساسى فى إسرائيل، ولكثير من رؤساء الوزراء. يتعقب كتابه تاريخ "تفكير الوعى الجمعى" الفلسطينى فى الصراع، منذ حرب يوم كيبور [السادس من أكتوبر] سنة 1973 تقريبًا وحتى الوقت الراهن. ويعرض صورة تنافر صادم وتطور سريع نسبيًا، فيستهل بقوله إن قُرَّاءه "سوف يجدون أن المواقف الفلسطينية مضت أبعد وأبعد عن الإجماع الأصلى [على وجوب تدمير إسرائيل وإحلال دولة فلسطينية بدلاً منها على كامل أراضى الضفة الغربية لنهر الأردن] فيما يتعلق بالوسائل والغايات".

يناقش شتاينبرج لحظات حاسمة مثل خطاب "إعلان الاستقلال الفلسطينى" الذى ألقاه عرفات أمام المجلس الوطنى الفلسطينى سنة 1988، والذى فرَّق فيه بوضوح بين حدود "الوطن التاريخى" ـ وهو عبارة عن فلسطين كلها ـ وحدود الدولة الفلسطينية القائمة على جزء من الأرض. خطاب عرفات ذلك كتبه محمود درويش الذى يعد الشاعر الفلسطينى الوطنى. فى عام 1998، مرت ذكرى خمسينية أخرى ـ هى خمسينية النكبة أو كارثة الهزيمة والنفى الوطنية الفلسطينية فى أعقاب حرب 1948 ـ ودعا درويش ـ وهو من أوائل أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية وربما أجهرهم صوتًا فى المتن الفلسطينى ـ إلى "القضاء على كل أثر للنكبة من خلال اتفاقية دائمة على أساس مفهوم دولتين لشعبين". فى ذلك الوقت، ولم يكن مضى وقت طويل على اتفاقيات أوسلو ـ بدا أن ثمة إمكانية لاتفاقية سلام شاملة، بل بدا أنها وشيكة. وبعد ثلاث سنوات، خلال الانتفاضة الثانية، نشر درويش بيانًا آخر ينضح باليأس والخوف من أن الشعب الفلسطينى يواجه الإبادة. ويحسن بالإسرائيليين أن يلاحظوا التماثل التعيس بين هذا وبين قلقهم الدائم من إلقائهم فى البحر.

وليس شتاينبرج أقل اهتماما بالمتطرفين الفلسطينيين من اهتمامه بالوسطيين البرجماتيين، لو أن هذه الكلمة ملائمة فى بلد شديد الضعف والانحلال. فهو لا يستهين مطلقا بقوة حماس والفصائل المقاتلة. بل يبين مرارًا وتكرارًا التفاعل الشيطانى بين هذه الجماعات والسياسة الإسرائيلية المهيمنة المعنية بتقوية الاحتلال.

فلا "القتل المستهدف" [أى اغتيال قادة حماس على أيدى الجيش الإسرائيلى] ولا تفوق إسرائيل العسكرى والسياسى الطاغى هو عدو حماس. فعدو حماس الرئيس هو التسوية السياسية مع إسرائيل.

وبصيغة أكثر عمومية: "معروف أنه حينما تفشل البرجماتية، يصبح الطريق بالبديهة ممهدًا أمام التطرف". ولا يخفى شتاينبرج امتعاضه من المنطق الذى أعلاه رؤساء الوزراء الإسرائيليون بدءًا من إيهود باراك وآرييل شارون وحتى بنيامين نتنياهو، بأن إسرائيل لا تجد شريكًا بين الفلسطينيين. فهذا القول خاطئ معلوماتيًا، ولكنه يخدم نفسه بنفسه ويحقق غرضه بنفسه: وسوف يتم الترويج والتهليل له فى إسرائيل (وربما فى البيت الأبيض فى ظل ترامب) فى حال استيلاء حماس على الضفة الغربية، وكأنما لم تسهم لإسرائيل فى الوصول إلى نتاج كهذا.

وثمة تحليل لاذع من شتاينبرج لأثر مبادرة السلام السعودية سنة 2002، والتى بموجبها دعم إجماع عربى سلامًا شاملاً مع إسرائيل فى مقابل انسحاب إسرائيلى تام إلى حدود ما قبل 1967. لقد ظل الدعم العربى لمبادرة السلام السعودية راسخًا على نحو لافت برغم الاضطراب الأخير فى الشرق الأوسط وتأكد مرة أخرى فى قمة الجامعة العربية فى عمَّان فى مارس من هذا العام. يذهب شتاينبرج إلى أن مجرد وجود خطة سلام واقعية قد أسهم فى الدفع إلى مواقف مفرطة الوطنية فى كل من إسرائيل وفلسطين، وكأن احتمال التوصل إلى حل كان ببساطة أبشع من أن يتم تصوره. وإن من الممكن إيجاز القوة الكاملة وراء كتابه فى ما يلى: كان يمكن أن تختلف الأمور، ولعله لايزال من الممكن أن تختلف، وإن كان الوقت يداهمنا.

ورؤية شتاينبرج تتلاقى مع قول واضح من ثرول:

عندما تنخمد المعارضة السلمية لسياسات إسرائيل ولا يرفع أصحاب السلطة القادرون على تفكيك الاحتلال إصبعًا ضد الاحتلال، يصبح العنف حتما ذا جاذبية  لمن لا يجدون غيره سبيلاً يذكر لحلحلة الوضع القائم.

غير أن هذه النتيجة تثير شكوكًا فى فكرة أن سياسة إسرائيل، على قصر نظرها، هى سياسة عقلانية مع ذلك. والقسوة الممنهجة التى تمارس على أجيال من السكان الأبرياء سيكون لها ثمن فى النهاية، وربما ثمن رهيب. وموهوم من يعتقد أن اندلاعات العنف على نطاق واسع هى أمر يمكن السيطرة عليه، أو إدامة تكاليفه ونتائجه.

ولعل "العقلانية" ليست الكلمة التى نبتغيها. فالسياسة التى تتحرك فى الغالب بدافع من الجشع، وكذلك بقدر ضئيل من الحقد المحض، كسياسة إسرائيل، قد تكون مفهومة، ولكن ذلك لا يجعلها عقلانية، وهى يقينًا بعيدة كل البعد عن الحكمة. غير أن هناك بعدًا آخر نفتقده حين نتشبث بالدرجة الأساسية إلى الحسابات ضيقة الأفق الخاصة بالمصلحة الذاتية والمزايا الاستراتيجية. وإذا كانت الذكرى الخمسون تدعونا إلى شىء، فهى تدعونا إلى تدبر العواقب الأخلاقية لقراراتنا.

مهما ننظر إلى الأمر، ما لم تكن عقولنا مسمَّمة بأيديولوجية أو بصواب دينى، نر الاحتلال جريمة. فهو فى المقام الأول قائم على حرمان دائم لعدد هائل من البشر. ويبدو أن كثيرًا من الإسرائيليين لا يعلمون هذا. لقد اعتقلنى ذات مرة جنود فى حقل صخرى بتلال الخليل الجنوبى (فيما يعرف بالمنطقة ج الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة). كان هؤلاء الجنود قد اقتادوا للتو العديد من الرعاة الفلسطينيين وقطعانهم خارج مراعيهم التقليدية. وأثرنا نحن الناشطين الإسرائيليين فضول أحد الجنود ـ وهو صبى على الأكثر ـ فجاء يتكلم معنا. قلنا له إن ما فعله للتو غير شرعى بوضوح بموجب قرار من المحكمة العليا لعام 2004. قال "ماذا تقصدون؟ أنا هنا أحمى الديمقراطية". قلنا له "فعلاً؟ أى نصيب من الديمقراطية يناله هؤلاء الفلسطينيون؟ مثلا، هل لهم الحق فى التصويت لمن يمثلونهم؟" فكر الجندى الشاب لوهلة. كان واضحًا أنه لم يفكر من قبل فى تلك المشكلة. وأخيرًا قال "لا أعرف. لكن لا بد أن هناك من يصوتون له".

والأدهى هو السرقة المستمرة ـ ساعة بعد ساعة حرفيًا ـ للأرض الفلسطينية. لا ينبغى أن يكون ثمة شك فى أن هذا يمثل الغاية الحقيقية للاحتلال وأن الجنود والشرطة والمحاكم العسكرية وموظفى الإدارة المدنية وأغلبية الساسة وأغلبية الإعلام الإسرائيلى يخدمون هذه الغاية الشاملة. لقد شهدنا أخيرًا مهزلة وطنية مدهشة لعلها غير ممكنة الحدوث فى غير إسرائيل: مستوطنون من مكان يدعى "عمونا" فى منتصف الضفة الغربية، مقام على أرض فلسطينية هى عبارة عن ملكية خاصة من قرى سلواد وعين يربد وطيبة، طردوا بالقوة، ودمرت بيوتهم، تنفيذًا لقرار من المحكمة العليا سنة 2014. حدث هذا بعد قرار المحكمة العليا سنة 2006 بإعلان عدم شرعية المستوطنة وتحقيق الشرطة الذى أثبت أن المستوطنين زيفوا وثائق تزعم ملكيتهم للأرض.

عرض المستوطنون والناطقون الزاعقون باسمهم فى الحكومة والكنيست هذا الأمر بوصفه مأساة تضاهى تدمير الهيكل الثانى على أيدى الرومان سنة 70 أو طرد اليهود من إسبانيا سنة 1492. ولاذ نتنياهو كالعادة بأقصى اليمين فنقل عنه أنه قال لمستوطنى "عمونا" إنه يفهم مأساتهم تمامًا إذ اقتلع هو وزوجته من جذورهما ـ مقر رئيس الوزراء ـ و"ألقى بهما فى الشارع" بعد أن خسر انتخابات 1999.

على أية حال، يجرى تعويض المطرودين من "مستوطنة عمونا" تعويضًا لائقًا عن هذا الإزعاج (بنصف مليون شيكل إسرائيلى أى أكثر من 130 ألف دولار أمريكى لكل أسرة) ويعاد توطينهم على بعد مئات الأمتار من بيوتهم السابقة، أى فى أراض فلسطينية مرة أخرى. الجنود الذين نفذوا الطرد كانوا غير مسلحين ومأمورين بتحرى أرق آيات اللطف فى التعامل مع المستوطنين الذين تمترسوا داخل بيوتهم. وهذه هى الميلودراما فى السياسة الإسرائيلية. لقد سن الكنيست الإسرائيلى أخيرًا قانونًا يشرع بأثر رجعى تخصيص الدولة أجزاء ضخمة من الأرض الفلسطينية للمستوطنات الإسرائيلية. وليس واضحًا إن كانت المحكمة العليا سوف تبطله.

دعونى أضرب لكم بعض الأمثلة على الحياة فى ظل الاحتلال مثلما عرفتها بصفة شخصية. فى 5 مارس 2017، استيقظ السكان الفلسطينيون فى قرية توانه الفلسطينية فى تلال الخليل الجنوبية ليكتشفوا تدمير خمس عشرة شجرة زيتون من أشجارهم، على أيدى مستوطنين من شافات ماؤون المجاورة بصورة شبه مؤكدة. لو أن لنا أن نحصى شجر الزيتون الذى اقتلعه المستوطنون من توانه على مدار السنوات العشر الماضية أو ما يزيد عليها لوصلت بسهولة إلى مئات قليلة عددًا. وشجر الزيتون هو المصدر الرئيس لدعم كثير من الأسر الفلسطينية الفقيرة. وفضلاً عن شجر الزيتون المقتلع، تم تسميم حقلى عدس.

قبل شهرين، فى السابع من يناير، هاجم مستوطنو شافات ماؤون أيضًا جماعة من ناشطى السلام الإسرائيليين كانوا يرافقون مزارعين فلسطينيين أثناء سعيهم إلى حرث حقل. وكنت مع جماعة أخرى من الناشطين، على بعد تل، وشاهدت وصول الجرحى إلى توانه، فكان أحدهم مصابًا فى رأسه بصخرة، واثنان مضروبين بقسوة، وآخرون مصابين برضوض، وأحدهم محطم الكاميرا.

أطفال منطقة توانه معرضون طول الوقت لخطر هجوم المستوطنين فى طريقهم إلى مدرسة القرية، فابنة أحد أصدقائى ويدعى على، وهو من طوبا، فقدت عينها تقريبًا فى هجوم من هذا النوع. وتم إرغام الجيش على مصاحبتهم إلى المدرسة ومنها، ولكن حتى هذه الرفقة العسكرية لا تكفى دائمًا، فهناك حالات شهدت تراخى الجنود أثناء ضرب المستوطنين للأطفال الفلسطينيين بالهراوات والسلاسل المعدنية.

فى شمالى وادى الأردن، يتعرض الرعاة البدو من منطقة صغيرة تدعى الحمة لهجمات متواصلة من مستوطنى مستوطنة جديدة غير شرعية أقيمت على أرض الحمة، هؤلاء المستوطنون قتلوا شياها بدوية وهددوا الرعاة بالمسدسات، وضربوهم بوحشية، وغزوا خيامهم، وفعلوا كل ما بوسعهم ليحيلوا حياتهم إلى حياة بائسة. وفى الأوجة القريبة، فى الحادى والعشرين من أبريل، عمدت عصابة من المستوطنين الإسرائيليين المقنَّعين من هبالاديم ـ وهو موقع غير شرعى فى الضفة الغربية ـ إلى استعمال الهراوات والصخور فى ضرب رعاة فلسطينيين وأكثر من عشرة من نشطاء السلام الإسرائيليين كانوا متواجدين لحمايتهم. والنتيجة: ناشط مشجوج الرأس، وآخر مكسور الذراع، والعديدون غيرهما مصابون برضوض عنيفة.

والتسجيل اليومى لمثل هذا الهجمات على الفلسطينيين قد يطول لآلاف الصفحات، ويتسع لإضافات كل يوم بل ربما كل ساعة. ولم أذكر بعد حالات لا نهاية لها من هدم البيوت الفلسطينية، حتى إن قرى بأكملها مثل سوسية وأم الخير مهددة بالإبادة ـ أو الطرد القاسى والتطهير العرقى مما نشهد فى المناطق المحتلة. والاحتلال أيضًا عالم إنكار سريالى، تتقنَّع فيه الأكاذيب ولا تقال فيه الحقيقة على ألسن الضباط والساسة أصحاب السلطة على أقل تقدير. وإذا كنتم تريدون الاطلاع على أوصاف مصورة مؤثرة للوضع الراهن فى الضفة الغربية وغزة فإننى أوصيكم بما فى كتاب "مملكة الزيتون والرماد" [Kingdom of Olives and Ash ] وهو سفر كامل من مقالات شخصية لكتاب معروفين من بينهم الكاتب الحاصل على نوبل ماريو فارجاس يوسا وتحرير مايكل تشابون وآيليت وولدمان الصادر بالتزامن مع الذكرى الخمسين.

المستوطنون أنفسهم، مهما يكن بغضهم، لا يتحملون غير نصيب من اللوم على ما يرتكبون من أعمال وحشية. فهم ينفذون سياسات الحكومة الإسرائيلية فيحافظون عمليًا على مستوى ثابت ونافع من إرهاب الدولة الموجه إلى قطاع كبير من السكان المدنيين. وليس من الممكن تبرير أى من هذا بحجة عقلانية. فهو كله يشوه شخصية الدولة وله ـ من واقع تجربتى ـ آثار شنيعة على عقول وقلوب الجنود الشباب الذين ينفذون ما يلقّون من أوامر. غير أن قليلاً من الواعين أصحاب الضمائر توافرت لهم الشجاعة فجهروا بما يعمد أكثر الناس فى هذه الحالات إلى ابتلاعه.

فى النهاية، هذا الفشل الأخلاقى المستمر البادى على البلد ككل هو من بين عواقب الاحتلال شديدة الخطورة غير المقبولة. وهذا الفشل أثقل على إنسانيتنا من أى هموم سبق ذكرها. فنحن ـ كما نزعم ـ أبناء أنبياء. وكنا ذات يوم ـ كما يقولون ـ عبيدًا فى مصر.  ونحن نعرف كل ما يمكن أن يعرف عن العبودية، من المعاناة والتحيز والجيتوهات والكراهية والطرد والنفى. ولا يزال يبدو لى مدهشًا أن نكون نحن ـ من بين كل الشعوب ـ من أعدنا اختراع الأبارتيد فى الضفة الغربية.

هل استشرى الفساد فلم يعد يمكن مقاومته؟ أو لنصغ السؤال على نحو أكثر عملية: هل المشروع الكولونيالى الإسرائيلى فى الضفة الغربية تجذر بحيث بات أى شكل مقبول من الطرفين للتقسيم مستبعدًا مثلما يقول ميرون بينفينستى نائب عمدة القدس منذ سنين؟ يشير جيرشوم شافير ـ فى تاريخه الدقيق للاحتلال ـ إلى أنه فى حين أن فكرة كون المشروع الاستيطانى "غير قابل للإلغاء مرفوضة فى أحسن الحالات ... [فـ]العقبات الباقية أمام التقسيم الإقليمى، وإن كانت غير مستعصية ـ لكنها هائلة". فبافتراض أن ما يعرف بالكتل الاستطيانية ـ وأغلبها قريب من حدود ما قبل 1967 ـ سوف تنضم إلى إسرائيل بالتبادل مع أراضٍ مساوية تقريبًا داخل إسرائيل، يحسب أن 27 ألف مستوطن "فقط" هم الذين سوف يتحتم إخراجهم من فلسطين فى إطار اتفاقية سلام ممكنة.

وبإقناع، يستشهد شافير أيضًا بشاؤول آرييلى ـ الكولونيل السابق فى الجيش وعضو مجلس الأمن والسلام المرموق، وخبير جولات التفاوض الأولى وجدوى الفتوحات المستقبلية ـ فى أن تأثير المشروع الاستيطانى قد تباطأ قليلاً برغم محاولات الحكومة إقناع المزيد من الإسرائيليين بالانتقال إلى الأراضى الفلسطينية. ولسوء الحظ، لم يؤد هذا إلى أن تتخلى إسرائيل عن حلمها الوطنى باستعمار أكبر قدر ممكن من فلسطين. فللواقع قدرة على خرق الأوهام، ولو أن هذا يحدث عادة بعد فوات الأوان.

هناك قوالب أخرى لبعض أنواع الحلول. لعل أكثرها إثارة وإبداعًا مقترح "الدولتين والوطن الواحد" من مارون رابوبورت وعونى المشنى Awni al-Mashni   ومجموعة الفلسطينيين والإسرائيليين التى جمعاها حولهما. تتصور هذه المجموعة دولتين فى فضاء جيوسياسى واحد وحركة باتجاه اشتراك وانفصال متزامنين. يتناول المخطط كيانين مستقلين عاصمتهما القدس، وحرية تنقل بل وحرية إقامة فى كلا جانبى الحدود تخضع لاتفاق على عدد مواطنى كل دولة يكونون مقيمين دائمين فى الدولة الأخرى، ومحكمة مشتركة لحقوق الإنسان، ومجلس أمن مشترك، ومؤسسات مشتركة أخرى تعمل بالتوازى مع مؤسسات كل دولة.

يروق لى أن أفكر فى أن لهذه الفكرة فرصة فى التحقق. غير أن شافير ينتهى إلى أنه فى غياب خطة ممكنة لدولة واحدة مزدوجة القومية "فمن المرجح أن يتعثر الطرفان". وقد يكون على صواب، لكن لو أن لى أن أتكهن لقلت إن الاحتلال فى نهاية المطاف سوف ينهار ـ تحت ثقل تراكمى من الأخطاء والشقاء والخطر الوجودى الذى يتسبب فيه ـ وربما نشهد ذلك فى حياتنا، وإن لم يكن بأسى.

لا يملك المرء أن يوقف التساؤل عن تأثير الإدارة الأمريكية الجديدة على الصراع الإسرائيلى الفلسطينى. لقد وصل فى مارس مبعوث الرئيس ترامب الخاص إلى المنطقة جيسون جرينبلات بهدف معلن هو التحريك باتجاه تسوية إقليمية. والمدهش إلى حد ما أن هذه المبعوث أثار إعجاب الجانبين، وإعجاب اللاجئين الفلسطينيين فى المخيمات والمستوطنين الإسرائيليين فى الضفة الغربية. ويبدو أن الاستثناء الكبير الوحيد يتمثل فى بنيامين نتنياهو الذى أوردت التقارير أن جرينبلات طلب منه اتخاذ خطوات ملموسة لإيقاف النشاط الاستيطانى بجانب بيان ببعض التنازلات التى سيكون مهيأً فى النهاية لاتخاذها.

وكما هو متوقع حتى فى ظل رئاسة ترامب، طفا على السطح من جديد مخطط التقسيم بحسب الحدود المألوفة، إذ إنه يتأبى على الزوال. ولا ينبغى لأحد أن يستهين بمقدرة نتنياهو العجيبة على التعطيل والمراوغة والقضاء حتى على أخفت بصيص أمل. لكن لعل مبدأ ثرول يتحقق مستقبلاً على أرض الواقع. فزيارة الرئيس للمملكة العربية السعودية وإسرائيل وبيت لحم الفلسطينية فى مايو، فى أولى رحلاته الخارجية، كانت تعنى، فى ما أفترض، إشارة إلى أنه جاد بشأن التوصل إلى صفقة. ومثلما قال كثير من أصدقائى الإسرائيليين والفلسطينيين فإنه إذا كان ترامب بطريقة ما سوف يفرض اتفاقية، فسوف يثبت هذا أن الرب موجود، كما سيثبت أنه محب للدعابة.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى