22 سبتمبر 2020 10:53 ص
نظام أوروبا الجديد

نظام أوروبا الجديد

الخميس، 12 أكتوبر 2017 - 03:01 م

مجلة: "الإيكونوميست" البريطانية    6/10/2017

ترجمة: سلوى يوسف

مراجعة: أمجد فتحي

تولِّى "إيمانويل ماكرون" المُفعَم بالحيوية و"أنجيلا ميركل" التى بدأت قواها تضعُف، يشير إلى حدوث توازنٍ جديدٍ فى أوروبا .

مَن يقود أوروبا ؟ فى بداية هذا العام ، كانت الإجابة واضحةً. كانت "أنجيلا ميركل" تسعى سعيًا حثيثًا نحو الفوز بانتخابات المستشارية للمرة الرابعة، فى حين كانت بريطانيا بعيدًا، وإيطاليا فى تراجعٍ، وفرنسا فى حالة ركودٍ بعد أن سيطرت عليهم المخاوف من أن تصبح "ماريان لوبان" النسخة الفرنسية من "دونالد ترامب" .  

ولكن فى الأيام الأخيرة، بدت الأمور مختلفةً. فقد فازت ميركل فى الانتخابات، ولكن بعددٍ أقل من الأصوات بسبب تقلُّص تأثيرها. فقد شهدت ألمانيا شهورًا من مفاوضات الائتلاف الثلاثية الشائكة، وكان 6 ملايين ناخبٍ قد أيدوا الحزب اليمينى، الذى يتبنى سياسة الترهيب من الأجانب، وكان كثير منهم يعارضون سياسات ميركل بشأن اللاجئين. أما "حزب البديل من أجل ألمانيا"، الذى لم يحصل من قبل على أى مقعدٍ، والذى أصبح قوة استقطاب مثيرةً للصراعات، فقد صار اليوم ثالث أكبر حزبٍ فى البرلمان الألمانى "بوندستاج" .

وفى غرب "الراين" برلمان يهيمن عليه حزب الرئيس الفرنسى "إيمانويل ماكرون"، الذى يحاول طامحًا أن يعيد فرنسا إلى مكانتها السابقة فى الصدارة فى الاتحاد الأوروبى بعد سنواتٍ قضتها فى المؤخرة. ولكن هذا لا يعتمد فقط على خططهٍ الخاصة بأوروبا، ولكن أيضًا على نجاحه فى الداخل فى إصلاح دولةٍ ظلت طويلًا يُنظر إليها باعتبارها غير قابلةٍ للإصلاح .

الرجل الذى يقود "أنجيلا"

    كان الخطاب الذى ألقاه "ماكرون" مؤخرًا حول الاتحاد الأوروبى حافلًا بالأفكار، من بينها: تقاسم الميزانية العسكرية، وإنشاء وكالة " للتطوير الجذرى"، علاوة على الرغبة فى دعم منطقة اليورو. وعلى نفس المستوى، فإن سعى "ماكرون" للعب دور رائد التحديث الفكرى فى أوروبا يتناسب مع التقاليد الفرنسية العريقة. علاوة على ذلك ، كان من عناصر الخطاب ضريبة الفحم الجديدة على حدود الاتحاد الأوروبى، واقتراح بفرض ضريبةٍ جديدةٍ على شركات التكنولوجيا الأجنبية على أساس المكان الذى تعمل فيه، وليس مكان تواجدها، وشن حملةٍ عنيفةٍ على "الإغراق الاجتماعى" بفرض ضرائب على الشركات بمعدلاتٍ متسقةٍ، وتتماشى مع المحاولات الفرنسية المستمرة منذ وقتٍ طويلٍ لمنع تنافس الدول الأعضاء بشكلٍ يضر بانتمائهم للاتحاد الأوروبى .

ومع ذلك، لا يزال لدى ماكرون هدف بارع وجوهرى، فقد وافق مؤخرًا على خروج شركة القطارات فائقة السرعة من سيطرة الدولة بما يسمح بدمجها مع نظيرتها الألمانية المنافسة.

وهو يستهدف إلى إنهاء التوجهات الشعبوية بعمل توازنٍ بين ضمان حصول المواطنين على فرص العمل من ناحية، ومن ناحية أخرى تشجيعهم على اتباع تبنِّى أساليب مبتكرة، والتى قد يخشى كثيرون من أنها سوف تكلفهم وظائفهم. كما تحدَّث ماكرون عن إصلاح منطقة اليورو بالشكل الذى يجعل أوروبا أقل قابليةٍ للتعرض لخطر الأزمات الاقتصادية فى المستقبل .

إن جدارة هذه الأفكار تتوقف على ما إذا كانت ستؤدى إلى أوروبا أكثر إقدامًا و قوةً وانفتاحًا أم إلى معقلٍ لأصحاب مذهب الحماية. وقد لا يتم اختبارها على الإطلاق فى حالة مالم تحقق سياسات ماكرون نجاحًا فى الداخل؛  لذلك إذا ظلت فرنسا تشكل تهديدًا لاستقرار اقتصاد الاتحاد الأوروبى بدلًا من أن تكون مصدرًا لقوته، فلن يصبح رئيسها إلا مجرد لاعبٍ ضيل الحجم  بجوار المستشارة الألمانية .

يبدو أن سياسات ماكرون الداخلية قد بدأت بدايةً ضعيفةً، واحتل اسمه عناوين الصحف؛ بسبب حجم ميزانيته الخاصة بالتجميل، وانهيار شعبيته، وشعوره بالغرور للوصول للسلطة .

ولكن شىء غير عادى حدث مؤخرًا لم يلاحظه الكثيرون. ففى هذا الصيف، فى الوقت الذى كان الفرنسيون يجلسون على الشواطئ ، كان ماكرون يتفاوض مع الاتحادات العمالية ويوافق على إجراءاتٍ إصلاحيةٍ تحرريةٍ بعيدة المدى، ولم تنجح الاتحادات المتحمسة، ولا اليسار المتطرف الملتهب فى جر الجماهير إلى الشوارع كما كانوا يأملون. فقد أعلن 59 % من الفرنسيين تأييدهم للإصلاح العمالى. ولكن هناك احتجاجات أخرى فى الطريق، وهناك معارك أكثر عنفًا قادمة  حول المعاشات، والضرائب، والإنفاق العام، والتعليم . وينبغى على ماكرون أن يحافظ على أعصابه،  ولكنَّه بالفعل اجتاز - بشكل مدهش - اختباره الأول .

إن الرئيس ماكرون،البالغ من العمر 39 عامًا، لم يفهم جيدًا - من نواحٍ عديدة- حتى الآن . فوراء المظهر الخارجى المتغطرس  يبرز قائد يبدو للوهلة الأولى شجاعًا، ومنضبطًا، وعميق التفكير: شجاعًا؛ لأن الإصلاحات العمالية تستغرق وقتًا كى تتم ترجمتها إلى  فرص عمل- كما تعرف ألمانيا وأسبانيا، وغالبًا ما يكون لها عواقب سياسية. منضبطًا؛ لأنه أوضح بجلاءٍ قبل الانتخابات ما ينوى عمله والتزم بكلمته.  فقد تم التشاور مع الاتحادات العمالية، وأعرب اثنان أو ثلاثة منهم عن موافقتهم على الإصلاحات. وبمقارنة ذلك مع سلفه " فرانسوا أولاند" نجد أنه حاول إجراء إصلاحاتٍ، ولكن محاولته لم تجلب عليه سوى اتهامه بالخداع. وأخيرًا، عميق التفكير؛ لأن ماكرون لا ينتهج سياسةً تقليديةً، ففلسفه حكمه هى جعل نظام فرنسا العتيق يتكيَّف مع القواعد والنُظم التكنولوجية العالمية .

طبول الترحيب

خلال السنوات القليلة الماضية، كانت فرنسا بالنسبة لألمانيا تعتبر شريكًا يعانى ضعفًا مزمنًا، يجبر ميركل على العمل منفردة بشكلٍ لم تسع له ولم تستمتع به. وإذا كان ماكرون يرغب فى تغيير هذا الوضع، فيجب عليه أن يتحرك بسرعة ويعدل ميزانية التدريب الفرنسية غير الفعالة لتتسق مع قانون العمل الجديد، ويزيد عدد مراكز التدريب المهنى، وتحديث نُظم التشغيل العتيقة، كما يجب عليه أيضًا أن يشرح بلغةٍ أقل تعاليًا خططه لخفض الضرائب، بما فيها ضريبة الثروة وضريبة المشروعات، لم تخطط بهدف تحقيق النفع للمشروعات. يجب على ماكرون أن يؤكد لأوروبا أنه يريد مزيدًا من الانفتاح، وليس بناء مزيدٍ من الجدران .

وبالطبع، فإن خطوات ماكرون الأولى قد لا تفلح تمامًا، وهذا دأب كل رئيسٍ حاول الإصلاح فى فرنسا، فهو سوف يبذل جهدًا كبيرًا لإقناع ألمانيا بتبنِّى رؤيته الخاصة بإصلاح منطقة اليورو، ولكن إذا كان هذا العام قد شهد حدثًا، فليس إلا صعود "إيمانويل ماكرون" الكبير . 

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى