أخر الأخبار

×

أخر الأخبار

02 أكتوبر 2022 05:23 م

الوجوه الأربعة لحزب الله اللبنانى

السبت، 02 ديسمبر 2017 - 08:32 ص

صحيفة لوفيجارو الفرنسية 27/11/2017

بقلم: أدريان جولم

ترجمة: ريهام حسن

مراجعة: أمجد فتحي

 

أصبحت إيران قوة إقليمية يمتد نفوذها من الحدود الأفغانية إلى البحر المتوسط. وقد أدى الاستيلاء على مدينة "البو كمال" الاستراتيجية الواقعة على الحدود السورية العراقية وانتزاعها من قبضة داعش مؤخراً عن طريق عملية مشتركة بين الجيش السوري وحزب الله اللبنانى والميليشيات الشيعية العراقية تحت قيادة قاسم السليمانى قائد لواء القدس التابع لحراس الثورة الإيرانية ، لفتح طريق برى طويل بين طهران وبيروت عن طريق بغداد ودمشق.

وتمثل بعلبك الواقعة فى سهل البقاع شرقى لبنان موقعاً مركزياً فى هذا النصر الاستراتيجى. ففى هذه المدينة تأسست الميليشيات الشيعية اللبنانية "حزب الله" بمساعدة المستشار العسكرى الإيرانى فى لبنان عام 1982. والآن، بعد خمسة وثلاثين عاماً، أصبحت الجماعة هى أقوى تنظيم سياسى عسكرى يسيطر على لبنان بل ويرسل قواته لخارج حدوده، مما أكسب السياسة التوسعية الإيرانية كوادر عربية متحمسة وعلى مستوى عالى من التدريب.

وقد تحولت ميليشيات حزب الله التى كانت أول من لجأ إلى الهجمات الانتحارية فى لبنان خلال الثمانينات من القرن الماضى، إلى قوة عسكرية حديثة انضمت لحرب لمكافحة التمرد فى سوريا. فهى تحارب إلى جانب الجيش النظامى السورى وتدرب المجندين الجدد فى كافة أنحاء العالم الشيعى وتشن عمليات مشتركة مع الطيران والقوات الخاصة الروسية. وفى هذا الصدد، توضح أمل سعد غريب، الباحثة فى الجامعة اللبنانية وصاحبة العديد من المؤلفات حول الحركة أن "حزب الله يمتلك معظم سمات القوة الإقليمية، فيمكن وصفه بأنه قوة غير متكافئة كما أن هناك حروب غير متكافئة، فقدراته العسكرية تزايدت بصورة كبيرة وأصبح باستطاعته القيام بعمليات مشتركة ومواجهة حرب العصابات داخل المدن كما أنه يمتلك ترسانة من الصواريخ طويلة المدى".

وعلى الصعيد الجيوسياسى، يمثل صعود حزب الله نموذجاً للإصرار والتوافق التام بين الأهداف الاستراتيجية والأعمال. فأساليبه التى تتسم تارة بالعنف وتارة بالحنكة أتاحت للحركة بسط نفوذها إلى داخل الدولة وخارجها.

ومن وجهة نظر وضاح شرارة الباحث الاجتماعى والمؤرخ والصحفى اللبنانى، "لم يخرج حزب الله قط عن المضمار الذى حدده لنفسه طوال الخمسة وثلاثين عاما" ويرى هذا الصحفى أن "عدم الاعتراف به ليس أفضل وسيلة لمحاربة نفوذه".

 لم يغير حزب الله من طبيعته من وجهة نظر أعدائه، حيث تضعه الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية، كما يندرج جناحه المسلح فى القائمة الخاصة بالاتحاد الأوروبى. بينما يرى الإسرائيليون -الذين لم يعودوا يخشون منذ فترة طويلة من أى تهديد عسكرى من قبل الدول العربية- أن هذه الميليشيات الشيعية هى عدوهم الأخطر. كما تتهمها القوى السنية فى العالم العربى التى كانت فى الماضى تحتفى بها، بممارسة الإرهاب. أما الجامعة العربية فقد وجهت إليها الاتهام مؤخراً بالعمل على قلب أنظمة الحكم فى اليمن بمساندتها للمتمردين الحوثيين، وفى البحرين الإمارة السنية الصغيرة ذات الأغلبية السكانية الشيعية.

وتتميز الحركة بأن لها أربع هويات تكمل كل منها الأخرى ولا تكفى إحداها لتعريف الحركة بمفردها، وتتمثل الأولى فى أنه الحزب الشيعى اللبنانى، ووريث الحركات المدافعة عن حقوق الطائفة الشيعية التى ظهرت على الساحة اللبنانية خلال الستينيات وبداية السبعينيات، فلا يزال حزب الله يعتمد على هذه الطائفة ويستفيد من تضامنها. ويؤدى هذا التجذر المحلى لصعوبة اقتلاعه عسكريا، لاسيما وأن دوره السياسى لا يتوقف عن التضخم. فقد أصبح حزب الله بتحالفه مع الحزب المسيحى الذى يتزعمه ميشيل عون فاعلا رئيسيا فى البلاد قادرا على خلق الأزمات أو حلها، فلا يمكن لأى حكومة لبنانية أن تتشكل الآن بدونه أو تعمل ضده.

كما أصبحت الحركة أيضاً جزءا من أجهزة الدولة اللبنانية، وذلك مع احتفاظها بالقدرة على ممارسة السلطة بشكل مباشر. إلا أنها متحفظة فى هذا الصدد، لذا، لم تشارك فى الحكم إلا بوزيرين و12 نائبا فقط. كما أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله البالغ من العمر 57عاماً لا يشغل أى منصب رسمى ويعيش منذ عشر سنوات فى أماكن سرية، ولا يجرى اجتماعات علنية. إلا أنه يملك قرار الحرب أو السلام، كما حدث عام 2006، أثناء الحرب التى استمرت 33يوماً مع إسرائيل أو خلال 2012، بتدخله عسكرياً فى سوريا لإنقاذ نظام بشار الأسد الذى كان التمرد المسلح على وشك الإطاحة به.

أما الهوية الثانية، فتتمثل فى كونه حركة ثورية إسلامية شيعية، فحزب الله يرتبط منذ تأسيسه بأيديولوجية الثورة الإيرانية، التى أسست للدور السياسى لرجال الدين المعروف ب"مبدأ ولاية الفقيه". وكان مما عزز هذه التبعية الأيديولوجية لإيران ما بين الشيعة فى الشرق الأوسط من علاقات عائلية قديمة. كما نشأ شكل من أشكال "أخوة السلاح" بين الجناح العسكرى لحزب الله والحرس الثورى الإيرانى.

وتتمثل الهوية الثالثة فى أنه ميليشيا تشكلت لشن حرب عصابات ضد إسرائيل. فقد وجه حزب الله آلته العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلى منذ تأسيسه بعد بضعة أشهر من الغزو الإسرائيلى للبنان عام 1982. وقوى الانسحاب الإسرائيلى من جنوب لبنان عام 2000، والتدخل العسكرى شبه الفاشل للجيش الإسرائيلى عام 2006 من هيبة الحركة. واستطاع حزب الله تكييف خططه وأساليبه مع خطط وأساليب العدو وتدريب الخبرات فى هذا المجال. وتثير ترسانته من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى –بل وطويلة المدى حاليا- مخاوف الجيش الإسرائيلى أكثر من أى قوة عربية أخرى.

أما بالنسبة للهوية الرابعة لحزب الله فهى كونه حليفاً استراتيجياً لسوريا. فقد جعلت سوريا التى انهزمت أمام إسرائيل فى لبنان عام 1982 بعد هزيمتها السابقة فى الجولان عامى 1967 و1973، من حزب الله ذراعاً عسكرياً لها فى لبنان، وأصبح المدافع الأول عن مصالحها فى البلاد التى تعتبرها فناءً خلفياً لها. وتوطد هذا التحالف عندما اضطرت سوريا لسحب قواتها عام 2005 بعد الانتفاضة الشعبية التى أطلق عليها "ربيع الأرز". وأصبحت الحركة دعامة النفوذ السورى فى لبنان. واعتمدت هذه الشراكة على تلاقى الأهداف أكثر من اعتمادها على التحالف الأيديولوجى العميق، حيث يعتمد حزب الله على سوريا من الناحية اللوجستية، علاوة على أن علاقاته بإيران تتطلب سهولة المرور بالأراضى السورية والتعاون الأمنى الوثيق.

وتزايد هذا الاعتماد المتبادل بين الجانبين بعد تدخل حزب الله عسكرياً لإنقاذ نظام بشار الأسد، وشاركت ميليشياته خلال عامى 2012-2013 فى مكافحة التمرد. وكان تدخلها فى البداية فى شكل مساعدة عسكرية سرية ثم تحولت إلى وحدات متكاملة تشارك فى القتال. والجدير بالذكر أن حزب الله الذى تعاون مع القوات الروسية والإيرانية، كان بمثابة رأس الحربة فى استعادة مدن كبرى فى غرب سوريا مثل حمص ثم حلب عام 2016. وأدت هذه المشاركة فى الحرب السورية إلى تحول حزب الله بمرور الوقت إلى قوة إقليمية.

وتجعل هذه الوجوه الأربعة لحزب الله منه طرفاً فاعلاً فريداً فى منطقة الشرق الأوسط الغارقة فى الأزمات. وبالرغم من أنه يتمتع بقدرات عسكرية ضخمة وتحالفه مع النظام السورى الذى خرج أكثر قوة من الحرب الأهلية، يحتاج حزب الله أكثر من أى وقت مضى لغطاء شرعى ليستمر، لذا سيتعين عليه الآن مواجهة تفسخ الدولة اللبنانية، فمثل كافة التنظيمات الطفيلية التى تحتاج لجودة صحة الكيانات التى تتغذى منها، تحتاج الحركة الثورية الشيعية لحالة من الاستقرار، وهذا هو ما يدعو إليه المنتصرون.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى