19 أبريل 2024 10:57 ص

البوتينية.. ما هي الخصائص الرئيسية للنظام السياسي الروسي الحالي ؟

الخميس، 01 مارس 2018 - 10:33 ص

موقع معهد "إلكانو" الملكي    فبراير 2018

بقلم: ميرا ميلوسيفيتش جواريستي

ترجمة: انتصار حسن

 

يعرف الكرملين النظام السياسي الروسي الحالي بأنه "ديمقراطية ذات سيادة"، في حين يعتبر فلاديمير بوتين الأمة الروسية أمة مقسمة. "فهي واحدة من أكبر الأمم في العالم- إن لم تكن الأكبر على الإطلاق- التي تفصلها الحدود عن بعضها البعض". ومع ذلك، فإن أفضل تعريف للنظام السياسي الروسي هو البوتينية، أي دولة مختلطة تطبق الحداثة بأساليب استبدادية. استخدام هذا الاصطلاح يعكس الدور الشخصي لفلاديمير بوتين في إقامة هذا النظام منذ وصوله إلى السلطة في عام 2000. والبوتينية هي محصلة فشل عملية التحول الديمقراطي الروسية في تسعينيات القرن الماضي والنتاج الذي خلفه تاريخها الإمبراطوري. وقد تبلورت البوتينية على مرحلتين: الأولى من عام 2000 وحتى الصراع مع أوكرانيا وضم القرم في عام 2014، وكانت صورة بوتين حينئذ هي صورة منقذ روسيا والشعب الروسي، الذي خلص البلاد من قوى الدمار الداخلية والخارجية، ومن فساد حكم القلة (الأوليجاركيين) وهيمنتهم على شؤون الدولة، ومن الحركات الاستقلالية الإسلامية في شمال القوقاز وتأثير الغرب. ومع ذلك، فمنذ عام 2014، وفي ضوء تدهور الوضع الاقتصادي في روسيا بسبب انخفاض أسعار النفط والعقوبات الاقتصادية، تحول بوتين إلى "محارب"، وأصبح الزعيم الذي يناضل من أجل استعادة هيبة روسيا الدولية من خلال التدخلات العسكرية في أوكرانيا وسوريا.

ما بعد الامبراطورية

تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 أتاح فرصة تاريخية لبناء دولة قومية روسية، والشروع في عملية تحول ديمقراطي ودمج روسيا تدريجياً في المؤسسات الدولية. وقد حاول بوريس يلتسين إنجاز هذه المهمة الشاقة من خلال أربع ثورات متزامنة: إنشاء سوق حرة ودمقرطة السلطة السياسية والتحول من امبراطورية إلى دولة أمة والبحث عن دور جديد لروسيا، التي كانت بالفعل قوة نووية.

ولكن فشلت هذه العملية لعدة عوامل أهمها الإرث التاريخي الروسي والتناقضات الهيكلية. وكانت النتيجة الرئيسية لهذا الفشل ظهور فلاديمير بوتين، رئيس المخابرات السابق الذي عينه بوريس يلتسين في منصب رئيس الوزراء الروسي (31 ديسمبر 1999)، ثم أصبح رئيساً للدولة في عام 2000 بعد الفوز في الانتخابات بنسبة 52.94٪ من الأصوات. حملته الانتخابية الأولى كانت وثيقة الصلة بالحرب فى الشيشان والهجوم الارهابى على مبنى سكنى بموسكو، لم يحسم حتى الآن من هم مرتكبوه أو المسئولون عنه، وإن كان الكرملين اتهم الراديكاليين الشيشان.

ترجع جذور البوتينية كنظام سياسي إلى "النظام القديم". فنجاح بوتين يعود إلى فشل المجموعة المعروفة باسم "الليبراليين" في التسعينيات، وهي مجموعة من الشباب الذين شاركوا يلتسين حماسه فيما يتعلق بالإصلاحات السريعة (إيجور جايدار، جينادي بوربوليس، اناتولي تشوبايس، أندري كوزيريف، أوليج لوبوف ويوري سكوكوف). أحد أفراد هذه المجموعة، وهو جايدار، الذى عين وزيراً للاقتصاد في الخامسة والثلاثين من عمره، أجرى بالفعل بعض الإصلاحات الاقتصادية التي وصفها بأنها "علاج بالصدمة". وكانت خطته الاقتصادية تقوم على التعجيل بتحرير الأسعار وخصخصة مؤسسات الدولة وإقامة السوق الحرة. نتيجة كل هذه التدابير كانت تفاقم التضخم. ففي يناير 1992، زادت الأسعار بنسبة 300%، وارتفعت على مدار العام بنسبة 2509%. ثم شهدت معدلات التضخم تذبذبًا بين عامي 1992 و 1996، لتصل إلى 22 % في نهاية عام 1996. هذا التضخم المفرط أدى إلى انهيار الادخار وانخفاض قيمة الأجور والمعاشات، مما تسبب في أزمة اجتماعية حادة.

وقد أجرت حكومة يلتسين عملية إعادة هيكلة كبرى للاقتصاد السوفييتي. ومن بين جميع الإصلاحات، كان الأكثر دراماتيكية إنشاء قطاع خاص كبير في الصناعة والخدمات. وحتى عام 1997، تمت خصخصة 120 ألف شركة، ساهمت بأكثر من 70٪ من الناتج المحلي الإجمالي. الملاك الجدد لتلك الشركات، من طبقة "الروس الجدد" ، الذين كانوا ينتمون لطبقة النومينكلاتورا الشيوعية القديمة والذين فقدوا سلطتهم كشيوعيين ولكنهم استعادوها من خلال حكم الأقلية (الأوليجاركية). وتفتقر عملية الخصخصة بصورة كبيرة إلى الشرعية لما شابها من فساد، حيث بيعت ممتلكات الدولة بسعر أقل بكثير من قيمتها السوقية. يضاف إلى هذا الاتفاق السري بين يلتسين وبوريس بيريزوفسكي وآخرين من الأوليجاركيين، على تحقيق التوازن في الميزانية العامة للدولة التي كانت على وشك الإفلاس وتمويل حملة يلتسين الانتخابية عام 1996 في مقابل تلقي الشركات المملوكة للدولة معاملة تفضيلية ومربحة.

ومن أبرز الإصلاحات السياسية ليلتسين، اعتماد دستور عام 1993 (بعد استفتاء أجري في 25 ابريل من ذلك العام) الذي يمنح صلاحيات مفرطة لرئيس الوزراء، مما أفسح المجال أمام شكل من أشكال "الرئاسة المفرطة"، دون ضمان وجود سلطات مستقلة. وقد استمد فلاديمير بوتين شعبيته الكاسحة منذ توليه السلطة في عام 2000 من الرفض الاجتماعي للفوضى والفساد الناجمين عن ليبرالية التسعينيات، وكذلك من دعم الغالبية العظمى من الشعب الروسي للسياسات الاقتصادية التي أعادت الاستقرار .

المرحلة الأولى من البوتينية (2000- 2013): بوتين المخلص

توطدت دعائم البوتينية بين عامي 2000 و2005 وكانت نتاج فشل النموذج المؤسسي والإصلاح الاقتصادي في التسعينات.

في عام 2000، في خطاب تنصيبه كرئيس جديد لروسيا الاتحادية، ذكر بوتين أن "روسيا تأسست كدولة شديدة المركزية منذ البداية. فهذا أمر متأصل في جيناتنا وتقاليدنا وعقلية الشعب". وفي نفس الخطاب تحدث عن الديمقراطية وسيادة القانون، بيد أنه ركز بشكل أكبر على إعادة بناء الدولة والنظام المؤسسي. وحدد كهدف رئيسي ضمان "دكتاتورية القوانين" وتقوية "الهياكل العمودية للسلطة" وتحييد تأثير حكم القلة الذي هيمن على فترة حكم بوريس يلتسين الرئاسية الأخيرة ووضعها في مأزق.

استهدفت الإصلاحات السياسية الأولى لبوتين استعادة سلطة الدولة المركزية على 85 من الكيانات الاتحادية. وفي مايو 2000، بعد أسابيع قليلة من تنصيبه، وضع بوتين نظاماً جديداً مكوناً من سبعة "مناطق" يرأس كل منها "مفوض". هذا النموذج للحكم طبق في روسيا لأول مرة في عهد القيصر إيفان الرابع (1530-1584). جدير بالذكر أن خمسة من "المفوضين" السبعة كانوا من جنرالات الجيش. وقد ضغط  هؤلاء المفوضون على الحكومات المحلية لجمع الضرائب (واحدة من أكبر مشاكل يلتسين)، واستبدال المسئولين عديمي الفائدة ومراجعة القوانين المحلية التي تتعارض مع القوانين الاتحادية. المعارضة كانت كبيرة، لأن غالبية الجمهوريات كانت تريد أن تحكم دون تدخل من موسكو. وعلى الرغم من ذلك، ألغيت 80% من "القوانين غير الشرعية" (التي لا تتفق مع الدستور).

الخطوة الأولى التي اتخذها بوتين في مجال الإصلاحات الاقتصادية هي تسوية الحسابات مع القلة (الأوليجاركيين). وبعد بضعة أسابيع من توليه الرئاسة، التقى بوتين في الكرملين بغالبيتهم، وقال لهم إنه لن يتهاون من الآن فصاعدًا مع تحديهم لسياسات الدولة. لم يكن بوتين عدواً للشركات الكبرى وإنما لرجال الأعمال الذين يريدون "التدخل في السياسة". الهدف الرئيسي للإصلاحات الاقتصادية التي قام بها الكرملين في عام 2000 كان فرض سيطرة الدولة على اقتصاد رأسمالي. وهكذا ومع بوتين على رأس الحكومة، شهدت روسيا أول نمو اقتصادي منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، ففي عام 1999 حقق الناتج المحلي الإجمالي زيادة قدرها 5.4٪، وفي عام 2000 ارتفع إلى 8.3٪. ومن المفارقات أن الزيادة لم تكن نتيجة لسياسات بوتين الاقتصادية وإنما لتخفيض قيمة الروبل في عام 1998، مما حفز الإنفاق على المنتجات المحلية، وكذلك لارتفاع أسعار النفط (من 11 دولار للبرميل في عام 1998 إلى 30 دولار في عام 2000).

المحور الذي ارتكزت عليه إصلاحات بوتين الاقتصادية هو رفض النيوليبرالية الراديكالية السائدة خلال السنوات الأولى من حكم بوريس يلتسين ووضع تخطيط استراتيجي يخضع لسيطرة الدولة. وتحولت روسيا إلى النظام الحداثي الاستبدادي، أي نظام استبدادي يدفع التحديث الاقتصادي من خلال التحكم في الموارد الطبيعية، وتوزيع الإنتاج، وبفضل هذا استمر في السلطة. تعد الحداثة الاستبدادية نموذجاً فعالاً جداً في المراحل الأولى من الاقتصادات المنهارة (على سبيل المثال، لاقي هذا النموذج نجاحاً في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية). ومع ذلك، فإنه غدا غير فعال على المدى الطويل بسبب المحسوبية، والقوة المفرطة للأوليجاريين وتفشي الفساد.

استخدم بوتين سلطته السياسية لإعادة توزيع عدد من أهم الممتلكات الروسية وتحويل قطاع الطاقة الذي يسيطر عليه رأس المال الخاص إلى قطاع تهيمن عليه الدولة. وأوضح الأمثلة على ذلك تأميم شركة يوكوس (شركة خاصة) وإعادة بيعها إلى شركة روزنيفت (شركة حكومية). وتحت ضغوط، بيعت شركات البترول الخاصةLukoil, TNK-BP)   (Surgutneftegas, إلى أشخاص يدينون بالولاء لبوتين.

وفي الفترة ما بين عامي 2000 و 2005، دشن النظام برنامجا لتعزيز سيطرة الدولة يدعى "الأبطال الوطنيون"، والذي يقوم على إعادة توزيع أصول المصارف وشركات الطيران ووسائل الإعلام والسيارات والصناعة الثقيلة. وفي عام 2005، وضعت الحكومة "القائمة أ" التي تتكون من 27 شركة و "القائمة ب" من 44 شركة من جميع قطاعات الاقتصاد الوطنية الهامة. وكلما ازدادت أهمية الشركة، زادت احتمالات أن يشغل أحد الوزراء منصباً في مجلس إدارتها. ووفقاً للبيانات التي نشرت في عام 2009، تولى مجالس إدارة الشركات الكبرى المملوكة للدولة ممثلون حكوميون (73.7%)، وأعضاء في إدارة الرئيس (7.5%)، وأعضاء بوزارة الداخلية والدفاع (26.1 %). هذا النظام الذي فرضته الدولة يعتبر وسيلة لإضفاء الصبغة القانونية على الفساد واستغلال النفوذ. وقد استعيض عن القلة الحاكمة (الأوليجاركيين) من حقبة يلتسين بأفراد من محيط ثقة بوتين، معظمهم من زملائه السابقين في جهاز كي جى بى وفريق الجودو.

وفي عام 2005 عرف فلاديمير بوتين النظام السياسي الروسي بأنه "حق كل شخص أن يختار شكل الحكم الذي يناسب ظروفه المحلية الخاصة بدلاً مما يتوافق مع المعايير الديمقراطية العالمية". ولكن كان فلاديسلاف سوركوف (مستشار بوتين بين 2000 و 2013) هو من وصف الدولة الروسية بأنها "ديمقراطية سيادية" في عام 2006، للتأكيد على اختلافها مع الديمقراطية الليبرالية. هذا النموذج "الديمقراطي" يعد مثالاً على الدولة الهجين التي تلبي المطالب الشكلية للديمقراطية –انتخابات حرة (نسبياً)، ونظام متعدد الأحزاب وحرية السوق وحرية التعبير من الناحية النظرية- ولكنها تمنع ترسيخ دعائم الديمقراطية من خلال مؤسسات "غير مرئية" كالأجهزة السرية، والسيطرة على وسائل الإعلام والتهاون مع الفساد، مما يساعد بهذه الطريقة على استدامة السلطة الاستبدادية المشخصنة والأوليجاركية (سيطرة القلة) الاقتصادية. ويطلق على هذا النظام أيضا "الديمقراطية غير الليبرالية" أو "الديمقراطية المقلدة"، حيث يقتصر دور النظام المتعدد الأحزاب في الدولة الهجين على محاكاة اللعبة الديمقراطية.

في روسيا هناك ثلاث مجموعات حزبية رئيسية: (1) حزب روسيا الموحدة "الرسمي"، الذي يحظى بأغلبية مطلقة في الدوما. (2) أحزاب "المعارضة الرسمية"، وهي تشكيلات مسجلة وتشارك في المنافسة الانتخابية (يسيطر الكرملين على معظمهم، وتستخدم هذه الأحزاب كواجهة لإعطاء مظهر التعددية الحزبية، وكذلك في تقييد المنافسة السياسية وتعزيز قوة الحزب الرسمي (تم بالفعل تأسيس بعض هذه الأحزاب بإيعاز من الكرملين). (3) "المعارضة غير الرسمية"، وهي مجموعات أو حركات سياسية فشلت في تلبية جميع المتطلبات اللازمة للتسجيل كأحزاب أو تم حظرها بسبب العوائق القانونية العديدة التي يتضمنها قانون الأحزاب السياسية. "الفرق بين الديمقراطية والديمقراطية السيادية هو الفرق بين السترة والسترة المقيدة التي يضعونها للمساجين أو المجانين"، على حد القول الصائب لتيموثي جارتون أش، الصحفي والمؤرخ البريطاني.

ومن بين أهم الإصلاحات التي تصدت لها حكومة فلاديمير بوتين، يبرز إصلاح القوات المسلحة بهدف جعلها أداة للسياسة الخارجية الروسية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي وفي سوريا. حربا الشيشان (1994-1996 و1999-2009) ومقتل 118 بحاراً في حادث تحطم الغواصة النووية K-141 كورسك في بحر بارنتس في 12 اغسطس عام 2000، أظهروا مدى تدهور الجيش والبحرية الروسيين. وقد اتخذ قرار إعادة هيكلة القوات المسلحة في عام 2003 ولكن لم يبدأ تطبيقه إلا بعد خمس سنوات في عام 2008 بسبب نقص الموارد. ومنذ عام 2008 أصبحت الميزانية العسكرية تتراوح بين 4٪ و 5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، بغض النظر عن معدلات النمو أو الركود الاقتصادي.

أزمة المرحلة الأولى من البوتينية

منذ عام 2006، بدأت دولة الحداثة الاستبدادية تظهر جانبها الاستبدادي على نحو متزايد. وفي عام 2004 تركزت السلطات أكثر من ذي قبل في أيدي بوتين بعد فوزه الباهر في الانتخابات الرئاسية (حصل على 71.31٪ من الأصوات). وكان أول التدابير التي اتخذها وضع القانون الذي يمنح الرئيس صلاحية تعيين حكام الجمهوريات، على الرغم من أن المقترحات المختلفة الخاصة بهذا القانون سيتم إخضاعها لتصويت المؤسسات الإقليمية.

وفي نفس السياق،  نجد أن الأعضاء السابقين في المخابرات من زملاء بوتين في الكي جي بي، تزايدت سلطتهم في الظل. وأصبح الصحفيون الذين يجرون تحقيقات حول قضايا الفساد أو الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان في حرب الشيشان معرضين للموت. وبالفعل، قتلت آنا بوليتكوفسكايا (1958-2006) على باب منزلها في موسكو في أكتوبر 2006. وفي لندن، انتحر بيريزوفسكي في ظروف غامضة، وفي نوفمبر 2006 لقى ألكسندر ليتفينينكو، شريك بيريزوفسكي والعميل المزدوج السابق من كي جي بي، مصرعه مسموماً بجرعة قاتلة من مادة بولونيوم-210.

وبدءاً من أبريل 2006، بدأت الدولة تمارس سيطرة شاملة على المنظمات المدنية من خلال مؤسسة جديدة تسمى الغرفة العامة لروسيا الاتحادية. وعوملت الوكالات والمؤسسات الأجنبية باعتبارها جهات مشبوهة، وازدادت الضغوط على المراكز الثقافية الأجنبية مثل المجلس الثقافي البريطاني وعلى وسائل الإعلام مثل هيئة الإذاعة البريطانية و سي إن إن.

ويمثل ديسمبر عام 2011 نقطة تحول في المرحلة الأولى من البوتينية. ففي هذا الشهر اجتاحت المظاهرات المدن الروسية الكبرى احتجاجاً على التزوير المزعوم للانتخابات التشريعية. ولمنع تكرار هذه الاحتجاجات الحاشدة، أقر مجلس الدوما في عام 2012 العديد من القوانين التي تستهدف توفير دعم وغطاء قانوني للنظام الذي يبرز طابعه الاستبدادي على نحو متزايد، وإضفاء الشرعية على القمع السياسي وإحباط أية محاولة من جانب المعارضة للمنافسة على الساحة السياسية. ومن أبرز هذه القوانين الجديدة، قانون المظاهرات (الذي يتضمن إمكانية فرض غرامة تصل إلى 9300 يورو على أي مواطن بسبب التظاهر). وقانون الإنترنت الذي يقضي بإنشاء لجنة يمكنها أن تغلق مواقع الانترنت "الخطرة". وأطلق الكرملين خطاباً حول وجود "عدو داخلي" يفترض أنه يتلقى مساعدات من "عدو خارجي" (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي). ولذلك، صدر قانون الخيانة الذي ينظم معاملة كل هؤلاء الذين يعرفون بأنهم "عملاء أجانب".

وفي حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2012، والتي ترشح فيها بوتين للمرة الثالثة (بعد أن شغل منصب الرئيس بين عامي 2000 و 2008 ورئيس الوزراء بين عامي 2008 و 2012)، وعد بالعودة إلى اختيار الحكام المحليين عن طريق الانتخاب، والتخفيف من القوانين الانتخابية، وتكثيف مكافحة الفساد. وفى أحد خطاباته الانتخابية التي يتحدث فيها عن الشعب الروسى قال "واجبنا ليس فقط المحافظة على هويتنا الوطنية وروحنا كروس، بل وتطويرها أيضاً. لا يمكننا أن نضيع كدولة: علينا أن نكون روس ونظل روس". وفي نفس الخطاب أكد على أهمية الأسرة والعقيدة الدينية. وهكذا استعادت الركائز الثلاث للهوية الوطنية الروسية - (الديانة الأرثوذكسية والأوتوقراطية والأمة)، التي اقترحها سيرجي أوفاروف (1786-1855)، وزير التربية والتعليم الرجعي في عهد القيصر نيكولاس الأول- أهميتها من جديد.

وبعد ثلاثة أشهر فقط من المظاهرات ضد تزوير الانتخابات التشريعية، فاز فلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية بنسبة 62٪ من الأصوات في الجولة الأولى.

المرحلة الثانية من البوتينية: بوتين المحارب

في الفترة ما بين 2000 و 2013، أقر ما بين 55٪ و 63٪ من الشعب الروسي إدارة الرئيس الروسي. ومنذ ضم شبه جزيرة القرم في عام 2014، حظي الرئيس الروسي بشعبية غير مسبوقة حتى ذلك الحين، إذ تراوح عدد مؤيديه بين 81٪ و 83٪ من الشعب الروسي.

هناك ثلاثة ملامح رئيسية للبوتينية الحالية: لم تعد مهمة الرئيس الروسي الآن إنقاذ الناس من القلة الفاسدة (الأوليجاركيين)، وإنما حماية الروس جميعاً، بما في ذلك الأوليجاركيين أنفسهم، لأن الجميع ​​لديهم عدو مشترك، ألا وهو الغرب. لم يعد الضعف الاقتصادي في روسيا يعزى إلى عدم وجود إصلاحات هيكلية عميقة والاعتماد على أسعار المحروقات، وإنما هو نتيجة للعقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب. استغلت هذه العقوبات في تبرير عملية التطهير التي بدأها الكرملين في عام 2017، والتي تتمثل في التدمير المنهجي للبنوك الخاصة في البلاد لتعزيز القوة المالية لمصارف الدولة (التي تأثرت بالعقوبات) وكذلك تعزيز الكرملين. الملمح الثالث هو إظهار رغبة صريحة لاستخدام القوة العسكرية التقليدية ووسائل الحرب الهجين غير المتكافئة وحرب المعلومات لتحقيق أهداف السياسة الخارجية الروسية الخاصة باستعادة مناطق النفوذ الروسي في فضاء ما بعد الاتحاد السوفييتي واستعادة وضعها كقوة عظمى على الساحة الدولية.

مشاعر القومية والوطنية والفخر القومي التي أثارها نجاح ضم شبه جزيرة القرم والتدخل في سوريا، هي أدوات اللحمة الاجتماعية والسياسية في المرحلة الثانية من البوتينية. مفهوم الأمة المقسمة، الذي استخدمه فلاديمير بوتين في خطابه بعد ضم القرم (18 مارس 2014) - "الملايين ذهبوا للنوم في بلد واستيقظوا في دول أخرى عديدة، ليتحولوا بذلك إلى أقليات عرقية في الجمهوريات السوفييتية السابقة. وهكذا أصبحت الأمة الروسية واحدة من أكبر الأمم في العالم- إن لم تكن أكبرها على الإطلاق- التي تفصلها الحدود عن بعضها البعض". وهذا هو العنصر الأساسي في سياسة روسيا تجاه جيرانها وتجاه الجمهوريات السوفيتية السابقة وفي سياسة روسيا للعودة للامبريالية.

الخلاصة

البوتينية باعتبارها نظام سياسي لدولة هجينة تطبق الحداثة بوسائل استبدادية وصلت إلى أقصى حدودها في السياسة الداخلية. تقدم فلاديمير بوتين كمرشح مستقل في الانتخابات الرئاسية المقبلة (مارس 2018)، لينأى بنفسه عن الفساد وعن إخفاقات حزب روسيا المتحدة الحكومي. البوتينية ستظل تتطور نحو نظام أكثر استبدادية وقومية يستغل المآثر العسكرية والسياسة الخارجية والمشاعر المعادية للغرب بين الشعب الروسي كقوة دافعة رئيسية لها.

اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى