30 مايو 2024 01:37 م

ورقة بحثية حول آفاق الوساطة الاثيوبية في الازمة السودانية

الإثنين، 17 يونيو 2019 - 05:25 م


لمحة تاريخية 

     يعود تاريخ العلاقات السياسية بين السودان وإثيوبيا لأكثر من 5000 عام قبل الميلاد ولعل أبرز سبب لعراقة هذه العلاقات يكمن في الحاجة المشتركة لنهر النيل، والتي لا تزال مستمرة إلى اليوم.
   كما يسجل التاريخ الحديث اسم عثمان خالد كأول سفير للسودان لدى إثيوبيا في عام 1897 والذي وضع السودان في قائمة الدول الأول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إثيوبيا. إلا أن هذه العلاقة لم تصل للمستوى المرجو إلا بعد استقلال السودان لتأخذ منحى أكثر قوة بداية من عام 1956.

 بالإضافة إلى ذلك، فقد أجري الرئيس السوداني السابق عمر البشير أول زيارة رسمية لإثيوبيا عام 1991استجابة لدعوة رئيس الوزراء الإثيوبي السابق ملس زيناوي لتوقيع عدد من الاتفاقيات بين البلدين تدفعها مصالح الموقع الجغرافي، وإقامة علاقات عسكرية وأمنية واقتصادية وسياسية تعزز استمرار الارتباط بين الجانبين السوداني الإثيوبي، هذا بالإضافة إلى أن اثيوبيا التي تفتقر إلى سواحل بحرية قد وجدت في ميناء بور سودان متنفساً هاماً لتأمين ممر مائي لحركة التصدير والاستيراد التي تمثل عصب تجارتها الخارجية.

    ولكن على الرغم من توقيع العديد من الاتفاقيات بين الجانبين الإثيوبي والسوداني في العديد من المجالات، إلا أن مستوى تنفيذ هذه الاتفاقيات لم يكن على المستوى المرجو إذ يمكن وصفه بالمتدني، ويعود ذلك للبيروقراطية التي أضعفت قدرات النظامين الإثيوبي والسوداني على تطبيق بنود هذه الاتفاقيات والاستفادة منها.

الأزمة السودانية 

  استجابة للاحتجاجات التي اندلعت في السودان منذ ديسمبر 2018 وبلغت ذروتها في السادس من أبريل2019، فقد جاء التغيير من قيادة الجيش والأمن عندما احتشد المتظاهرون أمام القيادة العامة للجيش مطالبين إياه بالوقوف إلى جانبهم والتدخل لعزل الرئيس عمر البشير على غرار ما فعل وزير دفاع جعفر نميري، الفريق عبد الرحمن سوار الدهب.

وبالفعل استجاب وزير الدفاع عوض بن عوف وأطاح بالرئيس البشير في الحادي عشر من أبريل وشكل مجلسا عسكريا انتقاليا دون مقاومة أو اشتباكات أو إراقة دماء، ولكن المعتصمين أمام مبنى القيادة رفضوا تولي بن عوف رئاسة المجلس العسكري الانتقالي، وبالفعل استقال الرجل من منصبه وأقال نائبه أيضا ليكلف الفريق أول عبدالفتاح البرهان برئاسة المجلس العسكري الانتقالي.

وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذها البرهان حتى الآن، وأهمها الإفراج عن المعتقلين واعتقال عدد من رموز النظام السابق، إلا أن الضغوط لا تزال مستمرة عليه من المعتصمين الذين رفضوا فض الاعتصام ما لم تتم الاستجابة التامة لقائمة المطالب التي قدموها للمجلس العسكري الانتقالي والتي من بينها تسليم السلطة إلى حكومة مدنية يكون القرار في يدها ولا تحكم وفق توجيهات المجلس العسكري الانتقالي.

جوهر الأزمة 

     ولعل أكبر التحديات أمام المعارضة السودانية تكمن في التوافق على تشكيل حكومة مدنية تتولى تسيير الفترة الانتقالية، وانتخاب برلمان وإعادة هيكلة المحكمة الدستورية ومجلس الأحزاب، فضلا عن المحاسبة القانونية لحزب المؤتمر الوطني. وتمثل هذه القضايا أهم الأهداف الواضحة التي يعتقد المحتجون أنها تشكل أولوية قصوى. أما بقية الأهداف فقد تحتاج إلى وقت كما تؤكد قوى المعارضة التي تتألف من ثلاثة كيانات، أولها "تجمع المهنيين" وهو عبارة عن عدد من نقابات الظل من أطباء ومهندسين ومحامين وغيرهم، وثانيها، كيان "نداء السودان" المكون من حزبي الأمة وحزب المؤتمر السوداني والجبهة الثورية التي تضم الحركات المسلحة كالحركة الشرعية وحركة تحرير السودان والعدل والمساواة، بينما يتشكل الكيان الثالث من تحالف قوى الإجماع الوطني الذي يضم الحزب الشيوعي وحزب البعث.

خلفية الوساطة الاثيوبية

    والثابت أن التحرك الإثيوبي لنزع فتيل الازمة السودانية قد جاء بعد أن طلب مجلس السلم والأمن الإفريقي، من الهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)، والتي تترأسها إثيوبيا، بالتواصل مع السودان وبذل جهود من أجل استعادة السلام والاستقرار. وجاء هذا المطلب في نفس اليوم (الخميس الماضي السادس من يونيه) الذي قرر فيه الاتحاد الإفريقي تعليق عضوية السودان في جميع أنشطته لحين تسليم السلطة إلى المدنيين.

   ورغم أن التحرك الإثيوبي جاء بطلب من مجلس السلم والأمن الإفريقي، لكن هناك العديد من المؤشرات التي تدفعنا إلى الاعتقاد بأن أديس أبابا كانت ترغب في التحرك وتنتظر التوقيت المناسب.  ومن بين هذه المؤشرات، أن دعوة مجلس السلم والأمن كانت يوم الخميس الماضي، وتحركت السلطات الإثيوبية على أعلى مستوياتها (ضم الوفد إلى جانب رئيس الوزراء وزير الخارجية ومستشار رئيس الوزراء للأمن القومي ورئيس جهاز المخابرات ورئيس هيئة أركان الجيش) في أقل من 24 ساعة أي أننا أمام حالة من الاستعداد المُسبق.

الوساطة الاثيوبية 

   تأسيساً على عدم التوافق بين المجلس العسكري والقوى المدنية فقد دخلت السودان في دائرة من العنف والصراعات الداخلية بل وصل الأمر الى إطلاق دعوات " عصيان مدنى " على خلفية عدم التوافق بين المجلس العسكري الانتقالي وبعض القوى الأخرى مثل الحرية والتغيير الامر الذى فتح الباب على مصرعيه أمام وساطات إقليمية لعل أهمها يكمن في الوساطة الاثيوبية التي تكمن في التحرك المثير للاهتمام إذ أجرى وفد إثيوبي رفيع المستوى يترأسه رئيس الوزراء آبي أحمد  زيارة إلى الخرطوم، يوم الجمعة السابع من يونيه الجاري ، للتوسط بين المجلس العسكري الانتقالي الذي يدير شؤون السودان، وقوى المعارضة، لإيجاد سيناريو مقبول يُخرج البلاد من أزمتها الراهنة.

  وفى الواقع، فان التحرك الإثيوبي يأتي في وقت بالغ الحساسية حيث دعت المعارضة إلى العصيان المدني وشل الحركة في كامل أنحاء السودان فى ظل المزاعم  التى تشير الى فض الاعتصام بالقوة  أمام مقر القيادة العامة للجيش بالخرطوم.

وخلال زيارته هذه، فقد التقى رئيس الوزراء الإثيوبي آبى احمد برئيس المجلس العسكري الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى جانب عددًا من أعضاء المجلس، ثم التقى قادة تحالف «قوى الحرية والتغيير» المعارض، وناقش مع الطرفين استئناف المفاوضات. وحث جميع الاطراف على التحلي «بالشجاعة والمسؤولية، باتخاذ خطوات سريعة نحو فترة انتقالية ديمقراطية وتوافقية في البلاد.

كما دعا آبي أحمد أطراف الأزمة في السودان إلى العودة إلى مائدة المفاوضات لـ«السير سريعًا نحو اتفاق يؤسس لمرحلة انتقالية ديمقراطية»، وطالبهما بـ«الابتعاد عن الاتهامات». كما اقترح أن تشكيل مجلس سيادي -النقطة الخلافية الأساسية بين المجلس العسكري و«الحرية والتغيير» قبل أحداث فض اعتصام القيادة العامة – من 8 مدنيين و7 عسكريين وأن تكون رئاسته دورية.

 ثم عاد آبي أحمد إلى أديس أبابا في نفس اليوم، لكنه أبقى في الخرطوم مستشاره الخاص لتقريب وجهات النظر بين الطرفين، على أمل أن تكون هناك نقاشات معمقة مع كلا الطرفين تمهيداً لعودته مجدداً إلى الخرطوم خلال أسبوع لمواصلة مساعي الوساطة.

    ظاهريًا، ثمّن المجلس العسكري مبادرة الوساطة الإثيوبية وأكد «حرصه وانفتاحه على التفاوض للوصول إلى تفاهمات مرضية تقود إلى تحقيق التوافق الوطني، والعبور بالفترة الانتقالية إلى بر الأمان، بما يفضي للتأسيس للتحول الديمقراطي الذي يمثل هدف التغيير والتداول السلمي للسلطة في البلاد»، أما على أرض الواقع، فقد صعًد المجلس ضد المعارضة وألقى القبض على ثلاثة من قادة حركة الاحتجاج الشعبية بعد لقائهم رئيس الوزراء الإثيوبي!

وعلى الجانب الآخر، فقد قبلت «قوى الحرية والتغيير» مساعي الوساطة الإثيوبية، لكنها رفضت التفاوض مباشرة مع المجلس العسكري واشترطت «أن يتحمل المجلس العسكري الانتقالي مسؤولية فض اعتصام القيادة»، الذي أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، بالإضافة إلى «إجراء تحقيق دولي في الواقعة، وإطلاق سراح السجناء السياسيين». وطالبت "إتاحة الحريات العامة وحرية الإعلام، ورفع الحصار المفروض على الشعب السوداني بسحب المظاهر العسكرية من الشوارع، ورفع الحظر عن خدمة الإنترنت، قبل الحديث عن أي آفاق للعملية السياسية".

وفى الواقع، فان المقترح الإثيوبي للوساطة لم يأت بجديد فتشكيل المجلس السيادي الذي اقترحه آبي أحمد هو نفس التشكيل الذي سبق وإن اقترحته «قوى الحرية والتغيير» ورفضه المجلس العسكري مما أدى إلى توقف المفاوضات ثم واقعة القيادة العامة وصولًا إلى اللحظة الراهنة التي تعقدت فيها الأمور إلى حد كبير.

نقاط القوة 

   هناك العديد من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن إثيوبيا هي الدولة الأنسب للتوسط في الأزمة السودانية. فأولًا: تتمتع إثيوبيا بقبول من مختلف الأطراف في السودان، وهو ما بدا واضحًا من تثمين كافة أطراف النزاع لمساعيها .ثانيًا: رئيس الوزراء آبي أحمد شخصية ذكية للغاية ويُنظر إليها باحترام على نطاق واسع، إذ استطاع خلال فترة قصيرة أن يصفي أغلب النزاعات الموجودة في بلاده، وأطلق سراح المعارضين السياسيين، ووقع اتفاقات سلام مع الحركات المسلحة، وخلق لبلاده علاقات متوازنة في المحيط الإقليمي. لذا يُعد الرهان على قدرته على إنجاح الوساطة في السودان أمرًا منطقيًا.

نقاط الضعف 

وعلى الجانب الآخر، فان هناك العديد من التخوفات من فشل مساعي أديس أبابا في الوساطة في الأزمة السودانية، بعضها متعلق بالوضع الداخلي، وبعضها متعلق بالضغوط الخارجية. داخليًا: يبقى الأمر معلقًا بيد الأطراف المتنازعة، ومدى رغبة وقدرة الطرفين على تقديم تنازلات من أجل حلحلة الأوضاع المعقدة.خارجيًا: الأخبار المتواترة عن تشجيع وتحريض أطراف إقليمية للمجلس العسكري على التعامل بعنف مع المعارضة، وعدم تسهيل التحول الديمقراطي ونقل السلطة إلى المدنيين، تجعلنا نعتقد أن هذه الأطراف لن تسمح بنجاح مساعي الوساطة الإثيوبية.

وأخبرا ، فُيرى أن الوساطة الاثيوبية لن تؤدى الى نجاحات كبيرة وملموسة على أرض الواقع لأسباب عديدة منها القصور الذى إنتاب الاطروحة المقدمة من جانب رئيس الوزراء الاثيوبى كونها لا تحمل جديداً ، فسبق وأن قدمتها القوى المدنية ولم يحدث عليها توافق ، وكذلك إفتقارها إلى التوافق الملموس وخاصة من قبل المجلس العسكرى الذى يدير شئون البلاد  هذا بالاضافة الى الشكوك الاقليمية فى طبيعة التحرك الاثيوبى. 

المصادر :

1-
https://www.france24.com/fr/video/20190608-mediation-ethiopienne-soudan-le-precisions-notre-correspondant-regional
2-
- https://www.la-croix.com/Monde/Soudan-leaders-contestation-arretes-malgre-mediation-ethiopienne-2019-06-08-1301027688 
3- 
- http://www.lefigaro.fr/flash-actu/soudan-le-premier-ministre-ethiopien-a-khartoum-en-mediateur-20190607


اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى