28 مايو 2024 08:24 ص

إتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2011 - 12:00 ص

ترتبط مصر بقضية فلسطين إرتباطا دائم ثابت تمليه أعتبارات الأمن القومي المصري ، وروابط الدم والقوميه والجغرافيا مع شعب فلسطين، لذلك تأتي القضية الفلسطينية علي رأس أولويات السياسةالخارجية المصرية منذ أكثر من نصف قرن، لم يكن الموقف المصري من قضية فلسطين في أي مرحلة يخضع لحسابات مصالح آنية، ولم يكن أبدا ورقة لمساومات إقليمية أو دولية، ولم يتأثر إهتمام مصر وإرتباطها العضوي بتلك القضية بتغير النظم والسياسات المصرية بداية من مرحلة ما قبل حرب 1948 ثم في الحرب ذاتها مرورا بثورة 23 يوليو 1952 والتي كانت هزيمة الجيوش العربية في فلسطين أحد أسباب تفجرها ، وصولا الي ثورة 25 يناير 2011 التي وضعة اللبنة الأولي لحقبة تاريخية جديدة في تاريخ مصر والأمة العربية في كافة المجالات سياسيا واقتصاديا وأجتماعيا ،تجلت معالمها في تتويج جهود مصر المخلصة والمتواصلة في مساندة القضية الفلسطينية وتوحيد الصف الفلسطيني بتوقيع حركتا " فتح وحماس" بالقاهرة في 3 مايو 2011 وتحت رعاية مصرية "وثيقة الوفاق الوطني" التي أنهت حالة الإنقسام والصراع الفلسطيني- الفلسطيني التي استمرت أكثر من أربع سنوات، تشرذم خلالها الصف الفلسطيني ، وعاني الشعب الفلسطيني تحت وطأتها من العدوان الإسرائيلي المتواصل علي غزه وتردي الظروف الاقتصادية والاجتماعية لدي الشعب الفلسطيني بأكمله، بالإضافة الي شلل عملية مفاوضات السلام الفلسطيني الإسرائيلي.

مصر والقضية الفلسطينية .. محطات تاريخية

ويمكن القول أن إتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية هو أحد المحطات البارزة في الجهود المصرية لدعم القضية الفلسطينية، وتهيئة الظروف للتوصل إلى سلام شامل في المنطقة، وهي الجهود التي بدأت في مرحلة مبكرة من عمر هذه القضية، فقبل ثورة 23 يوليو 1952 كان كل ما يجرى في فلسطين موضع إهتمام الحركة الوطنية المصرية، وكانت مصر طرفاً أساسياً في الأحداث التي سبقت حرب عام 1948، ثم في الحرب ذاتها، حيث كان الجيش المصري في مقدمة الجيوش العربية التي شاركت فيها لمنع المذابح التي إرتكبتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قرية دير ياسين وغيرها من القرى والمدن الفلسطينية، وتحمل الجيش المصري العبء الأكبر في تلك الحرب التي قدمت مصر فيها الآلاف من الشهداء والجرحى.

وكانت المواقف المصرية المؤيدة للقضية الفلسطينية والمناهضة للأطماع الإسرائيلية في المياه والأراضي العربية، سبباّ في مشاركة إسرائيل في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وفي العدوان عليها في 5 يونيو 1967، وفي 6 أكتوبر 1973 خاضت مصر معركة عسكرية مع إسرائيل لتحرير الأرض، ثم خاضت معركة السلام التي فتحت الباب أمام تحيق السلام الشامل والعادل في المنطقة.

وقدمت مصر خلال مراحل القضية الفلسطينية المختلفة كافة أشكال الدعم والمساندة للشعب الفلسطيني، وكانت الجهود التي قامت بها هي العامل الرئيسي في الإعتراف الدولي بتلك القضية، وتحويلها من مجرد قضية لاجئين إلى قضية شعب ووطن، وظهرت تلك الجهود في العديد من الخطوات والتحركات المبكرة على مختلف الدوائر العربية والدولية، فعلى المستوى العربي: تبنت مصر أول قرارعربي يؤكد إستقلال فلسطين، خلال اجتماع اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام المعني بتأسيس جامعة الدول العربية في أكتوبر 1944، وإستضافت أول مؤتمر قمة عربي في مايو 1946 أكد علي أن القضية الفلسطينية هي قضية العرب جميعاً.

وتقدمت مصر عام 1959 باقتراح للجامعة العربية يدعو إلى أن يتمتع الشعب الفلسطيني بالتمثيل الكامل في الجامعة العربية، ما أعطي القضية الفلسطينية زخماً جديداً، وكانت أول من دعا لإنشاء الدولة الفلسطينية عام 1962، حيث دعمت الإعلان الفلسطيني عن وضع دستور في قطاع غزة، نص علي قيام سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في القطاع، وإستضافت عام 1964 أول مؤتمر قمة عربي رداً علي المشروع الإسرائيلي الخاص بتحويل مجري نهر الأردن، كما عرضت، قبل حرب إكتوبر 1973، مشكلة الشرق الأوسط من جديد علي مجلس الأمن، ضمن خطتها لتركيز الإنتباه الدولي علي الأخطار الكامنة في إستمرار حالة اللاسلم واللاحرب بالمنطقة، وطرح مخاطر التغاضي عن مواصلة إسرائيل إحتلال الأراضي العربية.

وفي مايو 1964، إقترحت إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وتأييدها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، بهدف توحيد الصف الفلسطيني، وكان الرئيس السادات أول من اقترح، في سبتمبر 1972، فكرة إقامة حكومة فلسطينية مؤقتة رداً على ادعاءات جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك بعدم وجود شعب فلسطيني، وخلال مؤتمر القمة العربي السادس بالجزائر في نوفمبر 1973، ساعدت مصر جهود "منظمة التحرير الفلسطينية" حتى تمكنت من الحصول علي إعتراف كامل من الدول العربية باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وإتفقت مع كافة الدول العربية، خلال مؤتمرالقمة السابع في الرباط في أكتوبر 1974، علي تأكيد حق الشعب الفلسطيني في إقامة السلطة الوطنية المستقلة بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية.

وعلى المستوى الافريقي: شاركت مصر في مؤتمر القمة الأفريقي الذي عقد بالدار البيضاء خلال شهر يناير 1961، حيث أعلنت أنها تواجه إسرائيل وتحمي الباب الشرقي لأفريقيا، وأن علي دول أفريقيا المتحررة أن تضع حداً للتغلغل الإسرائيلي في القارة، كما شاركت في معظم المؤتمرات اللاحقة التي أكدت على الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولعبت - على مستوى دول عدم الانحياز - دوراً قيادياً في إطار مؤتمر باندونج عام 1955، أفسح المجال للمشكلة الفلسطينية لتطرح على المستوى الدولي.

وعلى المستوى الدولي: كان للجهود المصرية الأثر الأكبر في إصدار العديد من القرارات الدولية التي أكدت على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وسيادته على أرضه، منها القرار رقم3236 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليؤكد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق تقرير المصير وحق الاستقلال وحق العودة، وبناءً علي اقتراح مصري أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 1975 القرار رقم 3375 بدعوة منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك في كافة الجهود والمناقشات والمؤتمرات المتعلقة بالشرق الأوسط، كما تقدمت مصر في يناير 1976 بطلب رسمي إلي وزيري خارجية الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بوصفهما رئيسي المؤتمر الدولي للسلام، لدعوة منظمة التحرير الفلسطينية للاشتراك في المؤتمر عند إستئناف نشاطه.

وفي ضوء مبادرة الرئيس السادات للسلام في المنطقة في نوفمبر 1977وجهت مصر دعوات رسمية إلى كافة أطراف النزاع العربي - الإسرائيلي، بما في ذلك منظمـة التحرير الفلسطينيـة، لعقـد مؤتمر تحضيري في القاهرة للإعداد لإستئناف عقد مؤتمر جنيف الدولي للسلام، ولعبت الدبلوماسية المصرية خلال المباحثات المصرية - الامريكية بأسوان في يناير 1978، دوراً حاسماً في إحداث تطور هام في الموقف الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، ونتيجة لجهود مكثفة شاركت مصر فيها، صدر أول قرار أمريكي في ديسمبر 1988 بفتح حوار مع منظمة التحرير الفلسطينيـة، ليفتح الباب بذلك أمام مرحلة جديدة من جهود السلام، كما أكدت إتفاقية السلام المصرية - الاسرائيلية على وضع إطار عمل بشأن الترتيبات والأسس الخاصة بمشروع الحكم الذاتي الكامل للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لفترة إنتقالية مدتها لا تتعدى الخمس سنوات، وهي الأفكار نفسها التي إنبثقت عنها عملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وشاركت مصر في الاعداد والتوقيع على جميع اتفاقيات السلام بين اسرائيل والسلطة الفسطينية، بدءاّ من اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993، وكان لها دور بارز حتى تم التوقيع علي بروتوكول القـاهرة في أغسطس 1995، الذي تضمن نقل عدد من الصلاحيات للسلطة الفلسطينية، وفي مدينة طابا تم توقيع الاتفاق المرحلي لتوسيع الحكم الذاتي الفلسطيني، وتطبيقاً لهذا الاتفاق تم الانسحاب الإسرائيلي من المدن الكبرى في الضفة الغربية وهي جنين، طولكرم، نابلس، بيت لحم ثم قلقيلية ورام الله.

ونتيجة للجهود المصرية - أيضا - تم التوقيع علي إتفاق الخليل في يناير 1997، حول الإطار العام للترتيبات الأمنية في مدينة الخليل والمراحل التالية من إعادة الانتشار، وشاركت مصر في المبادرة التي تقدمت بها المجموعة العربية إلي الأمم المتحدة في ديسمبر 1997، والتي تقضي برفع التمثيل الفلسطيني في المنظمة الدولية، وطرحت في مايو 1998 مبادرة مشتركة مع فرنسا لعقد مؤتمر دولي لإنقاذ عملية السلام وإيجاد آلية جديدة تضمن تنفيذ الاتفاقات الموقعة، وساندت الجانب الفلسطيني في مطالبته بالالتزام باتفاق "واي ريفر" الذي توصلت إليه مع إسرائيل باعتباره تطبيقاً لإتفاقات أوسلو، حيث إستضافت في سبتمبر 1999 مؤتمر شرم الشيخ بهدف التوقيع علي مذكرة تفاهم بشأن آليات تنفيذ الإتفاق، وبادرت بعدها بعقد قمة في شرم الشيخ شارك فيها الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون والأمين العام للأمم المتحدة، لبحث إمكانية إنسحاب القوات الإسرائيلية إلي أماكن تمركزها قبـل تفجر الانتفاضة، وكذلك المطالبة بإنهاء الحصار الإسرائيلي المفروض علي الأراضي الفلسطينية.

وشاركت أيضا في الجهود التي أدت إلى إقرار خطة خارطة الطريق التي تبنتها اللجنة الرباعية في أكتوبر 2002، وتتضمن رؤية شاملة لحل القضية الفلسطينية تقود إلي إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، كما أيدت وثيقة جنيف غير الرسمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين في ديسمبر 2003 باعتبارها نموذج سلام متوازن من شأنه إنهاء الصراع بين الجانبين وضمان استقرار المنطقة.

وإضافة الى المساندة السياسية والدبلوماسية التى تواصلت حتى يومنا هذا، دعمت مصر القضية الفلسطينية ماديا بتقديم المساعدات وبرامج التدريب ومد قطاع غزة بالكهرباء، وتركيب مكثفات للجهدعلي الخطوط الكهربائية الممتدة من رفح المصرية إلي رفح الفلسطينية لزيادة قدرة التيار الكهربائي بمدن وقري قطاع غزة المعزولة لتلبية إحتياجات الفلسطينيين وتخفيف عبء الحصار المفروض عليهم، وأسهمت بدرجة كبيرة في رفع المستوى العلمي والتكنولوجي للفلسطينيين، وفتحت الباب امام إستقبال الطلبة الفلسطينيين الراغبين في الدراسة بها...إلخ


مصر وإتفاق المصالحة الفلسطينية

ومن منطلق حرصها على دعم ومساندة القضية الفلسطينية، قامت مصر بجهود متواصلة، خاصة خلال العقد الأخير، لتحقيق المصالحة ووحدة الصف الفلسطينى، بما يحفظ المصالح الوطنية العليا ويحقق الطموحات المشروعة للشعب الفلسطيني، ومرت تلك الجهود عبر مرحلتين ، الأولى: بدأت في 11 نوفمبر 2002، وحتى عام 2007، وخلالها إستضافت القاهرة حواراً وطنياّ فلسطينياً في جولات متكررة، سعياّ إلى رأب الصدع وترتيب البيت الفلسطيني الداخلى بما يسمح ببدء تنفيذ خطة خارطة الطريق.

وعقدت جولات هذا الحوار بمشاركة 13 وفداً من الفصائل والأحزاب السياسية في مقدمتها: منظمات فتح وحماس والجهاد، والجبهة الشعبية الفلسطينية، والجبهة الديمقراطية الفلسطينية، واللجنة المركزية لجبهة التحرير الفلسطينية، وحزب الشعب الفلسطيني.

وقد استهدف الحوار وضع برنامج سياسي موحد بين كل الفصائل، ركيزته الأساسية تخويل السلطة الفلسطينية إجراء مفاوضات مع إسرائيل في القضايا المصيرية، وعدم قيام أي فصيل من الفصائل بالخروج عن البرنامج السياسي الموحد أو الإنفراد باتخاذ القرار، إضافة إلى تدعيم السلطة الفلسطينية، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وحرصت خلال الحوار على تحقيق الإجماع الوطني، في ظل التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية، والتأكيد على أنها لا تشكل بديلاً عن السلطة الفلسطينية، وأن علي جميع الفصائل التفكير في المصالح العليا للشعب الفلسطيني، وتوحيد رؤيتها بما يدفع الأطراف الدولية إلى معاودة الاهتمام بعملية السلام في الشرق الأوسط.

أما المرحلة الثانية، فقد بدأت في 30 أغسطس 2008 حتى تم التوقيع على إتفاق المصالحة يوم 3 مايو 2011، وقد إستهدفت هذه المرحلة لم الشمل الفلسطيني بعد الإنقسام الخطير بين حركتي "فتح" و"حماس" عقب إنتخابات عام 2006 التي فازت بها الأخيرة، وأدت إلى مواجهات بين الحركتين بلغت ذروتها في شهر يونيو 2007، عندما تمكنت "حماس" من الاستيلاء

على قطاع غزة، بعد مواجهات مسلحة مع قوات الامن التابعة لحركة "فتح". وأعقب ذلك توقيع إتفاق مكة عام 2007، الذي إنهار بسبب إصرار إسرائيل والغرب على رفض التعاطي مع حركة حماس، الامر الذي أعطى إسرائيل الذريعة للتباطؤ في مسار السلام، بجانب وصول الوضع الفلسطيني الداخلي إلى طريق مسدود، وتدهور في أهمية العامل الفلسطيني في المنطقة والعالم.

ونظراً لخطورة تلك الأوضاع.. طرحت مصر يوم 22 أكتوبر 2008، ورقة للحوار الشامل بين المنظمات الفلسطينية، تتعلق بمسألة تشكيل حكومة توافق وطنى، وتتضمن أفكاراً تتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية وهيكلها والعضوية فيها ومشاركة الجميع فيها باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وتضمنت أيضا رؤية لكيفية إجراء الإنتخابات، وإجراءات المصالحة، والأجهزة الأمنية، وميثاق شرف فلسطيني داخلي، وإستضافت في إطار تلك المبادرة حواراً وطنيا فلسطينيا كانت بدايته بمشاركة واسعة من ممثلي الفصائل وعدد من الشخصيات المستقلة، ولكن نظراً لأن جوهر المشكلة التي نجم عنها إنفصال قطاع غزة عن الضفة الغربية تتعلق بالعلاقات بين حركتي "حماس" و"فتح" ، فإن المفاوضات إقتصرت عليهما.

وقد بدأت أولى جولات هذا الحوار يوم 26 فبرير 2009 بمشاركة جميع الفصائل والتنظيمات الفلسطينية وبعض القوى المستقلة، وذلك بعد يوم واحد من الإتفاق الذي توصلت له الحركتان، وشمل التأكيد على الإلتزام بالوقف الكامل للحملات الإعلامية والإعتقالات بين الطرفين مع بدء جلسات الحوار، وإختتمت هذه الجولة بالاتفاق على تشكيل لجان عمل مختصة بقضايا تشكيل حكومة وحدة، وإعادة بناء منظمة التحرير وإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية، وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية وتحقيق المصالحة.

وبعدها توالت جولات هذا الحوار، حيث عقدت خمس أخرى بعد الجولة الأولى، الثانية يوم 10 مارس 2009، والثالثة في الأول من أبريل 2009 لإستكمال المحادثات حول القضايا الخلافية المتبقية وهى: تشكيل الحكومة وبرنامجها السياسى والصيغـة الإنتقاليـة للأمن والمشاركة فى منظمة التحرير وقانـون الانتخابـات، وفي 27 أبريل 2009 انطلقت جولة الحوار الرابعة، بينما عقدت الخامسة فى 16 مايو 2009 لبحث ملفات الحكومة‏ والأمن والانتخابات.

وفي الجولة السادسة التي عقدت يوم 28 يونيو 2009، اقترحت مصر صيغاّ توافقية للمسائل العالقة، تضمنت أن يكون النظام الانتخابي 75 في المائة نسبي و25 في المائة دوائر، بالإضافة إلى تشكيل قوة أمنية مشتركة تحظى بالدعم العربي، تمهيدا لإعادة هيكلة بناء الأمن تمهيداّ لإجراء الانتخابات، وفي أكتوبر 2009، كانت المفاوضات على وشك الوصول إلى إتفاق، ولكن قيام وفد السلطة الفلسطينية في جنيف بطلب تأجيل النظر في تقرير "جولدستون" من قبل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، ومطالب حركة "حماس" بإعادة النظر في نص الإتفاق، وضع المصالحة الفلسطينية في مأزق جديد، ما دفع مصر إلى تأجيل جولة الحوار السابعة، الى حين توافر الظروف الملائمة لإستئنافها.

ومن منطلق مسئولية مصر التاريخية تجاه القضية الفلسطينية، وإلتقاء مصالح مصر الوطنية مع الاستقرار في الساحة الفلسطينية، حرصت مصر خلال كل تلك الجولات على الوقوف على مسافة واحدة من أطراف الخلاف، ولم تفقد الأمل في إمكانية تحقيق الإجماع الوطني وتوحيد رؤية الفصائل الفلسطينية، بما يحافظ على المصالح الفلسطينية العليا، ويدفع الأطراف الدولية إلى معاودة الاهتمام بعملية السلام في الشرق الأوسط، يؤكد ذلك أنه رغم تعثر هذا الحوار، لم تلجأ مصر الى الاعلان عن فشله كلياً، من منطلق الحرص على استمرار الزخم ومواصلة الجهود من أجل التوافق بين حركتي "فتح" و"حماس"، وفي كل جولة كانت تخرج بإعلان إرجاء الحوار لجولة أخرى، بهدف إفساح المجال للتقارب بشأن القضايا الخلافية بينهما، ولذلك أعلنت إستمرار مهمة وفدها الأمني على صعيد إتصالاته مع مختلف الأطراف الفلسطينية، الى أن تم التوقيع على الإتفاق.

والحقيقة أن التوقيع على هذا الاتفاق، بعد أكثر من أربعة أعوام من الإنقسام الفلسطيني - الفلسطيني، جاء إنعكاسا لمجموعة من الدوافع التي مثلت عوامل مساندة للجهود المصرية، أهمها: تراجع تأثير العامل الخارجي في صنع القرار الفلسطيني، والدليل على ذلك أن التوقيع عليه، جاء بعد المتغيرات السياسية التي شهدتها - ولا زالت - تشهدها بعض الدول العربية، خاصة تلك التي لها دوراّ وإرتباطات ببعض الفصائل الفلسطينية، إضافة إلى الضغط الشعبي الفلسطيني على مختلف الفصائل لانهاء حالة الانقسام، بعد الإنتفاضات والثورات العربية التي خلقت واقعاّ جديداّ وإجواء إيجابية نحو توحيد الموقف العربي.


مستقبل إتفاق المصالحة الفلسطينية

والمؤكد أن نجاح تنفيذ هذا الإتفاق - الذي يخدم مشروع الدولة الفلسطينية، لاسيما بعد ردود الفعل الدولية المرحبة به، خاصة من جانب فرنسا التى أعلنت إستعدادها للاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، حيث يتضمن مجموعة من البنود التى تعزز فرص تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإعادة إعمار قطاع غزة ورفع الحصار عنه، وإجراء الإنتخابات التشريعية والرئاسية، وإعادة عقد المجلس التشريعي إلى أن يتم إجراء الإنتخابات، وتشكيل مجلس أعلى للأمن، والإفراج عن المعتقلين السياسيين - يتطلب تنسيقاً للمواقف السياسية والعملية بين الطرفين الفلسطينيين الرئيسيين، فتح وحماس، ومع باقي الفصائل، وإعتماد لغة جديدة في مخاطبة المنطقة والعالم، خاصة فيما يتعلق بعملية السلام، بما يعزز من فرص صموده فى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي بدأت في الظهور بمجرد الإعلان عن توقيعه، وهي توجهات يمكن تحقيقها والإلتزام بها في ضوء التجربة السابقة التى من المؤكد أنها أقنعت كافة الفصائل الفلسطينية أن المصالحة والوحدة الوطنية هى السبيل الوحيد لتحقيق آمال وطموحات الشعب الفلسطينى.

ومع أن مهمة حماية المصالحة فلسطينية بالدرجة الأولى تعتمد علي الأطراف الفلسطينية نفسها، إلا أنها تحتاج أيضا إلى دعم عربى لحمايتها، وما يستلزمه من جهود سياسية وإعلامية ومالية لمواكبة التوافق الفلسطيني وإيصاله إلى مرحلة الأمان، خاصة وأن نجاح طرح إعلان الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة في سبتمبر 2011 يتطلب جهداً دبلوماسياً عربيا ودولياّ هائلاً، وتنسيقاّ في الأدوار والمواقف خلال تلك المرحلة الدقيقة.


إتفاق المصالحة الفلسطينية ودور مصر الإقليمي

وأخيراّ .. فإنه رغم ظروف المرحلة الإنتقالية التي تمر بها مصر حالياّ، والتي تزدحم فيها أجندة أولوياتها، فإن نجاحها في إقناع حركتي "فتح" و"حماس" بالتوقيع على إتفاق المصالحة، يؤكد مجدداً خطأ المزاعم التي يرددها البعض بتراجع دور مصر الإقليمي، بصفة عامة أو تقليصه لحساب أدوار أخرى، حيث أكد هذا الاتفاق مجدداّ أن مصر كانت وستظل الدولة الأكثر تأثيراً فيما يجرى بالمنطقة، وأنها مصممة على إعادة بناء الداخل عبر توظيف ناجح للسياسة الخارجية فى بعديها العربي والإقليمي والدولي، كما أكد التزامها بإستمرار دعم القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ولكن بخطى حذرة، تتفق مع المقتضيات والضرورات التى تفرضها حالة إعادة البناء الداخلي بعد ثورة 25 يناير.


اخبار متعلقه

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى