أسباب الثورة

شهدت مصر على مدار تاريخها المعاصر عدداً من الثورات بدءً من القرن التاسع عشر مروراً بالقرن العشرين وصولاً إلى القرن الحادي والعشرين، حيث تباين القائمين عليها ما بين الجيش ضد حاكمه أو التي قام بها الشعب في مواجهة المستعمر أو الاستبداد والقهر والقمع.

ففي 9 سبتمبر عام 1881 اندلعت الثورة العرابية والتي ضمت بين جنباتها الجيش والشعب المصري بكامل طوائفه، بسبب سوء الأحوال السياسية والاقتصادية والتدخل الأجنبي في الشأن المصري وإصرار الخديوي توفيق على الحكم المطلق للبلاد.

ثم جاءت الثورة الشعبية في عام 1919، والتي اندلعت في أعقاب نفي الزعيم سعد زغلول ورفاقه من قّبِل الاحتلال البريطاني إلى جزيرة مالطة بالبحر المتوسط، لمطالبتهم باستقلال مصر، إلا أن تزايد الاحتجاجات الشعبية وتظاهرات الشعب المصري نتيجة للمعاملة القاسية بحقهم من قّبِل البريطانيين، والأحكام العرفية التي أُصدرت بحق المصريين إضافة إلى رغبتهم بالحصول على الاستقلال، أدى إلى اضطرار انجلترا إلى الإفراج عن سعد زغلول وزملائه وعودتهم من المنفي، وسماحها للوفد المصري برئاسة سعد زغلول بالسفر إلي مؤتمر الصلح في باريس لعرض قضية استقلال مصر.

وبعد ثلاثة عقود من ثورة 1919، جاءت الثورة الثالثة خلال تاريخ مصر المعاصر، وهي حركة 23 يوليو 1952 والتي قام بها ضباط من الجيش المصري ضد الحكم الملكي الذي زاد فيه الفساد والمحسوبية الأمر الذي ساعد في هزيمة عام 1948، وأدى نجاح هذه الحركة والتي أُطلق عليها فيما بعد ثورة يوليو إلى اجبار الملك على التنازل عن العرش لولي عهده، استتبعه إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية في 18 يونيو 1953.

هذا الإرث النضالي للشعب المصري على مدار تاريخه المعاصر يثبت أن الشعب بالرغم من أنه يصبر على الظروف المحيطة به من اضطهاد لمستعمر أو استبداد لحاكم إلا أنه يثور في مواجهة الطغيان، وهو ما أدى إلى ثورة 25 يناير ـ أو ثورة اللوتس كما أُطلق عليها ـ والتي اتسمت بأنها أكثر ثورات الشعب المصري شعبية وأنصعها بياضاً.

بدأت ثورة اللوتس يوم 25 يناير 2011 باحتجاجات شعبية ذات طابع اجتماعي سياسي محددة هدفها الأول الاحتجاج علي سلوك الشرطة العنيف ضد فئات المجتمع ، والأوضاع المعيشية والسياسية والاقتصادية السيئة، وكذلك على ما اعتبر فساداً في ظل حكم الرئيس محمد حسني مبارك. المظاهرات التي واكبت يوم عيد الشرطة، دعت إليها حركتي كفاية، و6 ابريل، ومجموعة الشباب علي مواقع التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر ، والتي من أشهرها مجموعة «كلنا خالد سعيد» .

وكان لتحديد هذا اليوم حدث بالغ الأهمية في المعنى والرسالة فقد كانت الرسالة موجهه خصيصاً لوزارة الداخلية والأسلوب القمعى الذي تتبعه .

ومع تصاعد الأحداث خاصة يوم 28 يناير 2011، والذي شهد زحفاً شعبياً علي الميادين والشوارع، وما تبعه من انفلات أمني جراء اقتحام العديد من السجون وأقسام الشرطة، فقد أدت هذه الثورة إلى تنحي الرئيس محمد حسني مبارك عن الحكم في 11 فبراير 2011، ففي السادسة من مساء الجمعة 11 فبراير 2011، أعلن نائب الرئيس عمر سليمان في بيان مقتضب تخلي الرئيس عن منصبه وأنه كلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة شؤون البلاد. وقد أعلنت أغلب القوى السياسية التي شاركت في التظاهرات قبل تنحي مبارك عن استمرار الثورة حتى تحقيق الأهداف الاجتماعية التي قامت من أجلها.

وقد رأت لجنة تقصي الحقائق حول أحداث العنف التي صاحبت ثورة 25 يناير، أنه من أبرز الأسباب المتراكمة التي أدت لثورة 25 يناير ، إهمال الحكومات المصرية المتعاقبة الرأي العام و قراءة منحنياته وقياسه واتخاذه هادياً ومرشداً لها في وضع سياساتها العامة وتحديد القواعد الدستورية التي تتسم والروح السائدة للنظام السياسي، وكيفية مشاركة الجماهير في العملية السياسية ، إذ أن نتائج تلك المشاركة تعكس - عادة - آراء شرائح المواطنين الذين لديهم الرغبة والقدرة على المشاركة الفعلية ، ويكون الرأي العام مرشداً للقيادة السياسية ، ومؤشراً للتأييد الشعبي أو الرفض الشعبي ، وهادياً للساسة نحو الطريق الذي يحقق للشعب السعادة والرفاه. ولذلك تعمل الأنظمة الديمقراطية المعاصرة على تمكين الجمهور من الاطلاع على الوثائق المستندات الحكومية وقواعد البيانات والمعلومات المتاحة لديها ، ما لم تكن في ذلك خطورة على الأمن القومي للدولة . وعانى النظام المصري من حجب المعلومات بدون سبب واضح ، مما أدى إلى عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية ، و تعرض الدولة لحركات سياسية مفاجئة كالذي حدث في 25 يناير.

ومع ارتفاع الأسعار وضعف الأجور زادت الوقفات الاجتماعية والمطالبة بزيادة الأجور لمواجهة المتطلبات الضرورية للحياة ، فكانت مؤشراً صادقاً لسخط الجماهير التي سارعت إلى المشاركة في الثورة حتى وإن كانت قد بدأت لأسباب سياسية .

ولم تكن تلك الأسباب بحاجة إلى سبب مباشر وهو أن يعرف الشعب أن النظام – أي نظام - لن يستطيع قتل كل مواطنيه ، وأنه ليس مجدياً في شئ قتل معارض أو أكثر لأن خلفهم الآلاف من المتظاهرين الذين سيزدادون شراسة لو قتل أحد منهم ، وهذه القاعدة البسيطة هي جوهر انتصار أي حركة شعبية تسعى للتغيير على أرض الواقع ، لأنها تحمل عدة دلالات فالعنف له حدود ولم يعد يصلح أداة لقهر الشعوب. وفيما يلى نعرض لأهم الأسباب التى ساهمت فى إطلاق شرارة الثورة المصرية:

أولاً : أسباب مباشرة

1- أسباب اقتصادية واجتماعية :

لا شك أن الجماهير المصرية لم تتحرك بوحي من مطالب التغيير السياسي فقط ولكن بإلحاح من ظروفها المعيشية ووضعها الاقتصادي الصعب أيضاً . فعلى مدار الثلاثين عاماً الماضية تعرضت مصر للسرقة والنهب من رموز نظام الرئيس السابق وحاشيته، ووزراء حكوماته المتعاقبة، مما كان له الأثر الكبير فى تفاقم مظاهر الفساد السياسى ، وتنامى مؤشرات التدهور الاقتصادى والاجتماعى ، والتى من بينها التراجع الملحوظ فى مستوى التعليم ، وارتفاع معدلات البطالة، وانتشار الجرائم، وشيوع الفقر.

ولعب هذا العامل دوراً كبيراً في اندلاع الثورة ، خاصة مع زيادة نسبة الفقر في المجتمع المصري مع نهاية عام 2010 ، حيث ارتفعت إلى 80% من الشعب منهم أكثر من 40% معدومين أي تحت خط الفقر بلغ معدل دخل الفرد منهم نحو دولارين فى اليوم ، وعلى هذا انقسم المجتمع المصري إلى طبقتين ليس بينهما وسط، إحداهما أقلية «تملك الكثير» وهي تمثل %20 فقط من الشعب، وطبقة ثانيه أغلبية «لا تملك سوي القليل» وهي تمثل 80% من الشعب، وهذا هو النظام الأوليجاركي الذي تسيطر فيه قلةٌ على الثروة مستولين على حق الشعب الكادح ويطلق عليه أيضاً «الرأسمالية الاحتكارية» التي يحاول فيها رجال الأعمال والمستثمرون السيطرة والاحتكار على هيئات ونظم الدولة،محاولين إدارة دفة الحكم لمصلحتهم، وبذلك يسيطرون على كل هيئات وسلطات الدولة، تشريعية كانت أو تنفيذيه بل وحتى قضائية. يشار أيضاً الي أنه ونتيجة للعوامل السابقة، فقد انتشرت العشوائيات بشكل كبير مخلفة مشكلة اجتماعية وإنسانية تمثل قنبلة موقوتة لتفجير المجتمع.

ويرجع الاقتصاديون أسباب تنامي الفجوة بين الأغنياء و الفقراء إلى التوزيع غير العادل للناتج القومي فقد توسع دور القطاع الخاص كبديل عن القطاع العام ، لكن الملاحظ أن القطاع الخاص أهمل تماما البعد الاجتماعي للتنمية و قصر نشاطه على القطاعات الخدمية و التسويقية وأنشطة الاستيراد وظهرت طبقة اجتماعية تتعارض مصالحها مع وجود صناعات وطنية ، ولقد حصل القطاع الخاص على ما يعادل 75 % من إجمالي إقراض البنوك المصرية علاوة على الاستثناءات والإعفاءات الضريبية ، وانحسر دور القطاع الحكومي في أن يكون دوراً تكميلياً أو تسهيلياً أو تخديمياً للقطاع الخاص، إذ لم يزد الإنفاق الاستثماري الحكومي عن 10% من إنفاق الموازنة.

فعلى الرغم من أن الاقتصاد المصري نما بشكل جيد إلا أن أغلب المصريين لم يشعروا بأنهم قد نالوا حصتهم العادلة من نتيجة هذه النمو. فبدلاً من ذلك رأوا رجال أعمال أثرياء لهم علاقات بالحزب الحاكم تخولهم اغتراف ثروات البلاد وساد الفساد الحياة المصرية فقضى على كل بارقة أمل. و لا ينكر منصف أنه في عهد الرئيس الأسبق اتسعت الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون اتساعاً مهولاً. ولو أن أموال الأثرياء صرفت في داخل مصر لخلق وظائف جديدة أو منتجات جديدة لهان الأمر. لكنها للأسف كانت تنفق على المظاهر والأبهة في الوقت الذي يقف المواطن الشريف في طابور الخبز ، وفي الوقت الذي يجنى فيه عدد كبير من النخبة الرأسمالية دخولاً ضخمة دون عنت ، لا يجد الموظف العام أو العامل العادي قوت يومه أو قوت عياله ، فهل هناك ما يبعث على الثورة أكثر من ذلك؟ فضلاً عن أن معظم هذه الأموال قد هربت إلى بنوك أوروبا والشرق الأوسط ، فحرمت الجماهير من فرصة عمل تقيم أودهم بإعادة استثمار هذه الأموال داخل الدولة.

و قد ساعد على اتساع الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون عدة عوامل أهمها:

  • سوء توزيع الناتج القومي.
  • انتشار الفساد الاقتصادي والإداري.
  • بيع القطاع العام وما صاحبه من إهدار المال العام.
  • البطالة التي تزايدت بتزايد عدد السكان وضعف الاستثمار.
  • ضعف التعليم وانخفاض أعداد العمالة المهنية المدربة واستبدال عمالة مدربة غير مصرية بالمصريين.

2- أسباب سياسية :

2-1 قانون الطوارئ:

وهو القانون المعمول به فى مصر باستمرار منذ خمسينيات القرن الماضى ، باستثناء فترات قصيرة جداً ، وبموجب هذا القانون توسعت سلطة الشرطة ، وعلقت الحقوق الدستورية ، وفرضت الرقابة، وتم تقييد أى نشاط سياسى غير حكومى .

وقد منح قانون الطوارىء الحكومات المصرية المتتالية السابقة الحق فى أن تحتجز أى شخص لفترة غير محددة لسبب أو بدون سبب ، وسعت هذه الحكومات بقوة لإبقاء العمل بهذا القانون بحجة الحفاظ على الأمن القومى .

2-2 تجاوزات رجال الشرطة وانتهاك حقوق الانسان والمواطن :

ففى ظل العمل بقانون الطوارئ عانى المواطن المصرى من انتهاكات كثيرة لحقوقه من جانب أفراد الشرطة ، جسدتها بوضوح حالات إلقاء القبض والحبس والقتل ، ومن أشهر هذه الحالات مقتل الشاب السكندرى خالد محمد سعيد الذى توفى على يد رجال الشرطة فى منطقة سيدى جابر فى السادس من يونيو عام 2010، بعد أن تم ضربه حتى الموت أمام عدد من شهود العيان، ووفاة شاب آخر هو السيد بلال أثناء احتجازه فى مباحث أمن الدولة بالإسكندرية، بعد تعذيبه فى أعقاب حادثة تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية.

2-3ضعف الأحزاب السياسية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وسيطرة الدولة عليها :

تعد الأحزاب السياسية الحقيقية – لا الورقية- خير معبر عن اتجاهات الرأي العام فالأحزاب السياسية تعمل جاهدة على تكوين قاعدة للمعلومات الصحيحة عن القضايا الجماهيرية المثارة . ولا شك أن تنافس الأحزاب السياسية يؤدى إلى كشف الحقائق حتى ولو حاول المسئولون إخفائها . و من ثم فإن النظم السياسية التي لا تسمح بتكوين الأحزاب السياسية – أو تسمح بتكوين أحزاب صورية - تفقد كثيراً من حيويات و فعاليات المنافسة ، و بذلك يتكون فيها رأى عام مضلل ، أو مغرر به ، يكون في المحصلة النهائية وبالاً على النظام السياسي نفسه . وإذا كان للأحزاب السياسية هذا الدور المؤثر في تكوين الرأي العام و تحديد اتجاهاته فلا شك أن هناك منظمات أخرى لها تأثير كبير أيضا في تشكيل الرأي العام من بينها النقابات على شتى أنواعها و قد نالها الوهن هي الأخرى فالنقابات العمالية سيطرت عليها الحكومة و الحزب الحاكم بكافة الوسائل ،و النقابات المهنية أضعفها القانون رقم 100 لسنة 2000- الذى قضى بعدم دستوريته مؤخراً- كما أضعفها التشاحن بين قياداتها فتقلص أداء بعضها ووضع البعض الآخر تحت الحراسة ،و أصبحنا لا نسمع إلا صوت الحزب الوطني . و بعد الانتخابات الأخيرة لمجلسي الشعب والشورى و استبعاد القوى المعارضة - مهما كانت شكلية أو رمزية - تحولت مصر- واقعيا- إلى نظام الحزب الواحد كما أصاب الضعف أيضا منظمات المجتمع المدني بالتضييق عليها ووصمها بالعمالة للخارج والحيلولة بينها و بين رصد الحقائق عن النظام السياسي المصري. لقد قامت هذه الثورة بسبب انسداد القنوات الشرعية للتعبير عن الرأي الأمر الذي يعنى ببساطة أن أي غضب على أوضاع مصر لا مجال أمامه إلا أن تخرج الناس إلى الشارع للتعبير عن غضبها لان جميع آليات التعبير السياسي الفاعلة الأخرى لم تعد مجدية ، كل ذلك في ظل ثورة المعلومات ووسائل الاتصال التي أصبح بإمكان هذه الجماهير الغفيرة أن تجيش أعدادا هائلة من الشباب عن طريق " الفيس بوك " شبكة التواصل الاجتماعي ومن ثم أصبحت هي البديل عن الأحزاب السياسية وهى المكون الفاعل فى تكوين الرأي العام خاصة المنصف منهم. وهو ما قاد إلى التقاء الرؤى و توحدها في ثورة 25 يناير .

2-4 التوريث :

استمرار الرئيس السابق حسنى مبارك على قمة النظام السياسى فى مصر منذ عام 1981، ولفترة تبلغ ثلاثين عاماً، وعدم وجود تداول حقيقى للسلطة، وإصراره على عدم تعيين نائب له خلال تلك الفترة، والمخاوف المتزايدة من مسألة التوريث، وعدم تعامله معها بشكل جاد ، كانت كلها عوامل تضافرت لتعظيم مشاعر الغضب والسخط وحتى الإحباط ، وفقدان الأمل من جانب المصريين فى أية إمكانية للتغيير من جانب القيادة السياسية، وبالتالى كان تحرك الشباب كنوع من الثورة على هذه الإحباطات.

وتعد مسألة التوريث من أهم أسباب ثورة 25 يناير 2011 ، فلقد قامت هذه الثورة في وقت كان التحضير فيه لتوريث منصب رئاسة الجمهورية على قدم وساق والظروف كانت تنبئ بتمرير تلك الخطة ببساطة ويسر لكون مفاتيح التشريع مضمونة وكلها تدين بالولاء لأسرة الرئيس . فالأغلبية الكاسحة لمجلسى الشعب و الشورى بتكوينهما قبل الانتخابات بيد الحزب الوطني . والرأي العام العالمي يبدو أنه لا يعارضه، إذن فقضية التوريث محسومة إلى حد كبير ولم يكن يبقى عليها سوى الخطوة الأخيرة وهي تعيين الإبن رئيساً للجمهورية خلفاً لوالده في انتخابات شكلية كتلك التي دأبت عليها مصر في الحقب الفائتة .

ولكن كانت المشكلة الأساسية هي أن مشروع التوريث مرفوض جماهيرياً ومن النخبة المثقفة والمهتمة بالشأن العام بالإضافة إلى أن مشروع التوريث لا يلق ترحيباً من المؤسسة العسكرية لعلمها اليقيني بحالة الفساد المذهلة التي استشرت في جميع أوصال الوطن كناتج لزواج السلطة مع الثروة وهو إفراز طبيعي لوزارة غالبية وزرائها من رجال الأعمال قام رئيس لجنة السياسات بنفسه باختيارهم ووضع كل منهم في منصبه المناسب، فدانت له الحكومة باعتباره صاحب الفضل في اختيار معظم أعضائها.

والملفت للنظر أن النظام المصري الحاكم بدأ يفقد توازنه ورشده حينما تم تفويض الكثيرمن صلاحيات الرئيس إلى أمانة السياسات بالحزب الوطني التي يقف على قمتها نجل الرئيس .ثم بدأت مقولات الفكر الجديد تزدهر ليدير شئون مصر أشخاص عاشوا حياتهم كرجال أعمال ، طبيعتهم وطريقة تفكيرهم وليدة السوق وليست وليدة إرضاء الجماهير . ولقد وفر ذلك المناخ فرصة واعدة للاحتكار الاقتصادي إلى جانب الاحتكار السياسي فى انتخابات مجلس الشعب الماضية فضلاً عن احتكار اتحاد الطلبة .

وزاد الأمر سوءً، تنامي خطة توريث الحكم وما تطلبه من تعديل دستور 1971 مرتين الأولى في سنة 2005 بتعديل المادة 76 ووضع شروط تعجيزية ، تحول دون منافسة أحد لإبن الرئيس في تولى رئاسة الجمهورية ، والثانية في سنة 2007 لإلغاء الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات بما يمكن النظام من التحكم في الانتخابات التشريعية وهو ما أدى إلى تزوير الانتخابات التشريعية التى جرت عام 2010 بشكل فاضح أفقد المواطنين الثقة في جدوى إبداء رأيهم في الانتخابات وقاد المجتمع إلى مجالس نيابية لا تمثل إرادة المواطنين وإنما تحقق رغبة النظام وتضعف رقابته على الحكومة . ولم يكن هناك بد من كسر هذه الحلقة الجهنمية بالقوة لأنها كانت الخيار الوحيد والأخير أمام شعب محبط ، لم يقدر رجال الحكم نتائج غضبه ورد الفعل لأهانته بتوريث الحكم من رئيس اقسم أمام شعبه على الحفاظ على النظام الجمهوري.

2-5 الفساد السياسي والمـــالي :

أعلنت منظمة الشفافية الدولية وهي منظمة دولية لرصد جميع أنواع الفساد بما في ذلك الفساد السياسي مؤشر الفساد لسنة 2010 وتبين أن مصر تحتل المرتبة 98 من أصل 178 بلداً مدرجاً في التقرير. وبحلول أواخر 2010 كان حوالي 40% من سكان مصر يعيشون تحت خط الفقر أي يعتمدون على دخل قومي يعادل حوالي 2 دولار في اليوم لكل فرد ويعتمد جزء كبير من السكان على السلع المدعومة.

كما أثير في وسائل الإعلام قضايا أثارت الرأي العام مثل قضية الانحرافات التي شابت قرارات العلاج على نفقة الدولة والمبيدات الزراعية المسرطنة وما نشر خلال نظر قضية مقتل إحدى الفنانات عن بذخ في الإنفاق عليها تجاوز عدة ملايين من رجل أعمال شهير ، وأخيراً قضية " مدينتي" التي فجرت هي وغيرها استيلاء رجال الأعمال على أراضى الدولة بدون وجه حق وبالتواطؤ مع الحكومة في كثير من الأحيان. وبخصوص اغتصاب أراضى الدولة وإحساس المصريين بأن أراضيهم قد تعاقب على نهبها الانتهازيون والمحيطون بالنظام فحدث عنها ولا حرج ، إذ لم يحدث في تاريخ الدول الحديثة من يشترى أراضى الدولة بأبخس الأثمان ليعيد تدويرها وبيعها بعد ذلك بأسبوع أو بشهر بثمن يعادل ألف ضعف ؟ لم يحدث ذلك إلا في مصر . ففي النظم المقارنة، حينما يتولى رجل أعمال منصباً سياسياً ، فإن عليه أن يترك أعماله الخاصة تماماً لشركة أخرى تديرها ، و في كل الأحوال لا تتعامل شركات هذا السياسي مع الدولة طوال بقاء رجل الأعمال في السلطة .

2-6 الرغبة فى تعديل الدستور :

تزايدت المطالبات بتعديل المادتين 76 و77 من الدستور المتعلقتين بالترشح لرئاسة الجمهورية، والمادة 88 الخاصة بالإشراف القضائى على الانتخابات، والمادة 93 المتعلقة بالفصل فى صحة عضوية أعضاء مجلسى الشعب والشورى ، والمادة 148المرتبطة بإعلان حالة الطوارئ.

حيث يعطى دستور 1971 رئيس الجمهورية سلطة لا يقابلها مسئولية ، إذ يمنحه سلطات واسعة و فضفاضة أدت إلى ضعف سائر سلطات الدولة أمام الرئيس ، بل وألقت عليه أمام الرأي العام عبء مضاعف بحيث بدا كأنه الآمر الناهي ، المعز المذل ، المانح المانع ، بيده وحده حل المشاكل التي عجزت الحكومة عن حلها ، فاختزلت مؤسسات الدولة فى شخصه وأصبح اللجوء إلى شخصه لدى الجمهور يمثل الملاذ الأخير لتحقيق طلباتهم ، كل ذلك بغير أن يكون الرئيس مسئولا أمام أحد .

فالرئيس المصري قد اختزل نظام الحكم في شخصه ، فهو يسود ويحكم على عكس نظرائه فى العالم المتقدم والرئيس المصري ذاته مصونة لا تمس ، ولا يجوز محاكمته إلا بإجراءات خاصة أمام محكمة خاصة لم ينظمها القانون حتى تاريخه فمن ذا الذي يقاوم كل هذه السلطات لكي لا يكون دكتاتوراً ؟

2-7 تزوير الانتخابات وإهدار أحكام القضاء :

تزوير إرادة الناخب طيلة حكم الرئيس السابق مبارك، وآخرها انتخابات مجلس الشعب التي نظمت في نهاية عام 2010، قبل شهرين من احتجاجات يناير الشعبية، والتي حصل فيها الحزب الوطني الحاكم علي 97% من مقاعد المجلس ،لاغياً بشكل كامل أى تمثيل للمعارضة ، الأمر الذي أصاب الشعب بالإحباط، ودعم لديه الانطباع بتراجع الأوضاع السياسية وعدم قدرة النظام الحاكم علي تلبية مطالبه، ودفع قوى سياسية عدة لوصف هذه الانتخابات بأنها أسوأ انتخابات برلمانية فى التاريخ المصرى ، لتناقضها مع الواقع ، بالإضافة إلى انتهاك حقوق القضاء المصرى فى الإشراف عليها بعد أن أطاح النظام بأحكام القضاء فى عدم شرعية بعض الدوائر الانتخابية.

ولم تتم هذه الانتخابات تحت الإشراف القضائي الكامل على عكس ما حدث في انتخابات عام 2005 كما رفض الحزب الحاكم والحكومة فكرة الإشراف الدولي على الانتخابات بحجة أنها مهينة للدولة ذات السيادة وبأن الدول التي تسمح بذلك بها دول غير مستقرة وناقصة السيادة ، وأن بلداً مثل مصر لها سيادتها التي لا تسمح أبداً بالرقابة الدولية على الانتخابات.

وقبل إجراء الانتخابات أبدت المنظمات الحقوقية التي تتولى مراقبة الانتخابات قلقها من عدم وجود نوايا لدى الحزب الوطني لإجراء انتخابات نزيهة وأشارت إلى وجود مؤشرات تؤكد أن الحزب الحاكم يعد العدة لتزويرها وقد صدق ظنهم . فقد أصبح تزوير الانتخابات واقعا تدركه الأبصار وبالرغم من ذلك دأب الإعلام الرسمي وقادة الحزب الوطني على الترويج لنزاهة الانتخابات .

إن تزوير الانتخابات وإهدار أحكام القضاء الخاصة ببطلان الترشيح لبعض الدوائر أدى إلى أن يتولى المؤسسة التشريعية أشخاص مطعون في عضويتهم بغير أن يكون هناك أمل في تصحيح هذه الأوضاع . لقد أغلقت الاستهانة بأحكام القضاء الأمل الوحيد للإصلاح السياسي في مصر خلال تلك الفترة مما جعل المواطن يفقد الثقة في إقدام قيادات الحزب الوطني الحاكم على إصلاح سياسي من أي نوع ومن ثم فقد تلاشت فرص التطور السلمي في مصر. في الوقت الذي كان فيه الشعب يتطلع إلى نقلة ديمقراطية حقيقية. وتعد الانتخابات البرلمانية عام 2010 القشة التي قصمت ظهر البعير .فقد بينت أن الحزب الحاكم يستأثر بـ أكثر من 97 % من مقاعد مجلس الشعب . ولقد ترتب على خروج المعارضة من اللعبة السياسية أن انتفى عن البرلمان أي صفة سياسية شعبية وحوله إلى مجرد منتدى يلتقي فيه أعضاء الحزب الوطني . ومن ثم لم يعد أمام الشعب إلا اللجوء إلى العمل السري أو مناشدة الجيش للتدخل أو النزول إلى الشارع وهو ما حدث بالفعل وأصبح ميدان التحرير بديلاً عن مجلسي الشعب والشورى.

3 - تصدير الغاز لإسرائيل :

في عام 2004 أبرمت أربعة عقود تقوم بموجبها مصر بتصدير الغاز الطبيعى لإسرائيل، يمتد العمل بها حتى عام 2030 ، وقد تسببت هذه العقود والشروط المعيبة التى تضمنتها فى أزمات عدة بسبب المعارضة الواسعة لها من جانب خبراء بترول وسفراء سابقين وشرائح عديدة داخل المجتمع المصرى. واعتبرت تلك العقود إهداراً للمال العام ، ومجاملة لإسرائيل فضلاً عما يشوبها من فساد وعدم شفافية، مما دعا المحكمة الإدارية العليا لإصدار أحكام ببطلان قرار وزير البترول لتكليفه مديرى شركات عامة ببيع الغاز لشركة حسين سالم، التى تقوم بدورها بتصديره إلى شركة الكهرباء الإسرائيلية.

4- تراجع الأوضاع الأمنية :

رغم القبضة الحديدية التي مارسها الأمن بحق المعارضين السياسيين، إلا أن المواطن باتت لديه قناعة واضحة بأن الأمن انحرف عن مهامه الأصلية في تأمين الوطن والمواطن، إلي الأمن السياسي، فقد جاء حادث تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية بعد دقائق من مطلع عام 2011، وسط الاحتفالات بعيد الميلاد للكنائس الشرقية ، وأسفرت عن وقوع 25 قتيلاً (بينهم مسلمين) كما أصيب نحو 97 شخصًا آخرين ، لتشير بوضوح الي اختراق تنظيمات جهادية متطرفة دولية وإقليمية للأمن القومي وأثارت تساؤلات حول مغزى تكرار مثل هذه العمليات فى مثل هذا التوقيت من السنة ، وزادت من حالة الاحتقان والسخط الشعبى تجاه أجهزة الأمن.

5- التضليل الإعلامى :

ظل الإعلام الرسمي يروج لديمقراطية النظام الحاكم وانحيازه إلى الفقراء ومحدودي الدخل ، على الرغم مما يشهد به الواقع من مظاهر وإجراءات تقييد الحياة السياسية وتدهور في الحياة الاجتماعية .يضاف إلى ذلك ضعفه في الأداء المهني ، وإقصاء الكفاءات وذوى الرأي من العمل أو الظهور فيه لأسباب سياسية قد يكون أهمها أنهم لا يمالئون النظام واختارت من يغالون في الثناء عليه وتمجيده ، مما افقده المصداقية ، وأصبح عاجزاً عن تكوين رأي عام صحيح ، وانقلب إلى بوق للنظام . كما كان للإعلام الرسمي أثر في إذكاء الانفلات الأمني ببث رسائل الفزع والتخويف ونشر حالة الذعر خاصة مع التعتيم الاعلامى على الأحداث وقطع الاتصالات ، لذلك يمكن القول أن أداء الإعلام القومي كان أحد العوامل التي ساعدت في إشعال نار السخط في صدور المصريين ضد نظام مبارك . كما تعرض المسئولون بالتليفزيون المصري لانتقادات مريرة بسبب تغطيته المنحازة للنظام خلال ثورة 25 يناير والتي دفعت المتظاهرين لمحاصرة مبنى التليفزيون المصري في ماسبيرو وشجعت عددا كبيراً من العاملين فيه على إعلان التمرد،وأدى ذلك في النهاية إلى إقالة وزير الإعلام بينما استمرت الدعوات لتطهير الإعلام المصري من كل العناصر التي تتهمها الجماهير المصرية بالنفاق والفساد.

ثانياً : عوامل مساعدة

1- ظاهرة البوعزيزية :

على الرغم من أن ظاهرة البوعزيزية التى تنسب إلى التونسى محمد البوعزيزى الذى أشعل الانتفاضة التونسية بإحراق نفسه، ظاهرة يخجل التاريخ من ذكرها إلا أنها أدت إلى إطلاق شرارة الثورات العربية ، وإسقاط الأنظمة الدكتاتورية ، ومحاكمة الفاسدين والطغاة فى عدة دول.

ومثل نجاح الثورة التونسية التي اندلعت يوم 18 ديسمبر 2010، أي قبل 38 يوماً من الثورة المصرية، عاملاً محفزاً للشعب المصري في قدرة الشعوب علي إقصاء الأنظمة الديكتاتورية القمعية، فقد أثبتت الثورة الشعبية التونسية أن قوة الشعوب العربية تكمن في احتجاجها وخروجها للتعبير عن رأيها بالشارع، وأن الجيش هو مساند قوي لتطلعات الشعوب وليس أداة بيد النظام لقمع الشعب. كما أضاءت تلك الثورة الأمل لدى الشعب العربي بقدرته على تغيير الأنظمة الفاسدة الجاثمة عليه وتحقيق تطلعاته.

وقبل أسبوع من بداية الأحداث فى مصر ، قام أربعة مواطنين مصريين فى يوم الثلاثاء 18 يناير عام 2011 بإشعال النار فى أنفسهم بشكل منفصل احتجاجاً على الأوضاع المعيشية ، والاقتصادية ، والسياسية المتردية، وهم:

محمد فاروق حسن (القاهرة).

سيد على (القاهرة).

أحمد هاشم السيد (الإسكندرية).

محمد عاشور سرور (القاهرة).

2- استخدام تكنولوجيا التواصل :

لعبت تكنولوجيا الاتصالات دوراً هاماً في الدعوة للثورة المصرية وبخاصة الشبكة العنكبوتية من خلال الموقع الاجتماعى فيس بوك الذي استغله النشطاء السياسيون في مصر للتواصل مع بعضهم البعض وطرح ونشر أفكارهم ومن ثم جاءت الدعوة إلى مظاهرة قوية في يوم 25 يناير الذي يوافق عيد الشرطة ، وكانت أبرز صفحات التواصل صفحة أو مجموعة «كلنا خالد سعيد» على فيسبوك على شبكة الإنترنت.