أخر الأخبار

×

أخر الأخبار

18 مايو 2022 12:31 م

كلمة رئيس الوزراء فى إحتفالية الإعلان عن ترشيح السفيرة مشيرة خطاب لمنصب مدير عام اليونسكو

الثلاثاء، 16 أغسطس 2016 02:35 م

السادة الحضور

 اسمحوا لى فى البداية أن أعبر عن جزيل الشكر والقدير لإقبالكم على المشاركة فى هذه الفعالية الثقافية الهامة، وأرحب بكم فى المتحف المصرى، ذلك المكان الفريد الذى يفوح بعبق التاريخ ويزخر بنفائس وإبداعات مصر القديمة وفى نفس الوقت يمثل تصميماً معماريا يشهد تواصلاً بين التاريخ والمعاصرة.

إن هذه الفاعلية تعقد فى مفترق هام يشهد فيه المجتمع الدولى تحولات جسام على الأصعدة السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية، بما يفرض التصدى لها والتغلب عليها من خلال تعزيز العمل المشترك محلياً وإقليمياً وعالمياً.

ومن ثم فإن الحوار الثقافى الذى دار مساء اليوم  وجمع كوكبة من الشخصيات المصرية المرموقة ثقافياً وفكرياً حول دور مصر ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) والقضايا الثقافية الدولية إنما ينطلق من اقتناع مصر بأهمية توجيه رسالة إلى شعوب العالم أجمع تؤكد فيها على أنه ليس هناك سلاح أمضى من التلاقى الثقافى والتواصل الفكرى والإبداعى فى مواجهة التحديات القائمة وفى مقدمتها الإرهاب والتطرف من جانب جماعات الجهل والظلام، والتى لم تألوا جهداً فى قتل الأبرياء وزعزعة أمن واستقرار المجتمعات، والعبث بالتراث الإنسانى بالتدمير والهدم و التشويه، وبهذه المناسبة أتقدم بخالص العزاء للحكومة الفرنسية والشعب الفرنسى الشقيق فى ضحايا الحادث الإرهابى المروع الذى شهدته مدينة نيس مساء يوم 14 يوليو الماضى، ونعرب عن تضامنا التام معهم فى هذه المحنة ونؤكد أن تلك الأعمال ستزيدنا إصراراً على الوقوف بقوة متحدين من أجل مواجهة قوى الظلام التى تعبث بالأرض. 

السادة الحضور

 وإتصالاً بذلك، تنامت أهمية منظمة اليونسكو من أجل التعامل مع مختلف التحديات بما فيها الإرهاب والتطرف واستخدام العنف، ولعل ما جاء فى مستهل نظامها التأسيسى الذى أقر عام 1945، وهو لا يزال صحيحاً حتى اليوم، يُجسد الغاية من إنشائها "لما كانت الحروب تتولد فى عقول البشر، ففى عقولهم يجب أن ترتفع حصون السلام".  ومنظمة اليونسكو آلت على نفسها دون منظمات الأمم المتحدة الأخرى أن تتأسس علة وجودها فى دورها كضمير للإنسانية من أجل المساهمة فى صون السلم والأمن، من خلال العمل عن طريق التوسع وتكثيف النشاط فى مجالات التربية والعلوم والثقافة والاتصالات وغيرها من المجالات التى استحدثت مؤخراً مثل البيئة وتغير المناخ والرياضة، على أن يكون فى قلبها أهم مكونات المجتمع المعاصر ألا وهم الشباب والمرأة، وذلك بغية توثيق أواصر التعاون بين الأمم لضمان احترام قيم العدالة والقانون وحقوق الإنسان والتغلب على التحديات الأساسية للناس كافة دون تمييز بسبب العنصر أو الجنس أو اللغة أو الدين كما أقرها ميثاق الأمم المتحدة.

وتواصلاً مع ما تقدم، فإن الحكومة المصرية حرصت على تضمين "الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة: رؤية 2030" التى تم إقرارها بعد حوار مجتمعى بناء وثرى موضوعات هامة كالتعليم والابتكار والمعرفة والبحث العلمى والثقافة وتكنولوجيا المعلومات والبيئة وتغير المناخ، وهى جميعها مجالات تختص بها اليونسكو، كمحاور أساسية بما يضمن حقوق الأجيال القادمة والقضاء على الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية التى هى من أهم حقوق المواطنة. كما حرصنا فى إطار هذه المحاور على تأكيد مجموعة من المبادئ فى مقدمتها إتاحة التعليم للجميع وتأمين جودته واحترام الاختلاف والتنوع وعدم التمييز والإبداع والابتكار، وبما يسهم فى تحرير الإنسان من الجهل والجمود الفكرى والتطرف. 

وقد حرصت الحكومة على تضمين هذه المحاور فى برنامجها الذى قدمته إلى مجلس النواب فى مارس الماضى وجارى حالياً تنفيذه بعد الموافقة عليه .


السادة الحضور
أما فيما يتعلق بالعلاقة بين مصر ومنظمة اليونسكو، فهى علاقة ممتدة إلى أكثر من سبعين عاماً، حيث كانت مصر من الدول المؤسسة لها من خلال التوقيع على نظامها الأساسى فى 16 يناير عام 1945 وكانت من بين أول 20 دولة صدقت على ميثاقها. بل تربط بينهما وشيجة أكثر عمقاً وتأثيراً فى مقدرات الشعوب، تجسدت فى تعاونها مع مصر فى نهاية الخمسينات فى مواجهة تحديات التنمية، حيث كان لامناص من تشييد السد العالى، الأمر الذى كان يعرض آثار النوبة للغرق. وقد نجحت الاتصالات الدولية المكثفة التى قام بها وزير الثقافة الجليل د. ثروت عكاشة وقتذاك بالتعاون مع منظمة اليونسكو فى إعلان المنظمة إطلاق حملة دولية لإنقاذ تلك الآثار إنطلاقاً من مبدأ جديد أرسته آنذاك "أن عالم يضم تراثاً ثقافياً ذا قيمة عالمية ينبغى على البشرية حمايته بالكامل بوصفه إرثاً لا يتجزأ". ونجحت الحملة فى تغطية نفقات إنقاذ آثار النوبة، واستكملت مصر مشروعها التنموى فى بناء السد العالى بكل نجاح واقتدار .

من ناحية أخرى، يهمنى الإشارة إلى أن مصر احتفظت بعضوية المجلس التنفيذى لليونسكو منذ انعقاد أول اجتماعاته فى عام 1946 وحتى الآن باستثناء عدد قليل من السنوات، الأمر الذى أكسبها خبرة فى التعامل مع آليات المنظمة وأنشطتها، وهى ميزة لا تتوفر لكثير من الدول الأعضاء. 

غير أن هناك عناصر أخرى لها دلالتها تتيح لمصر ميزة نسبية فى إطار علاقتها باليونسكو، ويهمنى إلقاء الضوء على بعض منها:

-  تراثها الثرى المتنوع الذى يتراكم عبر العصور من المصرى القديم إلى الإغريقى فالرومانى، فالقبطى، حتى العربى الإسلامى .

-  خصوصيتها المتفردة لموقعها العبقرى الذى يجمع بين الجذور النيلية الأفريقية المتأصلة فى ملامح شخصية مصر، وإطلالها على سواحل البحر المتوسط تواصلاً مع أوروبا والغرب، إلى سواحل البحر الأحمر حلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا.

 -  أزهرها الشريف وكنيستها المرقسية العريقة، وتراثها الإسلامى والقبطى واليهودى.
-  قوتها الناعمة متمثلة فى مفكريها وأدبائها وعلمائها ومثقفيها .
-  طبيعتها الفريدة كمنبر مستنير للحضارة العربية.
-  إيمانها بمبادئ الحوار واحترام الآخر وعدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول، واعتبار كل من السلام القائم على العدل والتعاون الدولى المتناغم خيارا استراتيجيا لا تحيد عنه فى إدارة سياستها الخارجية وعلاقاتها مع مختلف دول العالم وفى إطار المنظمات الدولية. 
-  حرصها على التنوع الثقافى وإعلاء شأن التراث الإنساني وحمايته والمحافظة عليه، واعتبار التعليم والثقافة والبيئة الصحية السليمة حق من حقوق المواطنة طبقاً لدستورها الصادر فى عام 2014. 
-  تطلعها إلى اللحاق بعصر المعلوماتية الجارف، وبذل قصارى الجهد لمواكبة التطور السريع فى مجال علوم إدارة المعرفة.
-  انتماؤها الأفريقى، بالإضافة إلى انتمائها العربى الأمر الذى من شأنه إتاحة الفرصة للأخذ في الاعتبار شواغل شعوب القارة الأفريقية والدول العربية وتطلعاتها وطموحاتها .

وفى ضوء كل الاعتبارات السابقة، وانطلاقا من دينامكية التحرك المصرى على المستويين الإقليمى والدولى بما يتوافق مع المصالح المصرية فى سياق إقٌليمى وعالمى يواجه تحديات جسام، وكذلك تأميناً لتنفيذ أهداف التنمية الشاملة التى يتطلع إليها الشعب المصرى،  فإن الدولة المصرية قدرت أن لديها من الإمكانيات ما يؤهلها للإسهام فى صياغة رؤية مستقبلية لتحقيق غايات وأهداف منظمة اليونسكو من خلال التقدم بترشيح لمنصب مدير عام المنظمة وهو منصب لم يشغله ممثل للعالم العربى منذ إنشاء المنظمة، إيماناً منها بأهمية الرسالة النبيلة لدورها وثقة فى قدرتها على تحقيق طموحات الدول الأعضاء خاصة النامية منها فى أنشطة المنظمة كافة خاصة تلك المتصلة بتحقيق أهداف التنمية المستدامة التى أقرتها الأمم المتحدة فى شهر سبتمبر الماضى. 

السيدات والسادة 
من ميدان التحرير، ذلك المكان الذى أصبح رمزاً للحرية والعزة، ومن مقر المتحف المصرى، ذلك المكان الفريد الذى يحمل بين أروقته وطرقاته أصالة وروعة التاريخ والحضارة المصرية، ومن على بُعد كيلومترات قليلة من أهرامات الجيزة وتمثال أبو الهول الذى يقف شامخاً منذ قرون عديدة شاهداً على تاريخ الإنسانية بحلوه ومره، بانجازاته وبإخفاقاته، ومن على بُعد مسافة قصيرة من القاهرة التاريخية ملتقى الأديان السماوية الثلاثة. ومن جنوب مدينة الإسكندرية والتى احتضنت منذ ما يقرب من ثلاثة وعشرين قرناً من الزمان مقر مكتبة الإسكندرية مركز الإشعاع الفكرى والتنويرى والتى أعيد إحياؤها فى عام 2002 فى إطار سعى مصر الدائم للريادة فى مجال الثقافة والمعرفة. من أرض الكنانة ومهد الحضارات، يسعدنى أن أعلن لكم وللعالم أجمع أن جمهورية مصر العربية قررت ترشيح السيدة الوزيرة/ مشيرة خطاب وزيرة الأسرة والسكان السابقة لمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، وهى سيدة تحمل خبرات وتاريخ حافل مشهود به على الصعيدين الوطنى والدولى. إن مصر بهذا الترشيح تقدم للعالم نموذجاً للمرأة المصرية والعربية والأفريقية والمتوسطية المتفتحة والناجحة، التى ثابرت واجتهدت وتفاعلت مع العالم دوماً بعقلانية وجدية، وبرهنت على تمتعها برؤية عصرية وقدرة على الإنجاز فى العمل الميدانى وشجاعة فى الدفاع عن مواقفها. 

وتثبت مصر للمجتمع الدولى بأثره بهذا الترشيح أن المرأة المصرية دائماً ما تتمتع بحظوظ كبيرة فى تبوُّء المواقع الهامة طالما أثبتت الكفاءة المطلوبة، وهذا هو النهج الذى سارت عليه مصر من قديم الأزل، منذ عصر الملكات حتشبسوت ونفرتيتى ونفرتارى وغيرهن رغم الصعوبات التى واجهت مسألة تمكين المرأة والمساواة بين الجنسين على مر السنين ليس فقط فى الدول النامية بل على الصعيد الدولى. 

ونظراً لأهمية منصب المدير العام لليونسكو فقد تم تشكيل لجنة عليا ضمت ممثلين عن الوزارات المعنية، لمناقشة فكرة الترشح للمنصب المشار إليه، وتسمية مرشحين مصريين مؤهلين لخوض تلك الانتخابات، وبعد مداولات مستفيضة لدراسة نتائج أعمال اللجنة المشار إليها بتمعن وتأن على أعلى المستويات، كان هناك توجه بأن تكون السيدة الوزيرة/ مشيرة خطاب هى مرشحة مصر الرسمية لهذا المنصب، وتم استطلاع رأى العديد من الدول الصديقة وذات الثقل داخل منظمة اليونسكو تجاه رؤيتهم للمرشحة المصرية المحتملة وفرصها فى الانتخابات. وجاءت ردود الفعل إيجابية للغاية فى ضوء التاريخ الدبلوماسى والميدانى الحافل للمرشحة المصرية واتساق خبراتها مع مجالات عمل منظمة اليونسكو وتم على هذا الأساس اتخاذ قرار نهائى بترشيح سيادتها لهذا المنصب الرفيع. 

السيدات والسادة 
 أن مرشحتنا وصلت إلى أعلى المناصب من خلال توليها منصب وزيرة الأسرة والسكان، ولديها اتصالات واسعة على الصعيد الدولى، وعلاقات متنوعة مع الحكومات والمنظمات الدولية، والمنظمات غير الحكومية، ومراكز الأبحاث الدولية، كما أن لها سيرة ذاتية قوية ومتشعبة، بالإضافة إلى خبرة ثرية للعمل فى المنظمات الدولية، وأظهرت قدرات إدارية فذة فى قيادة الموارد البشرية كبيرة العدد،  وبناء توافق الآراء حول القضايا الحرجة وحشد الموارد. 

وإلى جانب خبراتها المتنوعة والتى تعلمونها جميعاً والموضحة بالتفصيل فى سيرتها الذاتية والتى سيتم توزيعها على سيادتكم، فإن مرشحتنا تتميز بأن لديها انجازات ملموسة فى العمل الميدانى حيث كانت تتجول بنفسها فى ربوع أقاليم ومحافظات مصر من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها للإشراف على المبادرات التى تتقدم بها فى العديد من المجالات التعليمية والتنموية وفى مجال حقوق الإنسان، والحفاظ على البيئة ومكافحة الإتجار بالبشر، والقضاء على كافة أشكال العنف والتمييز، وغير ذلك من المجالات التى تهتم بها منظمة اليونسكو، وهو العنصر الذى جعل منها إمرأة رائدة فى مجالات عملها، فكما تعلمون، لا يكفى مجرد التقدم بأفكار أو طرح مبادرات مكتوبة لقياس نجاح أى مسؤول، وإنما العبرة بالتنفيذ والمثابرة والنزول إلى الميدان لتحقيق الأهداف المنشودة.

السادة الحضور
 أود أن أختم كلمتى بالتأكيد على أن الدولة المصرية بكل مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، وبجهود جميع أبنائها المخلصين، سيدعمون هذا الترشيح بقوة، فهناك تفاهم داخل المنظمة بأن يكون المدير العام القادم منتمياً للمجموعة العربية تحقيقاً للتوزيع الجغرافى العادل فى ضوء أن المجموعة العربية هى المجموعة الوحيدة التى لم ينل أحد أبنائها شرف تولى منصب المدير العام لليونسكو قبل ذلك، وما من شك فى أن مصر بإسهامها الثقافى والحضارى والفكرى والتنويرى جديرة بتولى هذا المنصب ، وبترك بصمتها على تاريخ هذه المنظمة .

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى