أخر الأخبار

×

أخر الأخبار

25 مايو 2022 05:30 ص

كلمة السفيرة مشيرة خطاب مرشحة مصر لمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"

الثلاثاء، 16 أغسطس 2016 03:00 م

كلمة السفيرة مشيرة خطاب 
القاهرة فى 19 يوليو 2016

السيدات والسادة الحضور

فى هذه اللحظة الفارقة بالنسبة لى، تعجز الكلمات فى التعبير عما يجيش فى صدرى من مشاعر شتى لترشيحى لمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، مشاعر الامتنان لبلدى التى منحتنى ثقتها، ومشاعر التقدير للسيد رئيس الجمهورية وكل من ساهم فى عملية الترشيح الديمقراطية، ومشاعر الاعتزاز باعتبار هذا الترشيح وسام فريد ومشاعر المسئولية من حيث الوفاء بأهدافه، بالإضافة الى مشاعر الثقة فى دعم بنات وأبناء بلدى ومؤسسات الدولة جميعها حتى تنجح مصر فى اعتلاء قمة هذه المنظمة العريقة للمرة الأولى.

أدرك ان المسؤلية الجسيمة ، التي يتنامي ثِقلهُا وتقع على عاتق اليونسكو في تلك المرحلة العاصفة من تاريخ الانسانية، التى تعاني فيها من هجمة التطرف الشرسة وغلواء الجهل المشين ومعاول الهدم الغاشمة التي تحطم تراث وإبداعات الانسانية الخالدة، أدرك ان التعامل الفعال مع تلك الهجمة الارهابية التى تحصد الأرواح البريئة يوما بعد يوم ، يستدعي المهمة الانسانية التى شيدت من أجلها اليونسكو ألا وهي بناء السلام فى عقول البشر من خلال العمل على الارتقاء بالتربية والعلوم والثقافة. 

وعلى امتداد عملي الدبلوماسي الطويل، لمست عن كثب ما تتمتع به اليونسكو بين قريناتها من منظمات الامم المتحدة من مكانة متفردة ، بصفتها المنظمة التى تمثلُ بحق ضمير الانسانية ، وذلك انطلاقا من رسالتها الحضارية / التربوية / المعارفية والثقافية النبيلة. كما ارتبطت هذه المنظمة بتاريخ بلادي ووجداني حين تعاونت مع مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي من أجل إنقاذ آثار النوبة والتي اعتبرت أولي أهم وأكبر عملية إنقاذ لأحد معالم التراث العالمي والذي تعتز به البشرية بأسرها وليس الشعب المصري وحده . 

ومن ناحية أخرى، علمتني وزارة الخارجية ، تلك المؤسسة المصرية العريقة، التي أفخرُ بالانتماء إليها ، مهارات التواصل بين الثقافات المتباينة،، احترامها، الاستفادة منها وافادتها، كم أسهمت علاقتي الوثيقة واقترابى من الزعيم العظيم نيلسون مانديلا، حين مثلت بلادي لدي جمهورية جنوب افريقيا ، فى ترسيخ اقتناعي بأن العظمة فى التواضع والتواصل والارادة القوية، وتحضرنى فى هذا السياق كلماته " كل يوم تسنح فرصة لتغيير العالم إلى الأفضل ، فخذ زمام الأمور بيدك لتلهم التغيير " . 

كما علمتني السنوات الطويلة التي مثلت فيها بلادى، من الأمم المتحدة إلى استراليا وجنوب افريقيا، جبت خلالها بلاد وبلاد وحضرت مؤتمرات وترأست وفد بلادي ، علمتني أن مصر دولة عريقة، قوية فى تأثيرها ، وأن القوي الناعمة المصرية ، بروافدها الثرية ، تمثل إحدى الركائز الرئيسية التى يستند إليها دوما دور مصر الحضاري والثقافي. وفي هذا السياق، دعوني أحدثكم عن الحكمة والعبقرية المصرية منذ قديم الزمن عن معني كلمة السلام... السلام هي كلمة السر،، والتنوع والانفتاح على حضارات العالم هو الجوهر،، وذلك يتطلب أكثر من أى وقت مضي، أن يصل نداءَ مصر من أجل الانفتاح والاعتدال والوسطية إلى العالم أجمع، وليس من شك أن اليونسكو فى هذا المضمار تُمثلُ منبرا جديراً بأن تحتله مصر، حتي تتبني المنظمة خطاباً قويا عالى النبرة، نافذ التأثير ، مقترناً بدورٍ فاعل ، ونشاطٍ لا يكل ، من أجل كفالة حقوق البشر فى التعلم، والمشاركة فى الحياة الثقافية ، والمباهاة بالهوية مع احترام التنوع الثقافي ، والاستفادة من التقدم العلمي إعلاء لقيم الكرامة والعدالة والحرية. 

السيدات والسادة
يشهد العصر الحديث، أن شعلة التنوير فى المنطقة اتقدت فى مصر،، بدءا بالدور التنويري الرائد منذ بدايات القرن التاسع عشر،، ثم توارثه رواد التحديث في مختلف مناحي المعرفة والابداع ،، من آداب وشعر وفنون ومسرح بل وسينما وموسيقى وغناء وغيرها من الفنون الأمر الذى أسهم فى تشكيل الوجدان العربي. 

كما لا أنسى قط أننى خريجة جامعة القاهرة ،،والتي تعد أول جامعة حديثة فى المنطقة،، تلك الجامعة التى بادرت بإنشائها إمرأة مصرية مستنيرة، وفي سابقة لم تحدث من قبل ،، لم تمنح الأرض فقط ، بل منحت كل ما تملك من ثروة حتي مجوهراتها ، وفي هذا درس رائع لبناء المجتمع،،، جامعة طالما احتضنت رواد التحديث فى البلاد،، حيث رأسها رائد الفكر والتنوير احمد لطفي السيد ،، وتولي فيها عمادة كلية الآداب الدكتور طه حسين عميد الادب العربي،، وتولي عمادة كلية العلوم د. مصطفي مشرفة باشا ، ذلك العالم الجليل الذى نعاه اينشتاين بأجمل عبارات الاعزاز والتقدير. 

وإنني إذ أتقدم لهذا الترشيح الرفيع ،، فأنني بنت من بنات مصر، أحمل في عقلى ووجدانى إرثا حضاريا ورصيدا ثقافيا لبلادي الغالية،، كما أحمل إرثا شخصيا من خبرة غنية فى العمل فى مجالات الخدمة المجتمعية بما تضمه من مجالات التعليم والثقافة والشباب وحقوق المرأة والطفل،، دعوني اتقدم بالشكر والعرفان لمئات الآلاف من بنات وأبناء مصر فى الكفور والنجوع لما قدموه من عطاء ودعم ومساندة ،، طيلة عقد ونيف سطرنا فيه معا انجازات مثلت نقلة انسانية وحضارية مكتملة المعاني. إنجازات ألهمت العالم وتحققت بفضل شجاعة وعطاء الملايين. 

وفي هذا السياق ،، أسوق مثالا فى إطار مبادرة اليونسكو "التعليم للجميع". هل تصدقون أن الفقراء تبرعوا بالأرض لنبنى عليها مدارس لفتيات كن محرومات من الحق فى التعليم، ومعا شيدنا 2200مدرسة صديقة للفتاة في جهد تضافرت من أجله 7 منظمات للأمم المتحدة ومعها الحكومة ومنظمات المجتمع المدني وشركائنا فى التنمية. وتمكنت بما لدي من إرث حضاري وخبرة ،، أن نرسم سويا رؤية مستنيرة وخطة عمل قومية تقاسمنا عبرها الأدوار وتكاتف المتطوعون بالجهد والمال بما حقق تناغما رائعا بين عناصر هذه الكتيبة. لقد شرفُت بقيادة وإدارة فرق عمل وطنية ،، ضمن منظومة رائعة تضم مئات الآلاف من البشر يعملون بكل الحب والتفانى فى شراكة قوية، مخلصة وحماس وتناسق مبهر. ووثقت منظمة اليونيسيف التجربة المصرية كى تلهم الأخرين فى مختلف أنحاء العالم، فى كتاب رائع أذكر لكم منه قصة تلك الفتاة فى قرية رضوان تقول " أتذكر أننى شعرت كما لو كنت أحلق فى السماء يوم ذهبت إلى المدرسة للمرة الأولى، لأتعلم عن العالم، وكيف يعيش الناس الآخرون، وما يقومون به، إن النظر إلى مايتعدى جدران منزلى (جعلنى أدرك) .. ببساطة أن التعلم أمر رائع ".

وأقول لها نعم يا ابنتى أن التعلم أمر رائع .

كلمات تلك الفتاة تترجم النقلة الحضارية والثقافية والتنموية لجودة التعليم التى تمثلها هذه المدارس لمئات الالاف من الفتيات وأسرهن.

مثال آخر أسوقه تعبيراً عن شكرى وعرفانى للثقة الغالية التى أولانى إياها نساء ورجال قرى هبت بأكملها فى شجاعة منقطعة النظير لتعلن إقلاعها عن ممارسات ضارية بالية وهى تشويه الأعضاء التناسلية للاناث، ممارسات تنسب زوراً إلى ثقافتنا الرفيعة .

قرى نجحت بفضل شجاعتها فى تحويل ممارسة استشرت فى الظلام عبر السنين إلى جريمة يعاقب عليها القانون، قانون اقترحته ودافعت عنه باستماتة، وشاركت القاعدة الشعبية فى صياغته وحافظت عليه عندما حاول البعض إلغائه مستغلاً سنوات التحول العصيبة لإهدار حقوق الإنسان.

وهنا أتوقف عند التعليم: التربية والتعليم لتحتل الصدارة فى رؤيتى لليونسكو، فإلى جانب كونها حقوقاً إنسانية واجبة الأداء فإنها مؤشر دال على توجه اقتصادى رصين، هو الأعلى ربحية، لا يقل ريعه عن سبعة أمثال الاستثمار .. علينا أن ندرك أن التعليم هو أقوى مشروع اقتصادى فى العالم لإثراء البشرية، ونسبة الريع تزيد كلما انخفضت المراحل العمرية للذين يتلقون التعليم. إن رؤيتى لليونسكو تتعدى مجرد ضمان الحق فى التعليم لتشترط تحقق الهدف منه كما اتفقت عليها دول العالم أجمع بأن "يكون التعليم موجهاً نحو تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، وتنمية احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتنمية احترام ذات الطفل وهويته الثقافية ولغته وقيمه الخاصة، والقيم الوطنية للبلد الذى يعيش فيه الطفل والبلد الذى نشأ فيه والحضارات المختلفة عن حضارته. هو تعليم يستهدف إعداد الطفل لحياة تستشعر المسؤولية فى مجتمع حر، بروح من التفاهم والسلم والتسامح والمساواة بين الجنسين والصداقة بين جموع الشعوب والجماعات الإثنية والوطنية والدينية، إنه تعليم ينمى احترام البيئة الطبيعية".

السيدات والسادة الحضور
لم يعد الامر ترفاً.. لماذا ؟؟ لأن التحدى الكبير الذى تواجه البشرية التى تعانى اليوم من ويلات الارهاب والتطرف العنيف، هو نفسه السلاح القادر على انقاذ البشرية من الأخطار التى تحدق بها . إن التعليم الذى يستحقه الإنسان فى مقتبل حياته هو ذلك الذى ييسر نقل المعرفة وسبل الحصول عليها، من خلال مناهج تعليمية مختلفة،،جيدة،، تشجع الابتكار وجاذبة تحفز على التفكير العقلانى والمشاركة بالرأى والإبداع الخلاق فى رحاب مدارس تحتضن عملية تعليمية حقيقية تحفز على المواصلة. مدارس تعطينا الأمل أن نكسب الحرب التى تخوضها البشرية حالياً لاقتلاع جذور الإرهاب. والتعليم لا يقتصر على الأبجدية والرياضيات، بل هو كل ما يتعلق بتنمية إحساس الإنسان بالكرامة المتأصلة فى البشر .

هو تعليم لا يقف فقط عند أبواب المدارس بل يمتد إلى كل مايدور فى وسائل الإعلام ودور العبادة ومراكز التجمع وتقديم الخدمات. إنه تعلم مدى الحياة،،يعطى فرصة ثانية وثالثة،، لمن حرم من الفرصة الأولى.

أكرر ثانية، أن مهمة اليونسكو فى بناء السلام فى عقول البشر فى ظل التهديدات الراهنة،، تتنامى معها أهمية مشاركة الشباب وحمايتهم من التطرف والتغرير بهم، وتسليحهم بالمعلومات والمهارات التى تمكنهم من التفكر والتمعن والتعبير عن آرائهم بحرية ورفض ومقاومة أى محاولة للتغرير بهم لنشر الكراهية والتطرف ورفضا للآخر واستعدائه أو الاستعلاء عليه. فهذه كلها أمور تتعارض مع حق الإنسان فى الكرامة والحماية من العنف وسوء المعاملة.

ربما يتسائلون: وكيف نحقق ذلك ؟؟ العلم هو الإجابة،، وكما ذكر أحمد شوقى أمير الشعراء" العلم يرفع بيتا لا عماد له .. والجهل يهدم بيت العز والشرف".

إن تحقيق الهدف من التعليم هو الداعم والمحفز الأساسى لبناء ثقافة داعمة للسلام،، ثقافة تحترم كرامة الإنسان، وترتكز على تنشئة الناس جميعاً على مبادئ العدالة والحرية والسلام. والشئ بالشئ يذكر ،، حين سأل الاسكندر المقدونى معلمه أرسطو من هى أول شخصية أبحث عنها حين أقوم بفتح مدينة؟؟ قال أبحث عن شاعرها .. 

أبحث عن شاعرها ،، لماذا اختار أرسطو شاعرها .. كان يقصد القوى الناعمة،، الفنانين،والمثقفين والمبدعين الذين يشكلون وجدان الشعوب. والشعر والمسرح والسينما والكتاب واللوحة والنغمة هى القوى الناعمة عظيمة التأثير. وإذا كان التعليم هو الدرع الواقى الذى سيحمى البشرية من شرور التطرف والإرهاب فإن القوى الناعمة هى المضاد الحيوى ضد كل محاولات استلاب العقل والوجدان وهوس التطرف،، وهى جرعة تطعيم ضد أعداء قيم التعددية والتعليم الحر،، والقوى الناعمة هى التى تخلق ذلك الحراك الثقافى الإعلامى التنويرى،، هى ضمير الإنسانية وهى شاعرها.

إذن سلاحنا هو الكلمة والمنطق،، فى البدء كانت الكلمة،، والكلمة نور. الكلمة حصن الحرية، إن الكلمة مسؤولية. ويحضرنى هنا ما قاله لى الرئيس التشيكى والمفكر فاتسلاف هافيل والذى قاد الثورة المخملية ،، قال لى هافيل خلا أحد حواراتى معه أن الكلمة أقوى من السيف .. وأن الثورة بناء.

إذن هنا دور اليونسكو يضعه فى مركز الصدارة ،، ويحمل على عاتقه بناء العقول وتطهير الوجدان والرقى بالإنسانية إلى آفاق رحبة تبدع فيها العقول الحرة فى العلوم والفنون والثقافة والرياضة.

إذا كان الفنان المبدع يرسم بالكلمة والريشة والنغمة فإن الرياضى يرسم بالجسد الإنسانى صورة انتصار الإرادة وقوة التحمل وتطهير الروح،،

رعاية الرياضة تحت راية اليونسكو هى المرفأ والملجأ الذى نحمى به الشباب من هجمات الانعزالية والطائفية ورفض الآخر. فى مصر نقول ذلك، نقول خلى روحك رياضية.

قمة احترام الاخر المختلف،، أنها الرياضة مفتاح تكوين الشخصية وتحصين ضد التطرف لأن الابطال لا يتطرفون .

السيدات والسادة الحضور
ونحن نعيش فى عصر سيادة الشعوب، فأننى أرى ضرورة أن تصبح الثقافة حقاً للكافة يتمتع بها فعلاً وليست حكرا على النخبة.. تتجاوز التمتع بالآداب والفنون الراقية لتمتد وتشمل مجال السمات المميزة الروحية والمادية والفكرية والعاطفية التى تتسم بها المجتمعات،، ويجب أن تشمل طرائق الحياة ونظم العيش معاً وأساليب القيم والتقاليد والعادات.

لقد غدت الثقافة تحتل الصدارة فى النقاش الدائر حول الهوية والتضامن والتلاحم القائم على احترام التنوع الثقافى الاجتماعى،، والاقتصاد القائم على المعرفة. تماماً مثلما أبرزت المعاناة الآنية للإنسانية،، شدة الاحتياج للإيمان بأن جميع الثقافات تشكل جزءاً لا يتجزأ من التراث المشترك للإنسانية،وأن الذاتية الثقافية لكل شعب تتحدد وتثرى من خلال التواصل مع تراث الشعوب الأخرى.

ختاماً قال أفلاطون
نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر
ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر
وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر

كما أكد الدكتور طه حسين أنه ليس كافياً أن تتمتع الشعوب بالحرية والاستقلال فحسب، بل أن يضاف إليها أشياء أخرى،، وقال: "نضيف إليها الحضارة التى تقوم على الثقافة والعلم،والقوة التى تنشأ عن الثقافة والعلم، والثروة التى تنتجها الثقافة والعلم".

وأقول،، كانت مصر دائماً رائدة للعقل والتسامح والاعتدال،، وكانت منارة الحرية ليس فقط فى افريقيا والمنطقة العربية بل والعالم بأسره ،، ونتطلع أن تقوم مصر بهذا الدور من خلال قيادتها لليونسكو بإذن الله.

وفقنا الله لما فيه خير الإنسانية .. وشكراً لحسن الاستمتاع

الأكثر مشاهدة

التحويل من التحويل إلى